محمد المعروف بـ (كادير) رجل قدت أعصابه من الصخر كان لايهاب الموت ولا يخاف المواجة..
ولد (كادير) سنة 1941 بمدينة النعمة عاصة الحوض الشرقي.
في سنة 1959 دخل كادير الجيش الوليد. ليتكون بـ مدرسة الفرسان في سومير، وتطوع سنة 1961، في أسراب المظليين في بو.
عاد إلى انواكشوط سنة 1962 حاصلا على علامات جيدة وكلف باكتتاب البدو الرحل كجنود في كتائب الجمَّالة في عيون العتروس.
توجه بعد ذلك إلى دكار لتعلم فنون الاستطلاع، وعند عودته التحق بوزارة الدفاع، ليتم تعيينه ممثلا للمنتبذ القصي في لجنة الدفاع في منظمة الوحدة الإفريقية بأديس أبابا. وكان يبلغ من العمر حينها 22 سنة فقط.
عاد إلى فرنسا سنة 1963؛ حيث التحق بـ مدرسة تطبيق المشاة في سانت ميكسان (دو سيفر).
في الفترة ما بين 1964 و1968 عمل قائدا للمكتب الثاني في انواكشوط، وقائدا مساعدا للقيادة العسكرية بأطار، وقائدا لقيادة مدينة أكجوجت وقائدا للقيادة العامة بانواكشوط وقائدا للأسلحة مندوبا بانواكشوط، قبل أن يشغل في يوليو 1966، منصب حاكم منطقة بير أم اگرين فقام بتقديم طلب لدى قادته للسماح له بدراسة الطيران.
نجح في تمارين الاختيار المسبق وحصل على منحة إلى فرنسا؛ حيث تجاوز كل التدريبات التي ضمت شتى أنواع الطيران في أولنات كوناك وآرفور (Aulnat, Cognac, Arvor)
عاد سنة 1973 إلى المنتبذالقصي حاملا معه شهادة خبرة في الطيران، فتمت ترقيته استثنائيا إلى رتبة نقيب، وأصبح أول قائد للقوة الجوية.
سنة 1974 كتب إلى الحكومة وأقنعها بضرورة إنشاء قوة جوية حقيقية في بلد شاسع كالمنتبذ القصي، و قام باستيراد ديفاندير (الإنجليزية) وسكاي فان (الأيرلندية) وبوفالو (الكندية)..
سافر يوم 19 نوفمبر 1975 لمدة خمسة وأربعين يوما إلى ايرلندا واشترى طائرتين من نوع “سكاي” لتعزير سلاح الجو.
وفي 9 دجمبر 1975 حين هاجمت البوليساريو بير أم اگرين وإنال، أربك كادير بطائرته قوات البوليساريو التي تعرضت لخسائر فادحة خصوصا في “إنال” بالرغم من أنها كانت المبادر بالهجوم.
وفي الهجوم علي “لگويره” رصد كادير بطائرته ثلاث سفن كان تستعد لإسناد البوليساريو في الهجوم على لگويره فأبلغ عنها.
وفي 16 دجمبر 1975 توجه الي بُلنوار يحمل الذخيرة لقافلة الضابط ادينغ راوان، فشحن طائرته بالذخيرة عيار 81 وفي نفس الوقت كان يستطلع الطريق الذي ستسلكه القافلة.
17 دجمبر 1975 أنجز خطة للاستيلاء علي لگويره ترسم مخططا دقيقا تظهر فيه مواقع البوليساريو والسكك الحديدية وامكانيات فرار البوليساريو كما وضع خطة أخري لقصف لگويره بطائرة نقل وكانت المهمة حساسة وشائكة..
وقام مع النقيب ابراهيم ولد علي انجاي والنقيب أتييه بشحن 400 كغ من المتفجرات من نوع TNT من أجل تجربة العملية، ثم أقلع مع ترك الباب الخلفي مفتوحا وهو إجراء غير اعتيادي، وكان عليه اتخاذ الكثير من التدابير الخاصة مثل الحفاظ علي سرعة معينة وتلافي انحدار شديد في التحليق حتى لا يختل التوازن، واتخاذ إجراءات احترازية حتى لا يعرض الضابطين المرافقين للخطر، كما عليه التصرف برشاقة في كافة العمليات والبقاء علي اتصال مع الأرض. وفي النهاية تمت العملية.
