حذاء بألف دولار… وقدر بلا ثمن / أحمد ولد خطري

حذاء بألف دولار… وقدر بلا ثمن / أحمد ولد خطري

أحمد ولد خطري

 

كانت العلبة ضخمة، لافتة للنظر، يفوح منها عطر الفخامة قبل أن تُفتح. حين وضعها صديقي بين يديّ وابتسم، أدركت أن الأمر ليس هدية عادية. فتحتها. 

بحثت بسرعة في الهاتف.  قرابة ألف دولار !!!!

أغلقت الشاشة وحدّقت في الحذاء طويلاً.

هدية تُثقل الخطى!!!

لم يكن الحذاء خفيفاً على قدميّ — لا من جهة الجلد، ولا من جهة المسؤولية. كنت أرتديه بتحفّظ، كمن يحمل شيئاً ثميناً يخشى عليه. كان صلباً، لا يتكيّف مع خطواتي، وكثيراً ما راودني هاجس أن يزلّ بي على بلاط أملس فأقع، فأكسر.

كنت أقول في نفسي: *"ما أُلبس الإنسان أثقل من حاجة الناس لحفظ ما يملكه."*

لكنه كان هدية من قلب صديق، فكنت أخرجه بين الحين والآخر، تكريماً للمحبة لا للجلد.

ركعة أم حذاء؟

في يوم كأيام الله العادية، توجّهت إلى المسجد لصلاة العصر.

دخلت والإمام راكع، ولم يبقَ إلا ركعة أخيرة واحدة. عند باب المسجد، وجدت نفسي أمام خيارين في ثوانٍ:

*أن أنحني وأضع الحذاء أمامي بعناية — فأفوّت الركعة.*

*أو أتركه خلفي وأُدرك الركعة.*

لم أتردد. خلعته بسرعة ورميته تركته خلفي، وانضممت إلى الصف.

وحين قلت "السلام عليكم ورحمة الله" وسلّمت، التفتُّ إلى الخلف.

*لم يكن ثمة شيء.*

الحذاء بألف دولار — اختفى.

 لحظة القدر...

لو أخبرتك أن قلبي لم يهتزّ لكذبت. لكن الذي حدث بعدها كان أغرب من اهتزازه.

فجأة — وكأن يداً غيبية قلّبت صفحات ذاكرتي — تذكّرت سورة الكهف. تذكّرت موسى عليه السلام وهو يمشي مع الخضر، يرى بعيني رأسه أفعالاً تبدو شراً، فيُنكرها. وفي كل مرة كان الخضر يقول:

﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾

وفي كل مرة، كان المآل خيراً مستوراً تحت ظاهر المصيبة.

قلت في نفسي: *ربما كان هذا الحذاء سيزلّ بي يوماً فيكسر ساقي. ربما كان ثمنه الحقيقي ألماً لم أره بعد. وربما أخذه الله عني رحمةً بي قبل أن يأخذني.*

رفعت رأسي إلى السماء وقلت بصدق:

بقي الله و كفى !!!

 شاهدوا عفوي

تجمّع حولي بعض المصلين، يسألون، يتعاطفون. بدون ان يعرفوا قيمة الحذاء.

ابتسمت وقلت: "لا يهم. أشهدكم جميعاً أني عفوت عن من أخذه."

فانصرفت بقلب أخف من أي وقت مضى، حافياً في نعل استعرته من المؤذّن، والطريق إلى البيت لم يكن بعيداً — لا في المسافة، ولا في السكينة.

 الرزق يعرف عنوانك

بعد شهرين من تلك الليلة.

طرقت الباب شقيقتي الصغيرة، وبين يديها — علبة تعرفت عليها قبل أن تُفتح.

قالت وهي تبتسم: *"ابن خالتنا الذي سافر إلى أمريكا أرسل لك هذا."*

فتحت العلبة.

*حذاء — نسخة طبق الأصل من الذي اختُطف في المسجد.*

قال ابن خالتنا إنه تلقّاه هدية من شخص كريم هناك، وإنه لن يعود من سنوات، فأوصى أن يُهدى لي.

*الرزق لا يضيع. الرزق يسلك طرقاً لا تخطر على بال

 ما علّمتني إياه نعل من جلد

يا أخي، يا أختي:

- حين تُسلب شيئاً، لا تنظر إلى ما فُقد. انظر إلى ما قد يأتي بدله.

- حين تمرّ بك مصيبة تبدو ظلاماً، تذكّر أن الفجر لا يُعلن عن نفسه — يأتي فحسب.

* وتذكّر الخضر وموسى:*

كل سفينة تُثقب، كل جدار يُقام، كل حياة تُؤخذ — وراءها علم لا يملكه إلا الله.

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾

أنا لم أخسر حذاءً.

أنا ربحت درساً لا يُقيَّم بألف دولار.

*ربحت يقيناً بالقدر.*

والحمد لله أولاً وآخراً.