من سيجلس قرب السرير؟

من سيجلس قرب السرير؟

 

يتسارع التحول الديموغرافي في المجتمعات المتقدمة مع تراجع المواليد وارتفاع متوسط العمر وتقلص حجم الأسرة، ما يضع الرعاية أمام تحول متزايد من مسؤولية العائلة إلى الدولة والسوق والتكنولوجيا، ويطرح سؤالاً أساسياً: من سيجلس قرب السرير؟

  •  
  •  
  • الكاتب: مراد الحاج
  • المصدر: الميادين نت

إيطاليا اليوم بيوت أكثر مما كان فيها قبل عشرين عاماً، لكن في داخل كل بيت أشخاص أقل. إنها واحدة من أكثر الصور اختصاراً للتحول الاجتماعي الذي يجري بصمت في عدد متزايد من المجتمعات المتقدمة. ففي 31 آذار/مارس الماضي، أعلن المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء ISTAT أنّ الأسرة المكوّنة من شخص واحد أصبحت الشكل الأسري الأكثر انتشاراً في البلاد. إذ تمثل 37.1 في المئة من إجمالي الأسر، مقارنةً بـ25.9 في المئة قبل عشرين عاماً. 

في المقابل، تراجعت نسبة الأزواج الذين يعيشون مع أطفال، والتي كانت تمثل النموذج الأسري الأكثر شيوعاً في إيطاليا، إلى 28.4 في المئة فقط. كما انخفض متوسط حجم الأسرة خلال الفترة نفسها من 2.6 إلى 2.2 شخص.

قد تبدو هذه الأرقام شأناً يخص علماء السكان وحدهم. لكن ضع كرسياً واحداً وسط غرفة الطعام، وستصبح المسألة أكثر وضوحاً. فالتحولات الديموغرافية الكبرى لا تحدث في الجداول والإحصاءات فحسب، بل تظهر في عدد الصحون على المائدة، وتزداد وطأتها أمام صورة مدارس لا تمتلئ، ويصبح وقعها أكثر قسوة في مشهد غرفة طفل لم تأتِ الحاجة إليها، أو هاتف مسنّ نادراً ما يرنّ. ومع مرور السنوات، تتحول هذه التفاصيل الصغيرة إلى اقتصاد وسياسة ومدن وأنظمة رعاية، وربما إلى معنى مختلف للأسرة نفسها.

ولا يعيش المجتمع الإيطالي هذه التجربة وحده، لكنه، بأرقامه وتفاصيل حياته اليومية، يقدم صورة متقدمة عنها. ففي العام الماضي، وُلد في إيطاليا 355 ألف طفل فقط، بانخفاض قدره 3.9 في المئة خلال عام واحد، فيما بلغ معدل الخصوبة مستوى تاريخياً منخفضاً عند 1.14 طفل لكل امرأة. وفي الجهة الأخرى من العمر، بلغ متوسط العمر المتوقع 81.7 عاماً للرجال و85.7 عاماً للنساء.

وتبدو المشكلة أكثر حضوراً مع مرور الوقت: أطفال أقل، وحياة أطول، وبين الرقمين قصة اجتماعية كاملة.

مجتمع بلا الأطفال

لقد اعتدنا قراءة انخفاض الخصوبة باعتباره مشكلة في الهرم السكاني، حيث يقل عدد الداخلين إلى سوق العمل، ويرتفع عدد المتقاعدين، فتزداد الضغوط على صناديق المعاشات والرعاية الصحية. كل هذا صحيح وسيبقى صحيحاً من تلك الزاوية، لكنه ربما يكون الجانب الأقل خطورة في القصة. فالمجتمع الذي يقل فيه الأطفال لا يخسر عمال المستقبل فقط، وإنما يتغير من الداخل.

