بين وجع الذاكرة الجماعية وويلات العالم العربي
يستعيد أحمد المديني في روايته الجديدة زمنًا عربيًا مثقلًا بالمنفى والنضال والخيبات، متخذًا من باريس فضاءً تتقاطع فيه مصائر المثقفين والمناضلين مع أسئلة الوطن والحرية والذاكرة. وبين السيرة والتخييل، يستحضر الكاتب جيلًا حمل أحلامه إلى المنافي، وظل مشدودًا إلى أوطانه، ليحوّل التجربة الفردية إلى ذاكرة جماعية مفتوحة على الحاضر.
التقيت بالأخ والصديق أحمد المديني في عزّ حرارة هذا الصيف، وبعد حديث طويل تناولنا فيه أوجاع العالم العربي وأوضاع المثقفين العرب في بلدانهم وفي الشتات، أهداني نسخة من روايته الجديدة "الأنشوطة الباريسية: مغاربة وعرب آخرون"، الصادرة عن المركز الثقافي للكتاب. وقد أطلق عليها بعض الكتاب اسم «الناجية»، لأنها كانت ضمن منشورات الأستاذ والصديق بسام الكردي في مخبئه بجنوب لبنان، الذي تعرض للقصف، فنجت بعض الأعمال، وكانت هذه الرواية من بينها.
ومن هنا بدا لي أن وصول هذا الكتاب في حد ذاته يحمل دلالة تتجاوز الصدفة؛ فكتاب يتناول المنفى والذاكرة والمثقف العربي ينجو من الدمار، وكأن الثقافة، رغم هشاشتها أمام آلة الحرب، تملك قدرة عجيبة على مقاومة المحو.
تقع الرواية في ثلاثة وثلاثين فصلًا، إضافة إلى فصل أخير لما قيل عنها، وتمتد على أكثر من سبعمائة صفحة، وهو حجم يعكس اتساع المشروع الذي أقدم عليه المديني، ويكشف عن رغبة واضحة في الإمساك بزمن طويل، واستعادة أمكنة وشخصيات وأحداث ظلت حاضرة في ذاكرة الكاتب والجيل الذي ينتمي إليه.
ومن الصعب وضع هذا العمل داخل خانة واحدة؛ فهو رواية وسيرة وذاكرة وشهادة في الوقت نفسه. إنه نص تتحرك فيه الشخصيات بين الواقع والتخييل، وتتداخل فيه السيرة الفردية مع التاريخ السياسي والاجتماعي، بحيث يصبح من الصعب الفصل بين ما عاشه الكاتب، وما استعادته الذاكرة، وما أعاد الأدب تشكيله. وهذه إحدى نقاط قوة العمل؛ لأن المديني لا يقدم وثيقة تاريخية جافة، ولا يكتب سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، وإنما يستثمر الرواية لاستعادة زمن بأكمله.
باريس... أكثر من مدينة
تحتل باريس موقعًا مركزيًا في تجربة أحمد المديني الأدبية والشخصية. فالعلاقة بين الكاتب وهذه المدينة تمتد لأكثر من أربعين عامًا؛ عاش فيها، ودرس، وكتب، وتأمل تحولات الإنسان العربي في المنفى، كما عاين من خلالها تحولات المجتمع الفرنسي والعالم العربي والعلاقات بينهما.
ولهذا لا تظهر باريس في "الأنشوطة الباريسية" بوصفها مجرد خلفية للأحداث، وإنما تكاد تكون شخصية من شخصيات الرواية. إنها مدينة تتحرك في النص، وتمنح الشخصيات أسماء شوارعها ومقاهيها ومؤسساتها وجامعاتها، وتصبح جزءًا من ذاكرتها.
فالمدينة هنا ليست جغرافيا محايدة؛ إنها فضاء للحرية، لكنها فضاء للاغتراب أيضًا؛ مكان للقاء، لكنه قد يكون مكانًا للوحدة؛ مدينة تمنح المهاجر إمكانات جديدة، لكنها لا تستطيع أن تمحو ذاكرته الأولى.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة العميقة بين المديني وباريس في أعماله السابقة، خصوصًا في ثلاثيته الأدبية: "نصيبي من باريس"، و«فتن كاتب عربي في باريس"، و"باريس أبدًا.. يوميات الضفة اليسرى». لقد شكلت هذه الأعمال مقدمات فكرية ووجدانية لعلاقته بالمدينة، قبل أن تأتي "الأنشوطة الباريسية" لتوسّع التجربة من السيرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية.
