فرنسا تهرب من الساحل إلى شرق أفريقيا

فرنسا تهرب من الساحل إلى شرق أفريقيا

باريس – لم تعد معركة فرنسا في أفريقيا تدور حول القواعد العسكرية والوجود الأمني كما كانت خلال العقود الماضية، بل انتقلت إلى ساحات أكثر اتساعاً وتعقيداً: الاستثمار، التكنولوجيا، البنية التحتية، التعليم، التجارة والدبلوماسية. فمع تراجع الحضور الفرنسي في دول الساحل وتصاعد خطاب السيادة الأفريقية، تبدو باريس وكأنها تعيد توجيه بوصلتها من غرب القارة إلى شرقها، حيث توجد اقتصادات أكثر انفتاحاً وشركاء أقل ارتباطاً بالإرث الاستعماري الفرنسي.

ويأتي هذا التحول في لحظة تعيد فيها أفريقيا نفسها رسم خريطة علاقاتها الخارجية. الصين تتوسع بقوة في البنية التحتية والتجارة والتكنولوجيا، وروسيا تسعى إلى تثبيت موقعها لاعباً أمنياً وسياسياً، بينما تبني تركيا شبكة نفوذ تجمع التجارة والدفاع والتعليم والطيران. وفي المقابل، لم تعد الحكومات الأفريقية مستعدة لقبول علاقة تقوم على شريك خارجي مهيمن، بل تتعامل مع القوى الدولية وفق قاعدة جديدة: لا حليف دائم، بل شراكة تحقق أكبر قدر من المكاسب الوطنية.

تكشف التحركات الفرنسية الأخيرة عن محاولة واضحة لإعادة تعريف حضور باريس. فقد استضافت نيروبي في مايو 2026 قمة «Africa Forward» التي شارك فيها أكثر من 7000 شخص، ونُظمت بالشراكة بين فرنسا وكينيا، في إشارة سياسية قوية إلى رغبة باريس في توسيع خطابها الأفريقي خارج الفضاء الفرنكوفوني التقليدي. والأهم أن القمة ركزت على الاستثمار والابتكار والنمو والبنية التحتية، لا على النفوذ العسكري أو الملفات الأمنية فقط.

وفي القمة، أعلنت فرنسا والجهات المشاركة تعبئة استثمارات بقيمة 23 مليار يورو في أفريقيا، بينها 14 مليار يورو من الشركات الفرنسية، فيما تحدث الرئيس إيمانويل ماكرون صراحة عن رغبة فرنسا في استعادة حصتها من الأسواق ليس فقط في أفريقيا الفرنكوفونية، وإنما أيضاً في أفريقيا الناطقة بالإنجليزية والبرتغالية.

وهنا تكمن أهمية شرق أفريقيا بالنسبة إلى باريس. فكِينيا، وإثيوبيا، وجيبوتي وغيرها من دول المنطقة تمنح فرنسا بوابة نحو فضاء اقتصادي وسياسي لا تحكمه اللغة الفرنسية، وفيه مراكز تجارية وممرات بحرية وموانئ وقطاعات تكنولوجية وطاقة تتزايد أهميتها.

وتحاول باريس، في مقاربتها الجديدة، التخلص من صورة القوة الأوروبية التي تأتي إلى القارة محملة بشروط سياسية أو أمنية. ففي قمة نيروبي، ركز الخطاب الفرنسي على أن الأفارقة يريدون الاستثمار وليس المساعدات، وعلى الانتقال من العلاقة الرأسية إلى شراكات تقوم على الاستثمار المشترك وخلق القيمة.

هذه ليست مجرد إعادة صياغة لغوية. فرنسا تدرك أن نموذج العلاقات القديم فقد كثيراً من جاذبيته، وأن المنافسين الجدد يقدمون للحكومات الأفريقية خيارات أوسع.

المشكلة بالنسبة إلى فرنسا لا تتعلق فقط بعدد الجنود أو القواعد. المشكلة الأعمق هي تآكل الثقة السياسية التي كانت تشكل قاعدة نفوذها

وفي كينيا تحديداً، وقعت فرنسا عبر الوكالة الفرنسية للتنمية خمس اتفاقيات بنحو 170 مليون يورو في مجالات الطاقة المتجددة والربط الرقمي وإدارة المياه والتعليم، بما يعكس الاتجاه نحو أدوات نفوذ طويلة الأمد أقل ظهوراً من القواعد العسكرية، لكنها قد تكون أكثر استدامة.

الحديث عن «تراجع فرنسا» في أفريقيا صحيح جزئياً، لكنه لا يعني أن باريس غادرت القارة. فقد تراجع نفوذها بصورة واضحة في دول الساحل، بينما تصاعدت الصين وروسيا وتركيا بوصفها بدائل أو منافسين. وتقر دراسات فرنسية رسمية بأن القارة تشهد تحولاً عميقاً في موازين القوى، مع تراجع تدريجي للحضور الفرنسي وصعود الصين وروسيا.

لكن المشكلة بالنسبة إلى فرنسا لا تتعلق فقط بعدد الجنود أو القواعد. المشكلة الأعمق هي تآكل الثقة السياسية التي كانت تشكل قاعدة نفوذها.

ففي الساحل، استفادت روسيا من الفراغ الذي خلفته الأزمات السياسية وفشل أو انتهاء مبادرات أمنية غربية وفرنسية، بينما استفادت الصين من موقعها كقوة استثمارية وتجارية كبرى. وفي المقابل، وسعت تركيا حضورها عبر مزيج من التجارة والدفاع والتعليم والخدمات، مقدمة نفسها لشريحة من الدول الأفريقية كخيار ثالث بين الغرب وروسيا.