والطفل كما تقول الحكمة ليس وحدة ديموغرافية تنتظر عشرين عاماً كي تدخل سوق العمل. بل إن وجوده يعيد ترتيب حياة البالغين ويغذيها بالمعنى والحافز، ويصنع مدارس وحدائق وألعاباً وعلاقات بين العائلات، ويجعل جزءاً من استهلاك الأسرة ووقتها وخططها، وموجهاً إلى شخص سيعيش في زمن لم يصل بعد. وفي هذا المعنى يحمل الطفل شيئاً يتجاوز وجوده البيولوجي، إنه يجعل المستقبل حاضراً داخل البيت، وبعبارةٍ أبسط لكنها أعمق، إنه هو من يجعل الحياة جميلةً وتستحق المضي قدماً.

ولذلك أيضاً، يستحق رقم آخر من التقرير السنوي الإيطالي للعام الحالي التوقف عنده. خلال عشر سنوات فقط انخفض عدد الأطفال والفتية بين صفر و14 عاماً في إيطاليا 16.7 في المئة، بينما ارتفع عدد من تجاوزوا التسعين 34.6 في المئة. وأصبح الذين يبلغون 65 عاماً فأكثر يشكلون 25.1 في المئة من السكان، مقابل 11.6 في المئة فقط لمن هم دون الخامسة عشرة. والهرم الذي اعتدنا رسمه في دروس الجغرافيا لم يعد هرماً. الآن تضيق قاعدته، وتتسع قمته.

ومع ذلك، لم نصل بعد نقطة الذروة في هذا التحول، فكلما قلّ الأطفال، أصبح المجتمع منظماً أكثر حول حاجات البالغين والمسنين. فتتغير أولويات الإنفاق العام، وأسواق العقارات، والاستهلاك، والخدمات، وحتى السياسة، لأن الناخب الأكبر سناً يزداد وزنه العددي فيما يصبح الطفل، الذي لا يصوت أصلاً، أكثر ندرة.

يمكن لمجتمعٍ يسير بهذا الاتجاه أن يبدأ، من دون قرار واعٍ، في تخصيص موارد متزايدة لإدارة العمر الذي مضى، مقابل موارد أقل لصناعة العمر الذي سيأتي؛ أي ببساطة، لصناعة المستقبل.

فكّر في الأمر بوصفه اتجاهاً، لا مجرد أرقام تعكس واقعاً قائماً.

العمر الطويل والبيت الصغير

قبل قرن من الزمن، كان الوصول إلى الشيخوخة امتيازاً لا يحظى به الجميع. أما اليوم، فأصبحت الشيخوخة واحدة من أعظم انتصارات الحضارة الحديثة. فقد أضاف الطب، والمياه النظيفة، واللقاحات، والتغذية، والسلامة المهنية، ودولة الرفاه إلى حياة الإنسان سنوات كان أسلافه يخسرونها بسهولة. لكننا نكتشف الآن أن إضافة سنوات إلى الحياة لا تجيب وحدها عن سؤال بسيط: مع من سنعيشها؟

لنذهب بعيداً في الشرق. في اليابان، ظهرت في أيار/مايو الماضي نتيجة تستحق أن تُقرأ بوصفها خبراً اجتماعياً أولاً. فقد أظهرت النتائج الأولية لتعداد العام الماضي (2025) أن عدد سكان البلاد انخفض خلال خمس سنوات بنحو 3.1 ملايين شخص، ليصل إلى 123.05 مليوناً. وتراجع عدد السكان في 90.6 في المئة من البلديات اليابانية. لكن عدد الأسر ارتفع خلال الفترة نفسها، ليبلغ 57.125 مليون أسرة، بزيادة تقارب 1.3 مليون أسرة منذ عام 2020، بينما انخفض متوسط عدد أفراد الأسرة إلى 2.15 شخص.

إنها الحالة الإيطالية نفسها، لكن بحدة أكبر. السكان يتناقصون، والبيوت تزداد، والبشر يتوزعون ببساطة على وحدات أصغر. كانت البيوت تضم أجداداً وأبوين وأطفالاً، أما الآن فقد انقسمت إلى بيوت أكثر: أحد الأبناء انتقل إلى مدينة أخرى، والابنة لم تنجب، والجد مات، والجدة بقيت في الشقة القديمة. والأسرة التي كانت شبكة بشرية يومية أصبحت شبكة من الاتصالات والمواعيد والزيارات.