ويحمل عنوان الرواية دلالة قوية ومركبة. فالأنشوطة تحيل إلى الحبل والقيد والاختناق، بينما تحيل باريس إلى الحرية والثقافة والأنوار والانفتاح. ومن خلال الجمع بين الكلمتين يتشكل تناقض أساسي هو الذي يحكم التجربة كلها: كيف يمكن لمدينة الحرية أن تصبح، في الوقت نفسه، فضاءً للاختناق؟
المهاجر العربي يصل إلى باريس بحثًا عن الأمان أو الحرية أو إمكانية التعبير، لكنه لا يصل إليها خاليًا من ماضيه. إنه يحمل وطنه معه، ويحمل ذاكرته السياسية، ورفاقه الذين تركهم خلفه، والسجون والمطاردات والرقابة والاغتيالات، كما يحمل أحلامًا لم تتحقق.
ولهذا يصبح المنفى حالة نفسية وثقافية، لا مجرد انتقال جغرافي. قد يعيش الإنسان في باريس، لكنه يظل مقيمًا في وطنه الأول عبر الذاكرة. وقد يغادر وطنه سياسيًا، لكنه لا يغادره وجدانيًا.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي يشتغل عليها المديني: المكان الجديد لا يلغي المكان القديم، والحرية في المنفى لا تمحو جرح الوطن.
من الهجرة إلى المنفى
نحن أمام أحداث متراكمة ومتقاطعة، تتمثل في هجرة المناضلين من بلدانهم، ليس حبًا في الهروب أو المنفى، وإنما لمواصلة النضال ضد الطغيان والدكتاتورية في العالم العربي. كانت باريس وجهة لبعض هؤلاء، فوجدوا أنفسهم يعيشون بين واقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبين «الهناك»، حيث الرقابة والسجن والقتل قد تكون مصيرًا لكثير من الرفاق.
وهذا البعد السياسي مهم جدًا في فهم الرواية؛ لأن الشخصيات لم تذهب إلى باريس بالطريقة نفسها التي يذهب بها السائح أو الطالب أو الباحث عن فرصة مهنية. كثيرون ذهبوا وهم يحملون مشروعًا سياسيًا، أو اضطروا إلى الرحيل بسبب مواقفهم، أو وجدوا في المنفى فرصة لمواصلة ما تعذر عليهم القيام به في الداخل.
ومن هنا تصبح الهجرة جزءًا من تاريخ اليسار المغربي والعربي، ومن تاريخ المعارضة السياسية في المنطقة. باريس، بما كانت توفره من هامش للحركة والتعبير، تحولت إلى نقطة التقاء للعديد من هؤلاء المناضلين والمثقفين.
محمد الباهي... المثقف الذي لم يغادر وطنه
من الشخصيات التي تمنح الرواية بعدها الإنساني والسياسي شخصية محمد الباهي. فحضوره يتجاوز حدود الشخصية الروائية ليصبح رمزًا لجيل من المثقفين والمناضلين الذين حملوا هموم أوطانهم إلى المنفى.
الباهي في الرواية ليس سياسيًا فقط، ولا مثقفًا فقط، وإنما إنسان يحمل في داخله مشروعًا لتغيير واقع عربي مثقل بالاستبداد والهزائم والانقسامات. ولذلك يصبح حضوره مدخلًا لاستعادة تاريخ جيل كامل.
وتظهر قيمة الباهي كذلك في علاقته بالآخرين. فهو لا يعيش النضال بوصفه شعارًا سياسيًا، وإنما يمارسه في تفاصيل الحياة اليومية، في مساعدة الرفاق، وفتح الأبواب أمامهم، وتقديم ما يستطيع من دعم. ومن هذا الباب تأتي علاقته بسرحان.
