قرأت قصيدة السُّباء لأخي الشاعر المبدع والكاتب الكبير المختار السالم بن أحمد سالم وخرجت يما يلي:
أولا: تعليق على القصيدة
ثانيا: تهنئة مستحقة لصاحب القصيدة
أولا: التعليق
- الفكرة العامة: "السُّباء" ملحمة غنائية رمزية تجعل من الخشبة التي جرفها السيل صورةً للإنسان العربي، ثم للأمة العربية بأكملها: أمة فقدت الشاطئ والاتجاه، وأصبحت تتحرك بقوة التيار لا بإرادتها.
لكن السُّباء ليس مجرد ضحية صامتة؛ إنها شاهدٌ يتعلّم عن الرحلة، ويرى أثناء طوفانه:
- تمزق الأمة وضياع وحدتها.
- استبداد الحكام وتواطؤ النخب.
- الحروب والقتل والنزوح.
- زيف الشعارات السياسية.
- تحوّل الثروة، ولا سيما النفط، إلى وسيلة للفساد.
- انهيار العلاقة بين الماضي الحضاري والواقع الحاضر.
- عجز اللغة والشعر أحيانًا أمام الرصاص.
- بقاء إمكانية النهوض رغم الخراب.
لذلك ليست القصيدة رثاءً خالصًا، بل انتقال من تشخيص الانهيار إلى التحريض على استعادة الإرادة.
- فقدان الأصل والجذور
الخشبة كانت جزءًا من شجرة ثابتة، لكنها أصبحت بعد اقتلاعها جسمًا منفصلًا، تحمله المياه. وكذلك الأمة: لها أصل حضاري، لكنها انفصلت عن تاريخها وقيمها وإرادتها. وتصرّح القصيدة بهذه الحالة حين تقول: "فمضينا مُضيَّ السُّباء" (ص.88).
الفعل «مضينا» يدل على الحركة، لكن التشبيه بالسُّباء ينفي أن تكون الحركة حركةً إرادية. إنها حركة بلا قيادة ولا اختيار.
السباء يفقد الاتجاه ولا يختار مساره؛ السيل هو الذي يختار له. ومن هنا تكثر ألفاظ الطريق والريح والتيه والبحر والسفن والشواطئ في النص. ويقول الشاعر: "لم نكن قادرين على رؤية الشط من حولنا فمضينا مُضيَّ السُّباء" (ص.88).
المشكلة إذن ليست في غياب الشاطئ وحده، بل في العجز عن رؤيته. وهذا يحيل إلى فقدان البصيرة السياسية والفكرية.
- تحوّل الأمة إلى حطام:
وتبلغ الصورة ذروتها في قوله: "وقل هذه أمةٌ من حطام الحطام المسوبأ" (ص.151).
لفظة «المسوبأ» اشتقاق شعري من "السُّباء". فالأمة لم تعد خشبةً واحدة، بل أصبحت "حطام الحطام": بقايا متفرقة من كيان كان متماسكًا، وتعرض للإهمال والتفكك والضياع.
- إمكانية الاستقرار والإنبات:
مع ذلك لا يقبل الشاعر أن يبقى السُّباء طافيًا إلى الأبد، فيسأل: "وآن لهذا السُّباء المسيّب أن يستقر!" (ص.160).
ثم ينتقل من الاستقرار إلى التحول: "وآن له الانغراس ليغدو غصنًا...
آن له أن يمد جذورًا بهذا الوجود المهدد" (ص.160).
وهنا تقع أهم حركة رمزية في القصيدة: فالخشبة الميتة يمكن أن تصبح غصنًا حيًّا. بذلك تتحول صورة السُّباء من رمز للاستلاب إلى رمز لإمكان البعث، والانعتاق
- صورة واقع الأمة العربية
أ) التشظي وفقدان الوحدة: يصف الشاعر القضية بأنها "داء المشتّت" (ص.43). ثم يعود فيسأل:
"أما من شتاتٍ يلملم أشتاتنا؟" (ص.158).
إنه لا يتحدث عن انقسام سياسي فقط، بل عن تمزق في الوعي والهوية والذاكرة. فالأمة لم تعد ترى نفسها وحدةً متكاملة، بل جماعات متباعدة، يشك بعضها في بعض.