ولا ينبغي أن نقفز من هذا الواقع إلى استنتاجات متطرفة، أو نعود إلى نوستالجيا عاطفية نبالغ فيها بالقول إن الأسرة القديمة كانت فردوساً. فقد كانت أيضاص فضاءً للسلطة والإكراه وعدم المساواة، وكانت النساء خصوصاً يدفعن ثمناً هائلاً مقابل نظام الرعاية العائلية المجاني الذي استفادت منه الاقتصادات من دون أن يظهر في حساباتها.

لكن التحول بلغ من الخطورة حداً يجعل تفكك ذلك النظام يترك وراءه سؤالاً لم نكن نحتاج سابقاً إلى طرحه بهذا الحجم: من سيقوم بالعمل الذي كانت الأسرة تقوم به؟ ببساطة، من سيجلس قرب السرير؟

وإذا اتجه التفكير مباشرة إلى الدولة، يمكن القول إن باستطاعتها أن تدفع معاشاً، كما تستطيع شركة التأمين أن تغطي تكاليف العمليات الجراحية، ويمكن للممرضة أن تعطي الدواء في الثامنة صباحاً، ولشركة توصيل الطعام أن تضع الوجبة أمام الباب عند الظهر. كما يستطيع جهاز على المعصم أن يكتشف سقوط المسن، وربما يستطيع روبوت، بعد سنوات، أن يساعده على النهوض.

لكن ثمة أعمالاً يصعب إدخالها في جدول الخدمات. فمن، مثلاً، يلاحظ أن الأم أصبحت تكرر السؤال نفسه؟ ومن يذهب مع الأب إلى الطبيب لأنه يعرف أنه سيكابر ويقول إنه بخير، حتى عندما لا يكون كذلك؟ ومن يتصل مساءً بلا سبب؟ ومن يجلس قرب السرير عندما لا يعود الطب يملك شيئاً كثيراً ليقوله؟

هذه ليست أسئلة عاطفية منفصلة عن الاقتصاد. إنها، بواقعية تامة، ملامح اقتصاد الرعاية المقبل. فكل وظيفة كانت تؤديها الأسرة مجاناً، أو عبر شبكة القرابة، ستحتاج، عندما تختفي تلك الشبكة، إلى وقت بشري مدفوع الأجر.

المسن والمهاجر

نعود إلى إيطاليا. هناك، كان الفارق بين عدد الولادات والوفيات خلال العام الماضي سلبياً بنحو 296 ألف شخص: 355 ألف مولود مقابل 652 ألف وفاة. ومع ذلك، بقي عدد السكان شبه مستقر. والسبب هو الهجرة. فقد دخل البلاد 440 ألف شخص من الخارج، مقابل 144 ألفاً غادروها، ليبلغ صافي الهجرة الدولية نحو 296 ألفاً؛ أي ما يكاد يعادل تماماً العجز الناتج من الفارق بين الولادات والوفيات. الأرقام هنا تكتب مفارقتها بنفسها.

الطفل الذي لم يولد يعوضه، حسابياً، مهاجر وُلد في مكان آخر. لكن المجتمع لا يتعامل مع الاثنين بالطريقة نفسها. فهو يقلق من انخفاض الخصوبة، ثم يقلق من المهاجر الذي يعوض جزءاً من آثاره. ويخشى، من جهة، نقص قوة العمل، ثم يخشى، من جهة أخرى، قوة العمل القادمة من الخارج. ويريد أن يبقى نظام الرعاية قادراً على خدمة المسنين، بينما يزداد اعتماد كثير من خدماته على أيدٍ جاءت من مجتمعات أصغر سناً. وهكذا يصبح الجدل حول الهجرة مرتبطاً، على نحو أعمق مما يبدو، بأزمة الأسرة.

ولتتضح الصورة أكثر، يمكن زيارة دار لرعاية المسنين في أوروبا. قد يكون من المؤكد أن ترى هناك أغلبية كبيرة من العاملين في مجال الرعاية من المهاجرين، لا من أبناء المجتمع نفسه.

