شعر. د. عبد الله أمون
على وجهك المخفي آن أن تتمردا
كما آن للمستور أن يتجرَّدَا
فلا يُعرَفُ المقدام إن ظل مُحجِماً
ولا السيف قد يجدي إذا ظل مُغمدا
كَفى من لثام خلفه عشت مُضمًرا
تخبئ ضوء الشمس في عَتْمةِ المدَى
تذكرْ قرونا كنت للعز مصدراً
وعهداً به قد كنت للكون سيدا
وقومَك فاذكر كَمْ شَدَا مُترنِّماً
بأمجادهمْ ثَغْرُ الزمانِ وغرَّدَا
وكم سَطَّرَ التاريخُ عّنْهُمْ صَحائفاً
تُخلِّدُ مجداً لا يُطالُ وسُؤْدَدَا
فإن قِيلَ من أنت انْتِسابًا وعِتْرَةً
فقل أنا من أسْمَى اليَعَارِبِ مَحتِدَا
أنا حِمْيَرِيُّ الأصلِ جَدِّيَ يَعْرُبٌ
وصنهاجةٌ قومي ذوي المجد والجَدَا
من انْتَشَلُوا نِبْراسَ دينِ محمّدٍ
وقد كادَ ضوءُ الدّينِ أن يَتَبَدَّدَا
وجدَّايَ يَحْىَ وابنُ ياسينَ منْ هُمَا
مَشَقَّةَ نَشْرِ الدينِ غربًا تَكَبِّدَا
أقاما رباطاً سَطَّرَ الدهرُ ذِكرَه
على صفحاتِ المَجْدِ سِفْرًا مُخلَّدَا
به انْتَصَبَتْ بين الغيومِ مآذنٌ
لِصَوْتِ أذانِ الخمسِ من فوقِها صَدَى
وجَدّي ابُو بكرٍ إلى الدينِ وحْدَهُ
ملايينَ لا تُحصَى من السُّمْرِ أرْشَدَا
دعاهُمْ فأدْنَى من هَدَى اللهُ قَلبَهُ
ومن ضَلَّ عن نَهْجِ الهِدايَةِ أَبْعَدَا
فَعامَلَ بالحُسْنى من إِنْقادَ مُسلِمًا
وأَعْمَلَ في الباغِي الحُسامَ المُجرَّدَا
وأَسْلَمَ في الأدْغَالِ روحًا زَكِيَّةً
أقامتْ إلى التوحيدِ نَهجًا مُعبَّدًا
ولولاهُ في كُبْرَى المَفَازَاتِ ما انْثَنَى
عن الشِّرْكِ خلقٌ لا يُعَدُّ ولاَ اهْتَدَى
ولا ارتَفَعَ التكبيرُ في "كُمْبِي صالِحٍ
"ولا وَثَنِيٌّ في "أبُوجَا" تَشَهَّدَا
ولا البِنْتُ في "انْيَامِي" تَسَمَّتْ خَديجَةً
ولا الطِّفلُ في "أكْرَا" تَسَمَّى مُحمّدا
وجَدِّي ابنُ تاشِفِّينَ هل غَيْرُ سيفِهِ
لِفِرْدَوْسِنَا المَفْقُودِ قد هَبَّ مُنْجِدَا
دُعِيَّ لأرضِ الرُّومِ والبحرُ دُونَهَا
ولو غَيْرُه من قد دعي لتردَّدَا
ففي وجهه كل النصارى تحالفوا
ومن أجله جيش الصليب توحدا
وكاتَبَهُ ذو المِلَّتَيْنِ مُهدِّدًا
ومن عادة المغلوب أن يَتَهدَّدا
تَوَعَّدَهُ شَرًا ولم يَدرِ أنَّه
بِشَرِّ أميرَ المسلمين توَعَّدَا
تَقَلَّدّ أمرًا لم يُقدِّرْ مَآبَهُ
فأَوْدَى بِه من أمْرِهِ ما تَقَلَّدَا
وداهَمَ مُغْتَرًا بكثرة جيشِهِ
وهل كَغُرُورِ المَرْءِ للْحَتٍفِ أورَدَا
وبَيْنَا ابْنُ عَبَّادٍ تَقَهْقَرَ جُنْدُهُ
وبَاتَ انْتِصارُ الرومِ أمْرًا مُؤكَّدَا
فما راعَ جَيشَ الرومِ إلا فَوَارِسٌ
على العِيسِ تَسْتَجْدِي الشَّهادَةَ مَقْصَدَا
لدى المرءِ مِنهم للعِدَى هِنْدَوَانِيُّ
كأنَّ على حَدَّيْهِ للموتِ مَوْعِدَا
ورُمْحٌ كأن المَوتَ تَسْكُنُ نَصْلَهُ
إذا ما بِهِ نَحْوَ الرَّمِيَّةِ سَدَّدَا
وما هِيَ إلا هَبَّةٌ يَعْرُبِيَّةٌ
لَهَا الحِلْفُ من جيشِ النَّصارَى تّشرَّدَا
تَعَاوَرَهُمْ من جُنْدِ يُوسُفَ نُخْبَةٌ
هُمْ المَوْتُ في نَحْرِ العِدَا قدْ تَجَسَّدَا
فَصَادُوهُمُ والنَّصْرُ في صَبْرِ ساعةٍ
ومنْ وجدَ الصَّيْدَ الوفِيرَ تَصَيَّدَا
وكرَّ على ذي المِلَّتَيْنِ غَضَنْفَرٌ
وفي لَحْمِهِ نَصْلاً من الصُّلْبِ أغْمَدَا
وخَوفَ الرَّدَى فَرَّ افْتِداءً بِذِلَّةٍ
وبِئْسَ نجّاةٌ بالمذلَّةِ تُفْتَدَى
فَلاَ جلدًا أبْدَى وأنَّا لِمَنْ رّأَى
حُسامَ أبِي يَعْقُوبَ أن يَتَجَلَّدَا
لذاك جيوشُ الرومِ أعْطتْهُ ظَهْرَهَا
فَقَتَّلَ منها الجُلَّ والبعْضَ صَفَّدَا
ودانَتْ لَهُ الخَضْرَاءُ وانْقَادَ أهلُهَا
فذا خاطِبٌ وِدًا وذا يَلْثُمُ اليَدَا
وما كان إذْ لبى النداء مُرائيّا
ولا كان ممن همُّهُ أن يُمَجَّدَا
ولم ينتظر حمداً وما مثل يوسفٍ
يلبي نداء المستغيثِ ليُمَحدَا
فقد كان من قوم ترى كلَّ همهم
على الأرض هذا الدين أن يتمددا
وكانوا إذا نادى المنادي تسابقوا
لنصرة دين الله مثنى وموحِدَا
أولئك قوم هِمَّةُ المرْءِ مِنهُمُ
تُبَوِّؤُهُ فوْقَ السِّمَاكَيْنِ مَقْعَدَا
ملوكٌ قلوبُ المؤمنين عُروشُهُمْ
فما اتَّخَذُوا التِّيجَانَ تِبْرًا وعسْجَدَا
جِلادًا مع الأعداء أيامُ دَهرِهم
وتلقاهمُ إن عَسْعَسَ الليلُ سُجَّدَا
على الموت في سوحِ الجهادِ تَعَوَّدُوا
وكُلٌ له من دهرهِ ما تَعَوَّدَا
وما ضَرَّهُمْ أن غابَ دَهرًا برِيقُهُم
فما غَارَ قُرْصُ الشمسِ الا وَأَنْجَدَا.
عبد الله أمون