عمل كاديرمع المقدم فياه ولد المعيوف والقوات المغربية، بهدف احتلال العرگوب والداخله، فتم تحرير العرگوب يوم 10 يناير 1976 وفي يوم 12 يناير 1976 حررت مدينة الداخلة.
في بير أم اگرين جرح الرائد محمد محمود ولد أحمد لولي الذي سبق أن عين كأول قائد للتجمع وقام كادير بنقل الرائد لولي للعلاج، وحل محله الرائد أحمد ولد بوسيف.
أما في البير وعين بنتيلي، فقد شنت البوليساريو هجوما عنيفا تركز -أساسا- على عين بنتيلي، مستخدمين مدافع هاون والمدرعات وقتل في هذا الهجوم الرائد سويدات ولد وداد، فجاءت الأوامر لكادير لدك مواقع البوليساريو في عين بنتيلي التي كانت محاصرة وتتعرض لقصف مكثف، وكانت الطائرات تحاول الهبوط لكن المدارج كانت هي الأخرى، تحت القصف من قبل البوليساريو.
سقطت عين بنتيلي في يد االبوليساريو، وأبلغ كادير عبر اللاسلكي قافلة النقيب إبراهيم ولد عالي انجاي التي تبعد ثلاثين كيلومترا عن عين بنتيلي بالعودة الي بير أم اگرين، أكمل كادير إعداد مهمته في بير أم اگرين، وسلم القيادة لحمود ولد الناجي..
توجه إلى لعيون علي متن طائرة “مستير20” تابعة للقوات الملكية المغربية بعد تلقيه التعليمات من وزير السيادة الداخلية أحمد ولد محمد صالح الذي قدم من الرباط، ومن ثم الاتصال بالعقيد أحمد الدليمي قائد منطقة العمليات في الجانب المغربي من الصحراء وذلك من أجل تنسيق العمليات في الميدان والقيام باستطلاعات جوية من أجل تحديد بعض الأهداف في عين بنتيلي وتخطيط وتنفيذ عمليات مشتركة في الميدان مع الضابط المغربي النقيب با طالب صديق كادير الذي سمى ابنه باسمه.
قام كادير بتنفيذ المهمة في ظروف جيدة وشارك في مؤتمر صحفي مصغر حضره الرائد مولاي ولد بوخريص والعقيد الدليمي.
وعاد كادير إلى نواكشوط علي متن “بيتش اكرافت”، وتوجه إلى وزارة الدفاع صحبة مساعد قائد الأركان العامة الرائد معاوية ولد الطايع و النقيب با طالب وقدم تقريرا مفصلا حول التنسيق مع الجانب المغربي لوزير الدفاع محمذن ولد باباه الذي استقبلهم رفقة الرائد محمد محمود ولد أحمد لولي.
في 25 يناير 1976 جهز كادير طائرتين من القوات الجوية تمت برمجتهما لنقل الوقود إلى افديرك، وكانت الكمية 6000 ليتر في رحلتين، لكن كان لابد من التريث في مهمة كهذه.
في 26 يناير 1976، أقلع كادير بطائرة”سسنا” لنقل أسري من العرگوب، صحبة طائرة أخرى بقيادة الملازم أول طيار انجاي انجاك كريم الذي كان قان يقود الطائرة التي سقطت بولد بوسيف .
يوم 15 فبراير 1976 كان في رصيد كادير خلال أسبوعين فقط 53 ساعة طيران وهو ما يعطي فكرة عن كثافة الطيران الذي قام به في ظروف غاية في الصعوبة..
يقول كادير في مذكراته:
“لن أنسي ما حييت أيام 7 و8 فبراير 1976 عندما كانت المعارك الطاحنة تدور رحاها في “اگليبات الگليه “، وعندما كان الفيلق الأول يحاصر مؤخرة البوليساريو، في هذه المعركة استشهد الرائد ادينغ نذيرو.
ففي مساء الثامن فبراير 1976 قمت بالتحليق فوق ميدان المعركة وكان “الكَلب” تأكله النيران، هبطت الي جانب عناصر الدعم اللوجستي الموجودين علي بعد 400 متر من “الگلب” وكانت القذائف تتساقط في كل مكان، وبسرعة فائقة أنزلت شحنتين من الذخيرة (قذائف 105 مم) التي ينتظرها الجميع لأنه لم تبق لديهم إلا 4 قذائف فقط، وهكذا استعاد عناصرنا معنوياتهم وخسرت البوليساريو معنوياتها ولاذت عناصر دعمها بالفرارعندما قمت بالتحليق فوقهم علي ارتفاع منخفض جدا.
