صحفيون بلا وجوه ومراسلون أشباح.. شبكة تروج لروسيا في إعلام أفريقيا

صحفيون بلا وجوه ومراسلون أشباح.. شبكة تروج لروسيا في إعلام أفريقيا

كشفت الجزيرة عام 2025 عن وجود شبكة مراسلين وهميين في أفريقيا تعمل لفائدة المصالح الروسية (الجزيرة)

خلص تقرير مشترك صدر هذا الشهر عن شركة "غرافيكا" (Graphika) للاستخبارات المفتوحة المصدر وشبكة "كود فور أفريكا" (Code for Africa) بدعم من شركة ميتا، إلى أن روسيا زرعت "مراسلين أشباحا" و"خبراء زائفين" في المشهد الإعلامي الأفريقي منذ عام 2021 على الأقل خدمةً لمصالحها الإستراتيجية في القارة.

وحدد التقرير 44 شخصية وهمية، منها 35 "مراسلا شبحا" و9 "خبراء زائفين"، وقال إنه يقدّر بثقة عالية أن 38 منها مفبركة. ونشطت هذه الشخصيات بين عامي 2021 و2026، وتكرر محتواها أو اقتُبس منه في 138 موقعا إلكترونيا، وأعيد نشره في 113 حسابا وصفحة على فيسبوك على الأقل. وأحصى الباحثون 658 رابطا تضمن توقيعا وهميا.

ويعرف التقرير "المراسل الشبح" بأنه توقيع يُستخدم لزرع مقالات تروج للمصالح الروسية في وسائل إعلام أفريقية حقيقية دون أن يكون مرتبطا بصحفي فعلي، أما "الخبير الزائف" فشخصية غير أصيلة تدعي سلطة معرفية وتُنسب إليها اقتباسات في مقالات المراسلين الأشباح والصحفيين الحقيقيين.

 

قامت وكالة سبوتنيك أفريك بتضمين تغريدة من خبير مزيف يُدعى لوكا مالي في مقال حول الاحتجاجات في باماكو عام 2022
قامت وكالة سبوتنيك أفريك بتضمين تغريدة من خبير مزيف يُدعى لوكا مالي في مقال حول الاحتجاجات في باماكو عام 2022 (غرافيكا)

 

أسماء لاعبي كرة قدم وصور مسروقة

وبحسب التقرير، استخدم عدد من هذه الشخصيات أسماء مطابقة لأسماء لاعبي كرة قدم أفارقة، ويرجح الباحثون أن الغرض إغراق نتائج البحث بمحتوى رياضي يصعّب تتبع سيرها ومقالاتها، ومن الأمثلة "لامين فوفانا" (كوت ديفوار) و"كوليبالي مامادو" (فرنسا) و"مامادو سيسوكو" (مالي). واعتمدت شخصيات أخرى أسماء شائعة جدا في البلدان المستهدفة، مع إعادة تدوير الأسماء ذاتها، إذ رصد الباحثون ثلاثة مراسلين باسم "مانويل" واثنين يحملان لقب "سيسوكو".

ورُصدت الصورة الشخصية نفسها لدى ثلاثة مراسلين على الأقل هم "مامادو سيسوكو" و"عمر ديالو" و"ستيف فلايتز". وفي حالات أخرى استُخدمت صور أشخاص حقيقيين، فقد كشفت الجزيرة في مارس/آذار 2025 أن شخصية "غريغوار سيريل دونغوبادا" تستخدم صور مواطن راحل من أفريقيا الوسطى، كما استخدمت شخصيتان تنشران في إعلام جنوب أفريقيا، هما "إريك هام" و"مانويل غودسان"، صور مواطنَين روسيَّين في حسابيهما على فيسبوك. وأضاف التقرير أن القائمين على بعض الحسابات اخترعوا مؤهلات أكاديمية وقدّموا شخصياتهم بصفتهم طلاب دكتوراه أو خريجي جامعات أوروبية.

