تقديم
بقلم: بدي أبنو المرابطي
عزيزي المختار،
-1-
شكرا على رسالتك وعلى قصيدتك السالميتين. ولعلي بدوري انطلاقا مما ذكرت أستعيد هنا طقوسيا وإن بتصرف عرضي الصيغة الأدورنوية الشهيرة والمستهلكة منذ عقود حد الإفراط: هل ما تزال كتابة الشعر عملا همجيا؟
أعرف أنك تتفق معي، وفي كل الأحوال، نظرا وعملا، أنه من حيث هو عمل إبداعي، لا يكون الشعر شعرا ما لم يتجاوز ما كان إلى ما يكون، إلى ما يستحيل في بادئ الرأي أن يكون.
وفعلا ما زال الشعر كممكن لا يفي بشروط تحققه الفعلي إلا حين تتجاوز الصورةُ الصورةَ، وحين تتجاوز الموسيقى الموسيقى، أي حين يدشن المجاز بالإيقاع والإيقاع بالمجاز أفقا بكرا. فالشعر هو نفسه باستعارة كلماتك "جدار أخير لمن يحفرون …" تحديدا لأن "للشعر معنى".
فالكتابة الشعرية على العموم ومن حيث هي كذلك، والكتابة الشعرية في زمن دفق المسموع والمرئي بالخصوص، تحتاج أن تخترع مجازا يستعيد إبداعيته، أي فرادته، وموسيقى تصل أطرافا وأقاصي تتأبى على كل موسيقى تعاد أو تستعاد، تحتاج ببساطة أن تغاير غيرها جدة وجدية كما ظلت الكتابة الشعرية قبلها تكتسب هويتها من مغايرتها وجدتها. تحتاج إذا المجازات كما تحتاج الإيقاعات أن لا تكون فقط خروجا عن المألوف، بل أن تمثل تدشينا لعوالم لم تولد بعد.
الموسيقى الشعرية هنا تصدر أساساً عن رسم المعنى بالإيقاع، أي عن استدعاء الدلالات عبر منعرجات الإيقاع كصورة والصورة كإيقاع.
موسيقى القصيدة تحتاج بهذا المعنى أن تكون جزءا ً من الصورة، بل أن تكون رديفاً لها، تغني المجاز وتُضاعفه، تضيء الآفاق الإيحائية المهيبة، لتصبح الصورة الشعرية بدورها رديفا لتكثيف موسيقى القصيدة.
-2 -
هذه القصيدة بصياغة جملتها وبتشكل بنائها تبدو تزامنيا تلقائية حتى الألفة ومفاجِئةً حتى الغرابة، إنها تُناورُ مع مألوف القارئ كي تمنحه ما لم يألف، وهي لذلك تستنفر الموسيقى، كي تُؤثث الحروف والكلمات للصور والمجاز.
تأتي الجمل الشعرية كأنها أمثلة سائرة، كأنها حكم محايدة، وذلك طريقها للتطبيع المناور مع القارئ كي يقبل المغامرة.
والألم الذي تحملهُ الكلمات إيقاعاً وصوراً، يحمل معه الوضوح الغامض كوعدٍ جمالي، كدعوة إلى قراءة مبدعة يصاحب فيها فعل القراءة فعل الخلق بما هو فعل تجاوزٍ، يسمحُ قطيعة بعد أخرى بدفع أفق المستحيل في كل مرة إلى أقاصي أبعدَ مما كان.
فلا تبدو هذه القصيدة خاضعة لما تقوله عن القصائد التي "تموت فوق الجراح"، ولم تأت أيضا لتضمد هذه الجراح، بل لتصوغ لها أفقا ملحميا.
الشاعر بهذا المعنى لا يبحث عن متلقٍ، أو قارئ، أو سامعٍ أو متفرجٍ، أو راويةٍ، أو صاحب انطباعات، إنه مُبدعٌ يُحاور مبدعين، ما يُبدعهُ هو إبداع بالفعل ولكنه أيضا وللأسباب نفسها إبداع بالقوة لا يمنح نفسه إلا لقارئ مبدع يحوّله من القوة إلى الفعل. القصيدة كمنجز إبداعي لا يمكنها أن تصافح المفعولية ولا تبسط كلماتها إلا لمن يقرأها بفاعلية. أي أن القصيدة بهذا المنظور لا تبحث عمن يُعجب بها، بل عمن "يواصل"، بمعنيي الاستمرار والقطيعة معا، إبداعها.
القصيدة إذا بما هي كذلك لا تريد أن تُتوج تُحفة، وإنما تحمِلُ قارِئها كعاصفة، كتغيير مفاجئٍ. تغيير تخلقُهُ اللغة حين تثور على نفسها، حين تخرج عن القاموس وتخرج عليه، حين ترمي بعيدا خلفها المساطر المدرسية وإنشائياتها.
-3-
هل تجوز كتابة الشعر بعد كل هذه الفظائع التي ألغت الإنسان بما هو إنسان وتبعاً لذلك ألغتْ لغتَه؟
كأن اللغة لم تعد قادرة على أن تقول أشياء، بل رمت التصور والكلمة في حفرتي الصمت والهذيان.
هذه المأساة عظمى وامِّـحاء الإنسان والإنسانية بهذا المستوى الفلكي يستتبع لزوما امحاء اللغة لصالح التافه والمبتذل، لصالح اللامعنى والهمجية. تبدو من جديد اللغة حرية أن تَغتسل في نهر ما بعد هيرقليطسي لا مرتين بل مرات: كتابة الشعر بعد هذه الحروب عمل همجي. و"لهذا الغروب كثير من الخوف".
صحيح رغم ذلك " من بعد كل الكلام، وَكُلِّ الظَّلَامِ، وَمَا أَكَلَ الوَحْشُ وَالفُحْشُ، أَضْحَى لِــزَامًا عَلَى النَّجْمِ أَنْ يُوْلَدَا". وصحيح أيضًا أنّ الأحاسيس القصوى من طبيعتها الملحمية أن تَجمع العظمة والبساطة، أن تقاوم الألم والبشاعة بالجمال وأنت تثبتُ هنا أنك مازلت مصرا أن تترنم "لأجل الحيارى، لأجل الظلال تهاجر أبعد من أصلها الشارد".
-4-
ولك في كلّ الأحوال أن تترنّم مقطعا مقطعا فترانيمك، صوراً ونغماً، تسمح لقرائك بالابتعاد عن السائد، تسمح بمصافحة ومصاحبة الحيرة والتساؤل، بمطارحة ومناكفة الوجع والأمل.
عزيزي المختار،
لك خالص الكلمة المبدعة فهذه ليست قصيدة رثاء بل ملحمة إرادة خلق. فقدرة الشعر على أن ينتفض فنيقاَ من رماده عصيةٌ على الامِّـحاء، قدرته على اختراع لغة جديدة، على إنشاء موسيقى مغايرة وإبداع صور بكر تثبت هنا أن إرادة الإبداع مرادفة لإرادة الحياة.
خالص الكلمة.
بدي أبنو المرابطي
