لندن- عربي21
أثار مقطع نشره الناشط الإماراتي عمر البلوشي، تحدث فيه عن "تطرف" مزعوم داخل أوساط واسعة من المسلمين في أوروبا وبريطانيا، جدلًا على منصات التواصل الاجتماعي.
لكن الباحث البريطاني في شؤون الشرق الأوسط أندرياس كريغ رد بسخرية، معتبرًا أن ما يقدمه البلوشي يمثل جزءًا من شبكة إماراتية من المؤثرين الذين يروجون لرواية أبوظبي بشأن المسلمين في الغرب.
وبنبرة ساخرة، قال كريغ إن هذه المقاطع التي يقدمها ما وصفهم بـ"مؤثري التضليل الإماراتيين" أصبحت بصورة متزايدة شبيهة بأعمال فرقة "مونتي بايثون" الكوميدية، مضيفًا بسخرية أن هناك اليوم الكثير من روبوتات الذكاء الاصطناعي التي يمكنها أداء قراءة النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي بصورة أفضل.
وكان البلوشي قال في مقطع مصور باللغة الإنجليزية إن "أجزاء كبيرة من الجالية المسلمة" في أوروبا وبريطانيا يجري "تطرفها بهدوء"، زاعمًا أن الأمر لا يتعلق بمنظمة واحدة، وإنما بـ"شبكة" تتغلغل في المساجد والجمعيات الخيرية والجامعات والمدارس والمراكز المجتمعية.
وادعى أن هذه الشبكة تروج لأفكار تحتقر النساء الغربيات، وترفض الديمقراطية الليبرالية باعتبارها غير متوافقة مع تصورها للإسلام، في الوقت الذي تستفيد فيه من الديمقراطية للوصول إلى مواقع سياسية مثل المجالس المحلية ورئاسة البلديات والبرلمان.
وربط البلوشي بين ما وصفه بـ"العزلة" التي تشهدها بعض أجزاء المجتمع المسلم في بريطانيا وبين تعليمات متعمدة، قال إنها تصور المجتمع الغربي على أنه فاسد وتدعو إلى مقاومته من الداخل.
وختم بالقول إن الظاهرة "تنتشر بوتيرة أسرع"، داعيًا إلى التعامل معها باعتبارها تهديدًا متصاعدًا.
إماراتية تؤيد.. وباحث بريطاني يسخر
ولقي الفيديو تأييدًا من الصحفية الإماراتية منى الحمودي، التي قالت إن ما طرحه البلوشي يجب أن يؤخذ على محمل الجد، معتبرة أن التطرف "نادراً ما يبدأ بالعنف"، وإنما يبدأ بأفكار تطبع الاحتقار والانقسام ورفض المجتمع الذي يعيش فيه الفرد.
وأضافت أن تصوير المجتمع الغربي باعتباره فاسدًا بطبيعته والدعوة إلى مقاومته من الداخل يمثلان "علامات تحذيرية"، داعية إلى الجمع بين حماية حرية الاعتقاد ومواجهة الأيديولوجيات التي تستغل الدين للترويج للعزلة والعداء والتطرف.
ويأتي تعليق كريغ في سياق انتقاداته السابقة للخطاب الإماراتي الموجه إلى الغرب، إذ نشر خلال السنوات الماضية عدة مقالات ودراسات حول ما يصفه بمحاولات أبوظبي التأثير في النقاشات الأوروبية بشأن الإسلام والمسلمين وجماعة الإخوان المسلمين.
ولا تأتي تصريحات البلوشي بمعزل عن خطاب إماراتي أوسع تصاعد خلال السنوات الماضية، يضع مواجهة "الإسلام السياسي" وخصوصًا جماعة الإخوان المسلمين في قلب السياسة الخارجية والإعلامية لأبوظبي.
وكشف تحقيق دولي سابق حمل اسم "أبو ظبي سيكريتس" عن حملة سرية واسعة نفذتها شركة الاستخبارات الخاصة السويسرية "Alp Services" لصالح جهات مرتبطة بالإمارات.
وبحسب التحقيقات المبنية على نحو 78 ألف وثيقة مسربة، استهدفت العمليات أشخاصًا ومنظمات في 18 دولة أوروبية، وجرى تقديم عدد من المسلمين والأكاديميين والنشطاء والمنظمات على أنهم مرتبطون بجماعة الإخوان المسلمين أو بما سمي "شبكة إسلامية متطرفة".
وأثارت تلك التحقيقات ضجة سياسية وقانونية في أوروبا، بعدما تبين أن الحملة لم تقتصر على جمع المعلومات، وإنما شملت محاولات لتشويه سمعة أشخاص ومؤسسات والتأثير في صورتهم لدى الصحافة وصناع القرار.
وكانت وثائق التحقيق قد أظهرت أن شركة "Alp Services" تلقت ملايين اليوروهات من جهات إماراتية خلال الفترة التي نفذت فيها عملياتها، فيما تناولت التحقيقات أيضًا صلات بين الشركة وشخصيات وخبراء قدموا معلومات عن أشخاص جرى تصنيفهم ضمن ما سمي "شبكة الإخوان المسلمين".
وكان كريغ نفسه قد كتب في وقت سابق أن أبوظبي استفادت من المخاوف الغربية من الإسلام لتقديم مفهوم "الإسلام السياسي" باعتباره مظلة تجمع تيارات متباينة، معتبرًا أن الخطاب الإماراتي ساهم في الخلط بين النشاط الإسلامي السياسي السلمي والتنظيمات الجهادية.
وبحسب كريغ، فإن شبكات مرتبطة بالإمارات استفادت من باحثين وصحفيين ومراكز بحثية وشخصيات سياسية لترويج سردية تصور جماعة الإخوان المسلمين كشبكة متآمرة تسعى إلى السيطرة على أوروبا، وهو ما اعتبره جزءًا من حملة أوسع لإعادة تشكيل النقاش الأوروبي حول الإسلام والمسلمين.
تقاطع مع اليمين الأوروبي
وفي الأشهر الأخيرة، ظهرت تقارير جديدة عن تقاطع المصالح بين أبوظبي وبعض المنصات والشخصيات اليمينية في أوروبا.
فقد نشرت مجلة "Intelligence Online" الفرنسية المتخصصة في شؤون الاستخبارات، في كانون الثاني/يناير 2026، تقريرًا قالت فيه إنها اطلعت على وثائق تظهر مناقشات للتعاون بين منصة "Visegrád 24" ووزارة الخارجية الإماراتية، بهدف دعم السردية الإماراتية بشأن مواجهة "الإسلام الراديكالي" في الغرب.
وتُعد "Visegrád 24" منصة مؤثرة في أوساط اليمين الأوروبي، وقد ارتبط اسمها خلال الفترة الأخيرة بتغطيات داعمة لتيارات يمينية وشخصيات مثل زعيم حزب "الإصلاح" البريطاني نايجل فاراج ورئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي جوردان بارديلا.
وأشارت "Intelligence Online" إلى أن التقارب مع أبوظبي لم يقتصر على المنصة، بل جاء بالتزامن مع علاقات ولقاءات أظهر فيها فاراج وبارديلا تقاربًا مع الإمارات.
وفي مثال آخر، نشرت المنصة نفسها موادًا تهاجم ما تصفه بـ"الإسلام الراديكالي" وتقدم الإمارات بوصفها نموذجًا لمواجهة هذه التيارات، ومن بينها مقابلة مع الناشط المجنس إماراتيا أمجد طه، الذي هاجم وجود جماعة الإخوان المسلمين في المدن الأوروبية.