فإذا كان سرحان قد التحق بباريس مواصلًا الكتابة في أهم جريدة يسارية في المغرب، فقد كان عليه أن يفكر في الإقامة فيها. وكان محملًا برسائل إلى مجموعة من المناضلين والشخصيات الفاعلة، وكان من بين الذين التقاهم محمد الباهي، الذي رأى، بحكم علاقاته الواسعة، أن من واجبه أن يجد عملًا لسرحان.
وهكذا أسهم الباهي في إنقاذ سرحان من تعب وجوع وبرد باريس، وساعده على العمل في القسم العربي بإذاعة فرنسا الدولية؛ بدأ مترجمًا، ثم أصبح مشرفًا على برنامج أسبوعي التقى من خلاله شخصيات عربية ومغربية عديدة كانت تعيش في باريس، إما اضطرارًا وإما بحثًا عن فضاء جديد للحياة والعمل.
وهنا تكشف الرواية جانبًا مهمًا من حياة المهاجرين لا يظهر عادة في الكتب السياسية: تفاصيل العيش اليومية، والبحث عن العمل، والخوف من المستقبل، والعلاقات التي يصنعها المهاجرون فيما بينهم، وشبكات التضامن التي تساعد الوافد الجديد على مقاومة الوحدة والفقر والبرد.
وتكتسب تجربة سرحان في الإذاعة أهمية خاصة؛ لأنها حولته من مهاجر يبحث عن موطئ قدم إلى شاهد على مرحلة كاملة من تاريخ العرب في باريس.فقد قدم لقاءات مع إدوارد الملاح، الكاتب والمناضل المعروف، وأجرى حوارات مع محمد خير الدين، الشاعر والكاتب المتميز، ومع عبد الرحمن منيف، الذي حمل معه جغرافيا عربية واسعة.وفي حديث منيف، كما يستعيده النص، تتجمع مدن كثيرة: عمّان، وبغداد، والقاهرة، وبيروت، وبلغراد، إلى جانب المملكة العربية السعودية، أرض الأجداد والأب، المحروم من جنسيتها.
إن استحضار هذه المدن ليس مجرد سرد لسيرة رجل؛ إنه تقديم لخريطة المثقف العربي الحديث. فالعربي قد يولد في مكان، ويدرس في مكان آخر، ويعمل في بلد ثالث، وينشر في عاصمة رابعة، ثم يجد نفسه في نهاية المطاف في باريس، حاملًا معه كل تلك الأمكنة.وهكذا تتحول الجغرافيا إلى هوية.
الجامعة بوصفها فضاءً للذاكرة
ومن الجوانب اللافتة في الرواية حضور الجامعة والمؤسسة الأكاديمية. فالمديني لا يتعامل مع الجامعة بوصفها مكانًا للدراسة فقط، وإنما باعتبارها فضاءً تتقاطع فيه الثقافات والأفكار والمصائر.وتظهر تفاصيل عمل سرحان الإداري في السوربون، من مراجعة قوائم المسجلين، وجرد موضوعات الأبحاث ومراحل إنجازها، إلى التنسيق مع الأساتذة بشأن انتهاء الأبحاث ومناقشتها وتعيين لجانها.
وقد تبدو هذه التفاصيل، لأول وهلة، هامشية، لكنها في الحقيقة تمنح الرواية طابعها الواقعي، وتعيد تشكيل الحياة اليومية للمهاجر. فالمثقف لا يعيش طوال الوقت في المؤتمرات والصالونات السياسية؛ إنه يعمل، ويبحث عن مصدر رزقه، ويتعامل مع الإدارة، ويصطدم بتفاصيل الحياة، ويجد نفسه مضطرًا إلى بناء حياة جديدة وسط مجتمع مختلف.
ومن هنا يأتي عنوان هذه القراءة: "وجع الذاكرة الجماعية"، لأن الجامعة تصبح خزانًا لذاكرة أجيال من الطلبة والباحثين والمثقفين الذين مروا بها، وتركت فيهم أثرًا، كما تركوا فيها جزءًا من حكاياتهم.
ميتران وحلم التغيير
تستعيد الرواية كذلك مرحلة وصول اليسار إلى الحكم في فرنسا بقيادة فرانسوا ميتران، وهي مرحلة أثارت لدى كثير من العرب والمهاجرين آمالًا واسعة.