الصين تقلب الهرم

ثم هناك الصين، حيث تجعل ضخامة الأرقام أي تحول اجتماعي حدثاً عالمياً. ففي 19 كانون الثاني/يناير الماضي، أعلن المكتب الوطني الصيني للإحصاء أن البلاد سجلت خلال عام 2025 نحو 7.92 ملايين ولادة مقابل 11.31 مليون وفاة، فيما انخفض عدد السكان خلال عام واحد بنحو 3.39 ملايين شخص.

وفي الوقت نفسه، بلغ عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر 323.38 مليون شخص، أي نحو 23 في المئة من السكان، بينهم 223.65 مليوناً تجاوزوا الخامسة والستين.

ثلاثمئة وثلاثة وعشرون مليون مسن. الرقم أكبر من عدد سكان معظم دول العالم، لكنه يصبح أكثر إنسانية إذا نظرنا إليه من داخل بيت صيني.

لسنوات طويلة، صنعت سياسة الطفل الواحد أسرة ذات هندسة غريبة تاريخياً: طفل واحد تحيط به أم وأب وأربعة أجداد. كان ستة بالغين ينظرون إلى طفل واحد في أسفل شجرة العائلة.

تمر السنوات، فيكبر الطفل ويبدأ اتجاه النظر في الانقلاب. فالشخص الذي تلقى عناية ستة بالغين قد يجد نفسه لاحقاً جزءاً أساسياً من شبكة رعاية عدد منهم. كانت الأسرة مثل مثلث يقف على قاعدة واسعة. ثم قلب الزمن المثلث، ليبدأ عصر الوحدة، وليصبح الاقتصاد، أيضاً، اقتصاد الوحدة.

اقتصاد الوحدة

ليس المقصود باقتصاد الوحدة النمو المتزايد في التطبيقات التي تُعنى بخدمات المسنين فحسب، بل اقتصاد كامل ينشأ عندما تبدأ الوظائف التي كانت تؤديها العلاقات في التحول إلى خدمات.

نشتري توصيل الطعام بدلاً من أن يأتي به أحد. وندفع مقابل الرعاية، ونستخدم التطبيقات للتذكير، بل قد نضطر إلى شراء الصحبة أحياناً، في صور مختلفة.

وقد يصل الذكاء الاصطناعي نفسه إلى هذه المساحة، حيث يتحدث مساعد ذكي إلى المسن، ويتذكر أدويته ومواعيده وقصصه، ولا يملّ من سماع الحكاية نفسها للمرة الخامسة.

سيقول قائل إن ذلك سيكون نافعاً جداً، وسيقول آخر، أكثر فهماً للإنسان وتكوينه، إن ذلك سيكون مقتلاً للجنس البشري. فأين المعنى الإنساني في العلاقات؟ الرعاية الإنسانية أكثر من علاقة وظيفية؛ هي، بمعناها الأعمق، تفاعل بين الأرواح، أوجده الله عندما خلق الإنسان.

وثمة شيء شديد الغرابة في اللحظة الديموغرافية التي ندخلها. فقد أمضت الحضارة قروناً تحاول إبعاد الموت، حتى نجحت إلى حد مذهل. أصبح الإنسان يعيش سنوات أكثر، وينجو من أمراض كانت تقتل أجداده، ويصل إلى الثمانين والتسعين وهو يحمل قلباً أصلحته الجراحة، ومفصلاً من معدن، ودواءً يضبط ضغطه، وهاتفاً يستطيع أن يستدعي العالم بلمسة.

لكن الحضارة التي أضافت السنوات إلى آخر الحياة بدأت، في الوقت نفسه، تقلّل عدد البشر الموجودين في بدايتها.

سيجعل التطور البيت دافئاً، وسيوفّر الدواء في الوقت الصحيح، وسيصل الطعام إلى الباب، وسيراقب جهاز نبض المسن طوال الليل، مثلما يراقب جهاز آخر البوابة الخارجية ليحمي من اللصوص.

كل شيء سيعمل كما ينبغي.

لكن من سيجلس قرب السرير؟