بعد ذلك بخمس وأربعين دقيقة توجهت إلى نواكشوط مصطحبا 11 جريحا. وهكذا أنهيت عشر ساعات من الطيران قضيتها بين نواكشوط، شوم، أوسرد، افديرك، تشله، اكَليبات لكَليه وانواكشوط مرة أخري.
كانت معركة 8 فبراير 1976 خاتمة لعمليات البوليساريو في منطقة “آوسرد”، فالبوليساريو خسرت فيها الكثير من رجالها وعتادها: 70 قتيلا، 13 أسيرا، و10 سيارات وأسلحة وذخيرة.
وكانت الخسائر من جانبنا قتيلين و12 جريحا. وتمت ترقية الملازم سيديا ولد يهيَ الذي أبلي بلاء حسنا في هذه المعركة الي رتبة نقيب بصفة استثنائية”.
يوم 14 فبراير 1976 قام الفيلق الثاني بغطاء جوي من كادير بالدخول إلى عين بنتيلي دون قتال بحضور الصحافة الوطنية ومراسلي وكالة الصحافة الفرنسية.
في الهجوم على العاصمة صد كادير البوليساريو وكان له دور في ارباك قوات الولي.
فاتح مايو1977 تعرضت مدينة ازويرات لهجوم مباغت من البوليزاريو وأضرموا النار فى خزان الوقود واحتلوا القيادة المجمعة والملعب و أخذوا العمال الفرنسيين رهائن.
تجمعت القوات وقامت ثكنة فديرك بإغلاق طريق “گلب الشيباني” و”لعشاريات” وقام قائد سلاح الجو “كادير” بملاحقتهم بطائرته وأبلغ عن وجودهم عند “اگليب ادباغ ”.
أصدر هيدالة الأوامر بمهاجمتهم فعارض معاوية ولد الطايع قائد القطاع رقم “1” فى بير أم اگرين الهجوم خوفا على أرواح الفرنسيين..
فى هذه الأثناء قدم العقيد امبارك ولد بونا مختار وقائد الأركان الحربية المقدم أحمد ولد بوسيف، واصدرا الأوامر بعدم المهاجمة، كان كادير يتعقب بطائرته القوات المهاجمة من خلال تتبع آثار السيارت ولوجوده على ارتفاع قريب تم اسقاط طائرته وانقطع الإتصال به، فبدأ هيداله وابريكه ولد امبارك البحث عنه ابتداء من “أمهيريز الحاشي” وهي سلسلة الكثبان الواقعة في منطقة “لحمامي” حتى تم العثور علي حطام طائرته من طرف ابريكه على بعد كيلومتر غرب مرتفع يدعى “زملت ولد الديخن” و أخبر هيداله بخبر العثور على “كادير” ورفيقه أحياء فلم يتمالك الجميع دموعهم لمايمثله ذلك من أثر معنوي فى نفوس قوات الجيش.
رحم الله كادير رجل بألف رجل، عاش من أجل الوطن ومات من أجله.
كتب رفيقة في الرحلة العقيد الشجاع، المعروف في أوساط الجيش الموريتاني بـ "افــّـال محفوظ"، (إسمه الكامل: محفوظ ولد سعد بوه ولد جدو)، المنحدر من مدينة المذرذره، وسَمِـيّ جده لأمه محفوظ ولد ألمين احد رجالات المقاومة المشهورين
كتب هذا المحضر
.........................................
المحضر:
يشرفني أن أطلعكم على ما يلي:
بدأت الأمور في صبيحة يوم السبت 16 يوليو 1977. كنت في قاعدتي العسكرية بمدينة أطار عندما علمنا بالهجوم على مدينة ازويرات. كنت على أهبة الاستعداد، وقد اتخذ الرائد كل التدابير من أجل دعم جوي للفيالق الصديقة المشتبكة مع العدو. عِـلما بأن الرائد كادير، القادم من نواكشوط على متن طائرة اسكيفان، حط عند الساعة الـ 11 و10 دقائق.
النقيب انجاي جاكْ اعتلى طائرة اسكيفان باتجاه ازويرات حيث سيحمل من هناك بعض الجرحى. أنا والرائد كادير حلــّـقنا بالطائرة بعد أن ربطنا الاتصال بالوحدات الموجودة في حالة اشتباك.