كان هناك اعتقاد بأن وصول اليسار قد يفتح صفحة جديدة في العلاقات الفرنسية العربية، ويدفع بالقضية الفلسطينية إلى الأمام، ويخفف من مظاهر العداء تجاه المهاجرين، ويؤسس لعلاقات تقوم على التفاهم والتعاون، وربما يساهم أيضًا في الضغط على بعض الحكومات العربية من أجل الحد من القمع.
الرواية نص تتحرك فيها الشخصيات بين الواقع والتخييل، كما تتداخل فيها السيرة الفردية مع التاريخ السياسي والاجتماعي
وفي ظل تلك الأجواء، حلم سرحان، مثل كثير من المهاجرين العرب، بأن تحظى الجالية بالاحترام، وأن تتوفر لها شروط العيش الكريم، في إطار احترام القوانين الفرنسية.
لكن التاريخ، كما نعرف، لا يسير دائمًا وفق أحلام الذين يعيشونه. ولذلك فإن الرواية لا تقدم المرحلة بوصفها زمنًا من الأمل فقط، وإنما تضع الأمل في مواجهة الواقع، وتكشف المسافة بين ما ينتظره الإنسان وما يحصل عليه بالفعل.
العودة... حين يعود المنفي إلى وطن مختلف
يطرح المديني سؤال العودة بوصفه واحدًا من الأسئلة الكبرى في تجربة المنفى.فالمغترب يحلم بالعودة، لكن الوطن الذي يعود إليه قد لا يكون هو الوطن الذي غادره. الزمن يكون قد تغير، والناس تغيروا، والرفاق تغيروا، والأحلام نفسها ربما أصبحت مختلفة.
ولهذا تبدو عودة محمد الباهي بعد سنوات من المنفى مأساوية. فقد حلم بتغيير الأوضاع التعسة في العالم العربي، واختار العودة، ليجد نفسه في مواجهة مؤامرات من ذوي القربى، أي من بعض الرفاق أنفسهم. كانت الصدمة قاسية وغير متوقعة، وانتهت نهاية مأساوية أودت بحياته.
وهنا تبلغ الرواية ذروة إنسانية مؤلمة: فالمثقف الذي نجا من المنفى، والذي واجه الغربة، والذي قاوم من أجل حلم سياسي، لم يكن يتوقع أن تأتي الضربة من الدائرة التي كان يظن أنها الأقرب إليه.
إنها مأساة تتجاوز شخص الباهي؛ لأنها تلخص جانبًا من مأساة الحركات السياسية نفسها، حين تتحول الخلافات الداخلية إلى صراعات، وحين يصبح الرفيق خصمًا، ويصبح حلم التغيير مصدرًا جديدًا للخذلان.
الرفاق بين العودة والموت
عاد سرحان إلى الوطن، وتزامن وجوده مع وفاة «شيخ العرب» في باريس، وظل يقدم له آيات المودة والتقدير، لأنه، مثل كثيرين، مد له يد العون في وقت الشدة، وساعده، وبقي قريبًا منه، أحيانًا عبر اتصالات مكثفة، وأحيانًا أخرى بصورة متباعدة، بحكم انشغالات كل واحد منهما ومتطلبات الحياة في باريس، ومتابعة تطورات الأوضاع العربية التي كانت تزداد تعقيدًا يومًا بعد آخر.
وهنا تتكثف مأساة الجيل: بعض الرفاق عادوا ليسهموا في الحياة العامة، وبعضهم وجد الموت ينتظره، بينما اضطر آخرون إلى العودة من حيث جاؤوا.
وهكذا لا تصبح العودة نهاية للمنفى، وإنما بداية لسؤال آخر: ماذا بقي من الوطن؟ وماذا بقي من الرفاق؟ وماذا بقي من الأحلام؟
باريس في تفاصيلها الصغيرة
من أجمل ما تقدمه الرواية أنها لا تكتفي بالشخصيات والأحداث الكبرى، وإنما تهتم بتفاصيل باريس وأمكنتها.
يقدم المديني طوبوغرافيا لأهم شوارع المدينة ومؤسساتها العلمية والأكاديمية، ويستعيد المقاهي التي كانت ولا تزال منتديات ثقافية حقيقية للفكر والسياسة.