إذا كانت فرنسا تحاول إعادة اكتشاف أفريقيا، فإن الصين موجودة أصلاً في قلب التحول الاقتصادي للقارة.

تملك بكين شبكة واسعة من العلاقات التجارية والاستثمارية، وتحولت في السنوات الأخيرة إلى لاعب مهم في البنية التحتية والطاقة والاتصالات والتعدين. كما توسع دورها في الأمن والتعاون العسكري، ولم تعد علاقتها بأفريقيا محصورة في القروض والمشروعات الكبرى.

وهذا يجعل المنافسة مع باريس مختلفة عن صراعات الماضي. ففرنسا لا تنافس فقط روسيا على النفوذ الأمني، وإنما تواجه الصين في معركة الأسواق والتكنولوجيا وسلاسل التوريد والمعادن الاستراتيجية.

أما روسيا، فتميل إلى استثمار أدوات القوة الصلبة والشراكات الأمنية، خصوصاً في البيئات الهشة، مع محاولة توسيع نفوذها في مناطق جديدة. وتشير دراسات حديثة إلى أن موسكو اكتسبت نفوذاً كبيراً في الساحل، لكنها تظل أضعف بكثير من الصين والدول الغربية في مجالات التجارة والاستثمار والتنمية.

لكن نقل مركز الثقل الفرنسي نحو شرق أفريقيا لا يعني أن المنطقة ستتحول تلقائياً إلى «ساحة فرنسية».

فالدول الأفريقية نفسها أصبحت أكثر قدرة على المناورة. وهي لا تبحث عن استبدال النفوذ الفرنسي بنفوذ صيني أو روسي أو تركي، بقدر ما تريد توسيع خياراتها. وقد كرست قمة نيروبي نفسها خطاب «الشراكة بين الندّين» واحترام السيادة وامتلاك الدول الأفريقية لأولوياتها التنموية، وهي مبادئ تعكس تحولاً أوسع في طبيعة العلاقة بين أفريقيا وشركائها الدوليين.

وتبدو هذه النقطة حاسمة بالنسبة إلى باريس: نجاحها لن يتوقف فقط على قدرتها على ضخ الأموال، بل على قدرتها على تقديم نفسها كشريك يحترم الحسابات الأفريقية الجديدة.

كِينيا، وإثيوبيا، وجيبوتي وغيرها من دول المنطقة تمنح فرنسا بوابة نحو فضاء اقتصادي وسياسي لا تحكمه اللغة الفرنسية

فكينيا لا تريد أن تكون حليفاً تابعاً لفرنسا، وإثيوبيا لا تريد العودة إلى علاقات تقليدية مع قوة واحدة، وجيبوتي تدرك قيمة موقعها الاستراتيجي وتعدد القوى الموجودة على أراضيها وحول موانئها. وبالتالي، فإن هامش المناورة الأفريقي أصبح أكبر بكثير.

المشكلة أن النفوذ الذي فقدته فرنسا في الساحل لا يمكن نقله ببساطة إلى شرق أفريقيا. فالقوة الناعمة لا تعمل بالترحيل الجغرافي، والثقة السياسية تحتاج سنوات كي تُبنى.

كما أن القارة نفسها لم تعد تنتظر فرنسا كي تحدد من هم الشركاء المقبولون. الصين موجودة، وروسيا تناور، وتركيا تتقدم، ودول الخليج توسع استثماراتها، والولايات المتحدة وأوروبا واليابان والهند تبحث جميعها عن مواقع في السوق الأفريقية.

لذلك تبدو استراتيجية ماكرون أقرب إلى محاولة إعادة تموضع منها إلى استعادة الماضي. باريس لا تستطيع، على الأرجح، إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لكنها تستطيع بناء نفوذ جديد أقل اعتماداً على الذاكرة الاستعمارية وأكثر ارتباطاً بالاقتصاد والتكنولوجيا والابتكار.

وهذا ما يفسر التركيز الفرنسي على البنية التحتية والاقتصاد الرقمي والطاقة والتعليم، وعلى التواصل مع أفريقيا الناطقة بالإنجليزية. ففرنسا، كما قال ماكرون في نيروبي، لم تعد تريد التعامل مع أفريقيا باعتبارها مجموعة دوائر نفوذ تاريخية، وإنما كسوق وقارة واحدة تريد أن تنافس فيها على أساس قدرتها على أن تكون «الأفضل».

في النهاية، قد تكون أكبر نتيجة للتحرك الفرنسي الجديد هي أن باريس نفسها اضطرت إلى التكيف مع أفريقيا الجديدة.

فالقارة التي كانت القوى الكبرى تتعامل معها بوصفها مجالاً للنفوذ أصبحت تتحول شيئاً فشيئاً إلى طرف يمتلك القدرة على الاختيار والمساومة والمفاضلة بين عروض متعددة. ولهذا فإن المعركة المقبلة لن تكون حول من يملك أكبر عدد من القواعد أو أعلى نفوذ سياسي، بل حول من يستطيع أن يقدم شراكة أكثر فائدة، واستثماراً أطول نفساً، وتكنولوجيا أكثر قيمة، واحتراماً أكبر للسيادة الأفريقية.

وقد تكون فرنسا قد خسرت جزءاً كبيراً من نفوذها في الساحل، لكنها لم تخسر بعد معركة أفريقيا. غير أن عودتها لن تمر عبر استعادة الماضي، بل عبر الاعتراف بأن قواعد اللعبة تغيرت.

باريس تحاول الانتقال من أفريقيا التي كانت تعتبرها مجال نفوذ إلى أفريقيا التي تريدها شريكاً. لكن نجاح هذه العودة سيتوقف في النهاية على سؤال واحد: هل تستطيع فرنسا أن تكسب القارة الجديدة من دون أن تحاول استعادة القارة القديمة؟