في حدود الـ 13 حلقنا فوق الوحدات الصديقة في الجنوب الشرقي لمدينة ازويرات متتبعين آثار العدو. قال لنا الأصدقاء، عبر جهاز اللاسلكي، انهم فقدوا الاتصال المباشر بالعدو. وفي أحوال جوية غير مواتية، بحثنا عن آثار الأعداء خلال ساعتين على الأقل حتى وصلنا إلى أقصى الحدود المخولة لنا. عدنا أدراجنا، لنحلق من جديد عند الساعة الـ 16 و30 دقيقة. كانت الأحوال الجوية جد سيئة. بعد نصف ساعة من البحث استطعنا العثور على آثار الأعداء المتوجهين نحو تورين.
أرغمتنا الظروف على التحليق لمسافة منخفظة (غير عالية) كي نحافظ على رؤية الآثار. بعد ساعة من إقلاعنا، أي حوالي الساعة الـ 17 و30 دقيقة، وجدنا العدو كامنا في واد. صحتُ على الرائد: "الحذر، الحذر، إنهم في الواد". وقبل أن نقوم بأية خطوة، مهما كانت، تعرضت طائرتنا لوابل من أعيرة 18-8. تمكنا من التحليق بالطائرة المعطوبة على علو أكبر بقليل. تواصل الرائد مع المسؤولين في الوحدات الصديقة وقال لهم:"نحن في مواجهة مع العدو، وسنحدد لكم مواقعه في اللحظات القادمة". وبالطبع لم نحدد تلك المواقع أبدا.
عندما كان الرائد عند الجهاز ليقدم الرسالة المطلوبة، أخذتُ الخريطة وبدأت أبحث عن موقعنا عليها، غير أن انفجارا ضخما مفاجئا وقع في مكان مّا من الطائرة، فاهتزت بشكل عنيف وبدأت تسقط عموديا نحو الأرض. إلا أننا نجحنا في السيطرة على توازنها وهي في حالة سقوط.. كانت النيران تجتاح المقصورة الخلفية، وكان اللهب يتقدم سريعا نحو مقصورة القيادة.
حدث ثغب كبير مباشرة وراء مقعدي. سقط المحرك الأيمن، وكان الجانب الأيسر خاويا، ولاحظنا أن مساعدنا، الجندي من الرتبة الثانية، أحمد ولد محمد عبد الله، لم يعد في الطائرة. بمعنى أن الصاروخ الذي أحدث الانفجار دخل من الجانب الأيسر وحمل معه الجندي الثمين الذي كان جالسا وراءنا. لم يبق غير المحرك الأيسر المتقد وحده كما لو أنه لم يعد مربوطا ببقية الطائرة. عمـّـت النيران على المقصورة كلها وكافة أرجاء الطائرة التي أصبحت مجرد شعلة محلقة في الهواء. بدأنا في كفاح مزدوج: من جهة ضد النار التي تصر على ابتلاعنا، ومن جهة ضد الطائرة التي تتهاوى عموديا نحو الأرض.
وأخيرا وصلنا الأرض. تدحرجت الطائرة على مدى ثوان قبل أن تتوقف نهائيا. أدت قوة الصدمة بالأرض إلى فتح باب الطائرة تلقائيا. حاولتُ، بدون جدوى، أخذ قنينة ماء كانت بجانبي، إلا أن ألسنة النار منعتني. خرجنا مسرعين من الطائرة التي انفجرت كليا بعد ثوان قليلة من خروجنا. أخذنا نعدو عَـدْواً أشبه ما يكون بأبطال الألعاب الأولمبية.. ابتعدنا عن الحطام. رأينا سيارة للعدو تنزل من قمة الجبل متوجهة نحو الطائرة. صرخ الرائد في وجهي قائلا: "انبطحْ، ولا تــُـحدث أية حركة". دارت السيارة حول الطائرة، ورأينا سيارات أخرى تنزل نحوها. أصبح الدخان المنبعث من الحريق أكبر، وأصبحنا نرى عددا أكبر من الأعداء يدورون بالطائرة على طريقة الهنود. هنا دخلنا مرحلة حاسمة من هذه المغامرة: مرحلة الصياد والطريدة المجروحة. اصطف الأعداء وتقدموا باتجاهنا. عشنا دقائق مأساوية. وببطء اقتربت السيارات منا. لم يكن لدينا ما نفعله سوى الانتظار. لكن، انتظار ماذا؟. هنا حدثت المعجزة. كانوا يبعدون منا أقل من 300 متر على مساحة منبسطة. وفي الوقت المطلوب حل بنا العامل المنقذ لحياتنا: الرياح المحملة بالأتربة. عصفت الرياح حاملة معها الأتربة والغبار، فغطتنا تماما. بعد دقيقة، استدار العدو وواصلت الرياح عصفها مخفية إيانا عنه. نظرتُ إلى ساعتي. كانت تشير إلى الـ 18 و15 دقيقة. لم تبق إلا ساعتين قبل حلول الليل. عند حلول الظلام حَبـَـوْتُ نحو الرائد. كان على بعد 5 أمتار مني. ضمني إليه بحرارة، قائلا: "تشجـّـعْ صغيري، سوف ننجو".