فالمقهى في الرواية ليس مجرد مكان للجلوس وشرب القهوة، وإنما فضاء للنقاش وتبادل الأخبار وصناعة العلاقات. وقد كان للمقاهي الباريسية دور مهم في حياة المثقفين والمهاجرين؛ ففيها كانت تلتقي الأفكار، وتتشكل الصداقات، وتناقش القضايا السياسية، وتنتقل الأخبار من شخص إلى آخر.
ولا يكتفي المديني بالحديث عن الأماكن العامة، وإنما يدخل إلى تفاصيلها الدقيقة، فيذكر الشوارع والمسافات والأمكنة المتجاورة، وكأنه يريد أن يمنح القارئ خريطة كاملة لباريس التي عاش فيها أبطاله.
وفي هذا الجانب يمكن أن نستحضر تجربة باتريك موديانو، الذي جعل من باريس في العديد من أعماله مساحة للذاكرة والبحث عن الزمن الضائع. غير أن باريس المديني ليست باريس موديانو؛ فلكل كاتب ذاكرته الخاصة. باريس المديني هي باريس المهاجر العربي، والطالب، والمناضل، والصحافي، والمثقف، واللاجئ السياسي، وهي مدينة تتقاطع فيها الذاكرة العربية مع التاريخ الفرنسي.
بين الرواية والسيرة
لعل السؤال الأهم الذي تثيره «الأنشوطة الباريسية»هو: هل نحن أمام رواية أم سيرة؟والحقيقة أن قوة العمل تأتي من عدم حسم هذا السؤال. فالمديني يستفيد من السيرة في استعادة الأشخاص والأمكنة والأزمنة، لكنه يستفيد من الرواية في إعادة ترتيب هذه العناصر ومنحها معنى جديدًا.
وهذا المزج يسمح له بأن يقترب من التاريخ دون أن يتحول إلى مؤرخ، وأن يستعيد حياته وذاكرته دون أن يقع في أسر السيرة الذاتية التقليدية.
إنه يكتب عن نفسه من خلال الآخرين، ويكتب عن الآخرين من خلال ذاكرته، ولذلك تتداخل الذات بالجماعة، ويصبح الخاص عامًا.
لا يمكن النظر إلى "الأنشوطة الباريسية" باعتبارها قصة مهاجر واحد أو مجموعة من الشخصيات فحسب. إنها شهادة على جيل عاش التحولات الكبرى في العالم العربي والمغرب، وجرب السياسة والنضال والمنفى والهجرة والعودة والخيبة.
إنها رواية جيل آمن بالتغيير، ثم اكتشف أن الطريق إليه أكثر تعقيدًا مما تصور. جيل حمل أحلامه إلى باريس، لكنه ظل ينظر إلى الشرق. جيل تعلم في الجامعات الأوروبية، واشتغل في الصحافة والإذاعة والمؤسسات الثقافية، لكنه ظل منشغلًا بالسجن والقمع والحروب والقضية الفلسطينية وأحوال بلاده.
ومن هنا فإن الرواية لا تكتفي باستعادة الماضي، وإنما تجعل من الذاكرة أداة لفهم الحاضر.
الكتاب الذي نجا من النار
أما نجاتها من الدمار الذي أصاب المركز الثقافي في الضاحية الجنوبية لبيروت، وما تعرضت له الكتب من خطر الاحتراق، فتمنح الرواية، في سياق تلقيها، بعدًا رمزيًا بالغ القوة.
فالكتاب الذي يتحدث عن المنفى والذاكرة والخراب ينجو من الخراب نفسه.
وليس من الضروري أن نحمّل الواقعة أكثر مما تحتمل، لكن لا يمكن تجاهل المفارقة الرمزية: الثقافة كثيرًا ما تكون أول ما يستهدفه العنف، لأنها تحفظ الذاكرة، والذاكرة هي ما تخشاه الحروب والأنظمة التي تريد إعادة كتابة التاريخ.
ولهذا تبدو نجاة الكتاب وكأنها تأكيد على أن الكلمة تستطيع أن تعيش حتى عندما تتعرض الأمكنة للدمار.