 

مثال على مقالة مكتوبة بشكل مخفي تستهدف أوكرانيا وتشيد بـتحالف دول الساحل
مثال على مقالة مكتوبة بشكل مخفي تستهدف أوكرانيا وتشيد بـتحالف دول الساحل (غرافيكا)

 

 

غسل المعلومات

ووثق التقرير أنماطا لما يعرف بـ"غسل المعلومات"، تُقتبس فيها الشخصيات الزائفة في وسائل إعلام حقيقية ثم تُحيل مواقع مرتبطة بروسيا إلى تلك التقارير. فقد نقلت صحيفة "ديلي بوست" النيجيرية عن "أولوواسيي أديبايو" بوصفه خبيرا عسكريا، ثم اقتبست وكالة "المبادرة الأفريقية" (African Initiative) من الصحيفة عند الإشارة إليه. وتكرر النمط مع موقع "الوحدة" التشادي الذي نقل عن "يعقوب عمر ديفالا" بوصفه خبيرا سياسيا تشاديا، ثم استشهدت "المبادرة الأفريقية" بمقابلة الموقع معه.

ورصد التقرير كذلك مقالا باسم "لازاروس أودينغي" في صحيفة "فانغارد" النيجيرية اقتبس من المراسل الشبح "سيلفان نغيما".

وكان الإرهاب والأمن أبرز الموضوعات بواقع 293 مقالا، تلته موضوعات مناهضة لفرنسا (219 مقالا) ولأوكرانيا (169)، ثم مواد مؤيدة لسيادة تحالف دول الساحل (150) وللشراكة مع روسيا (129)، وأخرى مناهضة للولايات المتحدة (120). واتهمت المقالات الأمنية الغرب بتدريب "جماعات إرهابية" في الساحل وتسليحها ودعمها سرا، وصورت إيكواس والمحكمة الجنائية الدولية تهديدا إقليميا، في مقابل محتوى يمتدح قوات فاغنر/ فيلق أفريقيا وتحالف دول الساحل بوصفه بديلا سياديا للحضور الغربي.

ونُشر المحتوى على 70 موقعا تقدم نفسها منصات إخبارية، وعلى خمسة مواقع إعلامية روسية رسمية أو مؤيدة لروسيا مثل "سبوتنيك" ونطاقات مرتبطة بعملية "بورتال كومبات" و"المبادرة الأفريقية"، إضافة إلى مواقع تبدو شرعية مثل "آي أو إل" الجنوب أفريقي و"بوركينا 24″. وكان "لامين فوفانا" الأكثر حضورا بـ83 مقالا وقعها أو اقتُبس فيها عبر 31 منصة، يليه "سيلفان نغيما" بـ80 مقالا عبر 34 منصة.

وخلص التقرير إلى أن فيسبوك كان قناة التوزيع الأساسية عبر مسارين: مشاركة عضوية من وسائل إعلام أفريقية حقيقية نشرت المحتوى أصلا، وتضخيم عبر شبكات "الحسابات المزيفة المنظمة" التي أشارت ميتا إلى شبكتين منها في تقريرَيها عن التهديدات في النصف الثاني من 2025 والنصف الأول من 2026، وقالت إن منشأهما روسيا.

حدود ما يمكن إثباته

وأرفق التقرير دليلا عمليا يوصي بالبحث العكسي عن الصورة في ثلاثة محركات على الأقل والتأكد مما إذا كانت تظهر تحت توقيع آخر، ومراسلة الجامعة المذكورة للتحقق من وجود البرنامج أو الطالب، ومقارنة تاريخ تسجيل النطاق بسنة التأسيس المعلنة للموقع.

وشدد التقرير على أن هذه المنهجيات تكشف احتمال الفبركة لا الجهة التي تقف خلفها، وأن معرفة من زرع التوقيع تتطلب أدلة إضافية مثل سجلات المحاكم أو إفصاحات المنصات أو التسريبات، ونبه إلى أن "تشابه السرديات ليس إثباتا للانتساب"، وأن الصحفيين الحقيقيين الذين يُستقطبون إلى منصات سرية دون علمهم ضحايا لا مشغلون.

المصدر: الجزيرة