كما تظهر صورة انهيار الأمومة القومية في قوله: "من لم يعد آمنًا على فكرة الأمة المرضع" (ص.25).
فالأمة التي كان يفترض أن تكون أمًّا حامية أصبحت عاجزة عن حماية أبنائها.
ب) الاستبداد وفساد الحكم
تظهر صورة الطغاة في خطاب مباشر وقاسٍ: "وسُبَّ الطغاة العتاة البغاة" (ص.83).
ثم يشخص الشاعر أحد أسباب الانهيار بقوله: "ويستخدم العرش من لا دماء ولا علم له" (ص.124).
فالعرش أصبح في يد من يفتقد الضمير والمعرفة معًا. والاستبداد هنا ليس فردًا واحدًا، بل منظومة تشمل الحاكم والمتواطئ والمثقف الصامت.
ج) النفط وتحول الثروة إلى لعنة
من أكثر الصور السياسية مباشرةً قوله: "لا بد أن تمدح النفط في المدن العاهرة" (ص.90).
الجملة ساخرة؛ فالمدح أصبح شرطًا للسلامة، والنفط الذي كان ينبغي أن يكون مصدر قوة تحوّل إلى وسيلة لشراء الصمت وإدامة الاستبداد.
كما تتكرر ثنائية الزيت والدخان؛ فلا يظهر النفط بوصفه نورًا أو تنمية، بل بوصفه دخانًا يحجب الحقيقة.
د) فلسطين والقدس
تظهر القدس في صورة شديدة التكثيف: "ومن عقروا ناقة الله لن تشرب القدس ألبانهم" (ص.84).
يجمع الشاعر بين قصة ناقة صالح والقدس؛ فمن أهلك رمز الحياة والبراءة في داخله لا يستطيع تحرير القدس. وبذلك يربط الهزيمة الخارجية بالفساد الداخلي.
ه) الحرب والقتل والنزوح
يتسع المشهد في الصفحات 146–148 ليشمل الدماء والحطام والجوع والبرد والموت: "هنا صار حبل المشيمة أطلال روح" (ص.147).
إنها صورة لانقطاع الإنسان عن موطنه وأصله، حتى غدا الانتماء نفسه خرابًا.
وفي قوله: "هنا ليس يعلو المدينة إلا الذباب وإلا الدخان" (ص.147)، تتحول المدينة العربية إلى فضاء للموت، لا للحضارة.
و) السلام الزائف
لا يرفض الشاعر السلام في ذاته، بل يرفض السلام الذي يغطي الظلم: "أنا لا أحب سلام المسالم... كلا" (ص.163).
ويحذر من خطاب يبدو مسالمًا بينما يخفي المخلب: "ولا تأمنن الحمام فما زال ذا مخلب" (ص.163).
الحمامة، وهي رمز السلام، تُقلب إلى كائن مفترس؛ وهذه مفارقة تكشف الشعارات التي تستعمل السلام لتثبيت الظلم.
- الماضي الحضاري في مواجهة الحاضر
تتحرك القصيدة في جغرافيا واسعة تمتد من الصحراء الموريتانية والمغاربية إلى المشرق والأندلس. وتستحضر:
بابل ودمشق وقرطبة (ص.112). الأندلس (ص.118) ، القدس، السقيفة، حلف الفضول، زرقاء اليمامة، إرم، زهيرًا، والشنفري، وزرياب، طروادة، السندباد، موسى، والخضر، ويوسف.
ليس هذا الاستحضار تزيينًا ثقافيًا؛ بل هو وسيلة لمقارنة حاضر الأمة بماضيها. يقول الشاعر بوضوح:
"فقد كانت الأمة العربية خير الأمم" (ص.122).
غير أن الماضي لا يقدم بوصفه مهربًا رومانسيًا، بل مسؤولية. فذكر بابل ودمشق وقرطبة يزيد فداحة الحاضر: كيف انتقلت الأمة من البناء الحضاري إلى "حطام الحطام"؟
ومن أجمل التناغم في القصيدة استحضار قصة موسى والخضر: "أقمت الجدار، قتلت الغلام، خرقت السفينة فجرًا" (ص.121).
والمغزى أن بعض الأفعال التي تبدو تخريبًا قد تخفي حكمة إنقاذيه. لذلك يقول لاحقًا: "تنجو السفينة بالخرق حينًا" (ص.126).