يقول أحمد المديني إنه تأخر في كتابة هذه الرواية بسبب تعقيد موضوعاتها، وصعوبة توثيق نصف قرن من النضالات الاجتماعية والسياسية، لكنه وجد في النهاية أن هناك ضرورة لسرد هذه القصة.
وهذا التأخر مفهوم؛ فالكتابة عن نصف قرن من الحياة ليست مهمة سهلة، خصوصًا حين يكون الكاتب جزءًا من الأحداث، وحين تكون الشخصيات التي يكتب عنها أصدقاء ورفاقًا وأشخاصًا عرفهم عن قرب.
فالذاكرة في هذه الحالة ليست محايدة. إنها تحمل الحب والوفاء، لكنها تحمل كذلك الخيبة والفقدان والأسئلة التي لم تجد إجابات.
ولهذا تصبح الكتابة ملاذًا أخيرًا؛ ليست للهروب من الواقع، وإنما لمواجهته وإعادة مساءلته.
حين تتحول باريس إلى ذاكرة عربية
في المحصلة، ليست "الأنشوطة الباريسية"، رواية عن الهجرة فقط، ولا سيرة فردية لأحمد المديني، ولا سجلًا تاريخيًا لجيل من المناضلين والمثقفين. إنها عمل يجمع كل هذه العناصر في نص واحد، ويمنحها بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود المكان والزمان.
إنها رواية عن الإنسان الذي يغادر وطنه ولا يستطيع مغادرته في داخله، وعن المثقف الذي يبحث عن الحرية فيجد نفسه أمام مسؤولية الذاكرة، وعن المناضل الذي يحمل قضية بلاده إلى المنفى، ثم يكتشف أن المنفى لا ينتهي بمجرد العودة.
وهي أيضًا رواية عن الصداقة والوفاء؛ عن أولئك الذين مدوا أيديهم للآخرين في لحظات الجوع والخوف والوحدة، وعن الرفاق الذين صنعتهم الظروف قبل أن تفرقهم السياسة أو الحياة أو الموت.
أما باريس، فتخرج من صفحات الرواية باعتبارها أكثر من مدينة. إنها مكان للذاكرة، ومسرح للمنفى، وفضاء للثقافة والسياسة، ومرآة لعالم عربي ظل حاضرًا في وجدان شخصياتها.
وبهذا المعنى، فإن «الأنشوطة» ليست فقط حبلًا يرمز إلى القيد، وإنما يمكن أن تكون أيضًا خيطًا يصل الماضي بالحاضر، والوطن بالمهجر، والذاكرة بالحاضر، والموت بالحياة. وما يفعله أحمد المديني في نهاية المطاف هو أنه يمسك بهذا الخيط، ويشد عليه كي لا تسقط أسماء جيل كامل في النسيان.
ولعل القيمة الأهم في هذا العمل أنه لا يريد أن يقدم لنا الماضي بوصفه زمنًا منتهيًا، وإنما بوصفه سؤالًا مفتوحًا. فالأوجاع التي حملها أولئك المناضلون والمثقفون إلى باريس لم تختفِ تمامًا، والأسئلة التي طرحوها حول الحرية والهوية والوطن والعدالة ما تزال مطروحة بأشكال مختلفة.
لهذا تبدو "الأنشوطة الباريسية: مغاربة وعرب آخرون"، أقرب إلى ذاكرة جماعية مكتوبة بلغة الرواية؛ ذاكرة مدينة احتضنت أحلامًا عربية كثيرة، وذاكرة جيل عاش بين وطن يطارده ومنفى يستقبله، وبين حلم التغيير ومرارة الخيبة.
إنها، في النهاية، رواية عن الذين غادروا كي يواصلوا الحلم، وعن الذين عادوا فوجدوا الوطن قد تغير، وعن الذين ماتوا قبل أن يروا أحلامهم تتحقق، وعن الذين بقوا يحملون الذاكرة باعتبارها آخر ما يمكن إنقاذه من زمن مضى.
وهنا تحديدًا تكمن قوة الرواية: فحين يعجز الإنسان عن تغيير الماضي، يستطيع الأدب أن ينقذه من النسيان.
كاتب جزائري