كنت واثقا تماما من نفسي ومن قائدي الذي أعرف أنه رجل شهم. ابتعدنا من الحطام لمسافة 3 كيلومترات على الأقل. في الظلام الدامس بدأنا نتلمس الأشياء ونتحسسها. وجدنا نبتة يعرفها الرائد. قمنا بمص أوراقها آملين أن نجد بها القليل من السوائل. قال لي الرائد: "إسمع صغيري، لقد نجونا من كل المطبات التي واجهتنا حتى الآن، ولا يوجد أي سبب لعدم تمكننا من تجاوز البقية. ومن المؤكد أن أصدقاءنا أعلنوا حالة استنفار من أجلنا ووضعوا كل وسائلهم بغية معرفة ما حل بنا". أفهمني الرائد أن وسيلتنا الوحيدة للنجاة هي حطام طائرتنا. بعد ذلك استلقينا، لكننا لم ننم طبعا. عند ساعات الفجر الأولى وقفنا، كنا نرى الحطام من بعيد. بعد الفطور (قطعة من السكر كانت في جيب بزتي، كسرناها وتقاسمناها) توجهنا إلى الطائرة. لم يكن هناك أي أثر للحياة. كانت الرياح تعصف بشكل رهيب. تجولنا حول الحطام عسانا نحصل على وعاء من الماء كان بداخلها. كانت الساعة تشير إلى الـ 8 و30 دقيقة. كنا نخشى الألغام ونخشى أن يكون العدو أعد كمينا غير بعيد. كان العدو قد حمل معه أجزاء من هيكل الطائرة المتحطم، وكتب شعارات على بعض الأجزاء المتبقية، من قبيل: "لا سلام، لا أمان". ورغم احتمال أن يكون العدو وضع ألغاما بالقرب من الطائرة، فقد قررنا القيام بجولة تعرّف في المحيط القريب. أثناء تلك الجولة عثرنا على جثة أحد الجنود الأعداء، وعلى مسافة منها عثرنا على حاملة الصواريخ اليسرى لطائرتنا. حاولنا إشعال النار أملا في أن يشد الدخان انتباه أصحابنا عساهم يكتشفون مكاننا. أشعلنا النار في الإطار الأيمن للطائرة الذي نجا وحده من الحريق، غير أن رياحا عصفة منعت الدخان من الارتفاع على علو كبير وفرقته قريبا من سطح الأرض. لم تكن الشمس حارة، وكانت الرياح، رغم قوتها، تساعدنا بقليل من البرودة. كان الأمل يحدونا مما أنسانا العطش الذي بدأنا نحسه بالفعل. في حدود الـ 9 توجهنا إلى مرتفع ظنا منا أننا سنرى مساحات أكثر من المنطقة. بعد مسيرة طويلة (لأننا أسأنا تقدير مسافة المرتفع منا) وصلنا القمة. هنا تفرقنا. طلع الرائد فوق القمة لمراقبة المنطقة، ونزلت أنا في الواد لعلي أجد قنينة ماء نسيّها الأعداء أو أعثر على بئر غير بعيدة. خاب أملي كليا. لم أعد أرى الرائد. ربما كان على الجهة الأخرى من القمة. بعد فترة وجيزة التحق بي الرائد. لم يكلم أي منا الآخر إذ لا جدوى من ذلك لأن أحوالنا مقروءة بوضوح على وجهيْـنا. هنيهة، طلب مني أن نلتحق بمكان تحطم الطائرة.