وهي فكرة مركزية: الإصلاح الحقيقي قد يحتاج إلى كسر البنية الفاسدة، لا إلى طلائها.
ملاحظة أولى: أقوى ما في القصيدة:
- الرمز المركزي العميق للسُّباء.
- اتساع الرؤية من المحلي الصحراوي إلى العربي والإنساني.
- التوتر الإيقاعي الناتج من المتقارب والتكرار.
- قدرة الشاعر على تحويل الخراب إلى صور حية.
- الجمع بين الرثاء والتحريض والأمل.
الملاحظة 2: صعوبة تلقي القصيدة:
- طولها الشديد.
- كثافة الإشارات التاريخية والأسطورية والجغرافية.
- تزاحم الاستعارات.
- الانتقال المفاجئ بين الأزمنة والأمكنة والأصوات.
- غلبة الغموض أحيانًا على الترابط المباشر.
غير أن هذا يخدم ـ إلى حد بعيد ـ موضوع القصيدة؛ فبنيتها المتكسرة تحاكي أمةً متكسرة، وتيه لغتها يشبه تيه السُّباء في السيل. لكن بعض المقاطع تتجاوز الغموض المنتج إلى تراكم لغوي قد يحجب الفكرة.
الخلاصة
"السُّباء" قصيدة عن أمة اقتُلعت من جذورها، وحملتها تيارات الاستبداد، والحرب والتبعية والتواطؤ. والخشبة الطافية هي الإنسان العربي والأرض والذاكرة والقصيدة نفسها. غير أن الشاعر لا يقبل أن يكون الانجراف قدرًا نهائيًا؛ فالسُّباء يستطيع أن يستقر، وأن يمد جذوره، وأن يعود غصنًا، أو شجرة ولم لا؟
ثانيا: تهنئة
أيها الشاعر المبدع،
يسعدني أن أتقدم إليكم بأصدق عبارات التهنئة والتقدير على هذا الديوان الشعري الكبير: قصيدة «السُّباء»، التي لم تكتبوا فيها نصًّا عابرًا، بل شيّدتم عالمًا شعريًّا واسعًا، تتداخل فيه ذاكرة المكان بآلام الإنسان، ويتعانق فيه التاريخ مع الحاضر، والحزن مع الأمل، والانكسار مع إرادة النهوض.
لقد جعلتم من «السُّباء» — تلك الخشبة التي اقتلعها السيل وحملها بعيدًا عن أصلها — رمزًا بالغ الدلالة لأمة تتقاذفها التيارات، وتثقلها الجراح، وتبحث بين الحطام عن شاطئها وهويتها. غير أن السُّباء في قصيدتكم لا يظل مستسلمًا للتيه؛ فهو يرى ويتعلم ويشهد، ثم يتطلع إلى أن يستقر، وأن يمد جذوره، وأن يتحول من خشبة سائبة إلى غصن حيّ أو شجرة مباركة " تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ"(صدق الله العظيم). وفي هذا التحول تتجلى رسالة القصيدة الكبرى: أن الخراب ليس قدرًا أبديًّا، وأن الأمة، مهما أثقلتها المحن، قادرة على أن تستعيد إرادتها وتبدأ من جديد.
لقد منحتم بحر المتقارب نبضًا متدفقًا يحاكي حركة السيل ووقع الخطوات وخفق القلب، وأقمتم من الصور والرموز جسرًا يصل الصحراء بالبحر، وبابل بدمشق وقرطبة، والماضي بالحاضر، والجرح بالحلم. فجاءت القصيدة ملحمةً للذاكرة العربية، وصوتًا في وجه الصمت، ودعوةً إلى مقاومة الاستسلام والتشتت.
هنيئًا لكم هذا النفس الشعري الطويل، وهذه اللغة الخصبة، وهذه القدرة على تحويل ألم الأمة إلى جمال، وحطامها إلى سؤال، وسؤالها إلى أمل. وهنيئًا للشعر العربي بقصيدة تستحق القراءة والتأمل والدراسة.
دمت شاعرًا وفيًّا للكلمة، مشعلًا للوعي، وحارسًا لذاكرة الأمة وأحلامها. وإلى مزيد من الإبداع والتألق والعطاء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد علي أكيبد
خبير اقتصادي ـ إحصائي ـ ديموغرافي