نظرة خاطفة على ساعتي تشير إلى الـ 10 و30 دقيقة. بدأت حرارة الصحاري تضرب بعنف. هنا انطلقتْ أقسى رحلاتنا، لأننا استهلكنا 80 في المئة من طاقتنا. كنا نشعر أننا كلما اقتربنا من حطام الطائرة كلما ابتعد منا. مع ذلك وصلناها لنسقط خائري القوى بجانبها. جلس كل واحد منا على حدة تحت ما تبقى من جناحي الطائرة أملا في القليل من الظل. اشتد حر الشمس. وأكثر من أي وقت مضى، أصبحنا نشعر جديا بوقع العطش. أخذ التعب يشل أعضاءنا. لكننا حافظنا على بقية من أمل. كنا ننتظر مسألة ما. كان لابد من أن يستجد جديد. من أين؟ كيف؟ متى؟ لا نعرف، لكننا كنا ننتظر والساعة تشير إلى الـ 13 و45 دقيقة. فجأة سمعتُ أحدا يصرخ: "افــّــال، إنهم هناك. الأصدقاء هناك". لم أعرف من أين أتت هذه الصرخة. استبدت بي قوة خارقة أخرجتي من تحت جناح الطائرة. هل هو حلم؟ هل تحققت معجزة أخرى؟ لا يمكنني أن أقتنع. مع ذلك كانت الطائرات تحوم فوقنا. خرجنا نجري ملوّحين بمناشف عندنا كنا نحتمي بها من الغبار. رأونا؟ لم يرونا؟: إنهما السؤالان اللذان يجوبان ذهني. رأينا الطائرات تبتعد، وتبتعد. أصبحت صغيرة، فأصغر. في هذا الوقت بالتحديد فهمت أن حظوظنا أصبحت، على شاكلة الطائرات، صغيرة فأصغر. عدنا إلى مخبأيْــنا دون أن يكلم أحدنا الآخر. كنا مغلوبيـْـن على أمرنا وفاقديـْـن كل أمل. كان من المستحيل على جسميْـنا أن يبقيا في وضعية أو أخرى. كانت الحرارة تغزوني من الداخل. أصبحتْ حنجرتي جافة تماما ومليئة بالأتربة. انسدت المناخر بالحصا. هذه الرياح المحملة بالأتربة، التي أنقذتنا بأعجوبة بالأمس بتغطيتنا عن الأعداء، تأتي اليوم لتكون كارثة علينا. كنت أحبذ الموت على أن أسقط أسيرا بين يدي أعدائنا. والحقيقة أنه لابد من نهاية لكل شيء. لقد كافحنا حتى النهاية، وها نحن نبلغ النهاية. لقد تعاملنا بعزة وشرف مع القضية التي ندافع عنها. والآن انتهى الكفاح، ولم يعد بمقدورنا أن نتصرف. عندما تأكدتُ أن نهايتنا اقتربت، أخرجت جواز سفري واستخدمت آخر ما لدي من قوة جسدية وعقلية لأكتب لشعبي الرسالة التالية: "مثل العديد من رفاقنا، سقطنا في ساحة الشرف، ساعين للحفاظ على مصالح وكرامة الشعب الموريتاني، ومن أجل وحدته الوطنية. فليجعل الله تضحياتنا مثالا لكل الرجال المسكونين بالعدالة والسلام. إننا في الطريق إلى أن نخسر معركة، لكن شعبنا سيربح الحرب".
كنت فخورا بنفسي، ولم أكن أهتم كثيرا بالذي سيعثر على جـثـتيـْـنا: عَدُواً كان أم صديقا. كنت أفكر في مدى الإرادة التي تحدو أبناء موريتانيا وإلى أي حد يمكنهم أن يصلوا. وإذا ما عثر أصدقاؤنا على جثتيـْـنا سيعلم شعبنا أن أبناءه سقطوا بعزة وكبرياء.
بعد الرسالة والأفكار التي شغلتني، غرقت في غياهب العدم. لم أعد أحس بأي ألم، بأي عطش، بأي تعب. كم أمضيت على هذه الحال؟ الله أعلم. بقيت هكذا في حالة إغماء إلى أن سمعت صوتا بعيدا كأنه قادم من بين طيات الأرض. مستحيل، إن أصدقاءنا هنا، أمام ناظريّ. وسمعتُ رجالا يصرخون: "إنهم أحياء.. إنهم أحياء". وهكذا أسدل الستار على كابوسنا.
انتهى المحضر
كامل الود
سيدي محمد
