إعلانات

شوقي عبد الأمير.. شاعر عراقي نقل القصيدة العربية إلى ثقافات عالمية

خميس, 16/09/2021 - 01:34

 

طه العاني

 

بغداد – يعد الشاعر شوقي عبد الأمير من أبرز مؤسسي نمط القصيدة الحديثة في العراق، حيث اتسم إنتاجه بأسلوب فريد يستمد قوته من رموز التاريخ وروح الأسطورة السومرية المتجذر.

وبحكم عمله الدبلوماسي نجح عبد الأمير في نقل القصيدة العربية إلى ثقافات عالمية أخرى، وكانت كتابة الشعر سلوته في الغربة حيث قضى سنوات طويلة لتنعكس تلك التجربة على أعماله الفنية.

 

 

_________

 

اقرأ أيضا

في ذكرى تأسيسه.. شارع الرشيد أيقونة بغداد الذي احتضنت مسارحه أم كلثوم والريحاني وناظم الغزالي

أحلام مكسورة بطريق العودة إلى "الجنة الضائعة".. الأهوار العراقية والشغف بأرض الأجداد

لقب بـ"جواهري القصيدة الحديثة".. العراقي أجود مجبل يصدر ديوان "كأنه"

تاريخها مليء بالعنف والتفكك ولا يخلو من التنوّع والصراعات.. الرحالة العراقي باسم فرات: هكذا شاهدت "كوكب" اليابان

__________

 

بداياته

ولد عبد الأمير بمدينة الناصرية جنوب العراق، في 12 سبتمبر/أيلول 1949، وعن ذلك يقول "علاقتي مع الناصرية وآثار أور ورموزها تتواصل معي في شعري".

ويضيف -خلال حديث خاص مع الجزيرة نت- بأنه أكمل دراسته الابتدائية في سوق الشيوخ جنوب الناصرية، ثم انتقل إلى بغداد لدراسة البكالوريوس في كلية الآداب، وبعدها سافر إلى الجزائر لتدريس اللغة العربية، وساهم في تعريب المناهج هناك أيام الرئيس الراحل هواري بومدين.

ويتابع الشاعر حديثه في اتصال هاتفي من مدينة باريس التي يقيم فيها "بعدها سافرت إلى فرنسا لتلقي الدراسات العليا في الأدب المقارن، وانتقلت بعدها إلى العمل الإعلامي والثقافي من خلال المجالات الأدبية والإعلامية الموجودة في باريس".

ويشير إلى أنه شغل وظيفة الملحق الإعلامي والثقافي لسفارة اليمن الديمقراطية (اليمن الجنوبي سابقا) في باريس، ثم أصبح المستشار الإعلامي والثقافي للسفارة بعد توحيد اليمن، كما شغل العديد من الوظائف، وساهم بتأسيس مراكز ثقافية عديدة.

بعد ذلك، انتقل عبد الأمير إلى منظمة اليونسكو وشغل منصب مستشار اليونسكو، ومدير مشاريع المنظمة بالمنطقة العربية، انطلاقا من بيروت وكان ذلك عام 1996.

 

 

الدبلوماسي الشاعر

وعن توفيقه بين الشعر والعمل الدبلوماسي، يرى عبد الأمير عدم وجود تناقض بين المجالين، وإنما هناك نسق متصل بينهما، وكلاهما يعتمد اللغة ويحتاج إلى حساسية وثقافة وقدرة على اختزال وتوصيل ونقل الأحاسيس والمعرفة.

ويوضح بأن الدبلوماسي والشاعر يدوران في نفس المساحة، وليس غريبا أن تجد كبار الشعراء في العالم أيضا كانوا دبلوماسيين، فالدبلوماسية والشعر ينبعان من نفس المصدر ولا يؤثر أحدهما على الآخر.

ويروي كيف اكتشف علاقته بالشعر في وقت مبكر، وبمفارقة غريبة كان الشاعر العراقي المعروف مظفر النواب مدرس الرسم في مدرسة عبد الأمير، وبدلا من واجب الرسم قام عبد الأمير بكتابة بعض النصوص فأعجب بها النواب وشجعه على الاستمرار، وكان ذلك مصدر فخر له وهو بعمر 12 عاما.

ويرى رئيس تحرير مجلة الأقلام الشاعر العراقي عارف الساعدي أن اغتراب عبد الأمير وعمله السياسي والدبلوماسي أسهما كثيرا بصناعة شوقي الدبلوماسي والموظف الأممي الرفيع الذي هيمن على شوقي الشاعر.

ويبيّن الساعدي للجزيرة نت أن تجربة عبد الأمير الشعرية معقدة وفيها أكثر من طبقة، بدءا بكتاباته المبكرة في العراق التي تنتمي لجيل الرومانسية، وكان يكتب الشعر العمودي في بداياته بطريقة مختلفة إلا أنه تجاوز هذه المرحلة سريعا وانتقل إلى منطقة الحداثة، حيث امتلك اللغة الفرنسية وترجم العديد من الشعر والفكر من الفرنسية إلى العربية.

ويلاحظ الساعدي أن عبد الأمير غاص عميقا بفكرة الترميز، فتجد قصيدته ممتلئة بطبقات متعددة لهذا فهي تحتاج قارئا صبورا يزيح طبقات قصيدته، لأنها ممتلئة بمرجعياته الثقافية والتي تقف ما يسميه "الأديان الإبراهيمية" في مقدمتها، حيث تجد نص عبد الأمير ممتلئا بإشارات توراتية وإنجيلية وقرآنية.

 

 

الغربة في شعره

وتقول الشاعرة والناقدة الفلسطينية نداء يونس إن مؤلفات عبد الأمير الشعرية تميزت كونها ترجمة دقيقة، ليس فقط لتحولات الذات في الغربة، بل وأيضا للكيفية التي يمكن فيها أن يصهر الشاعر غربته ومعرفته، لتشكيل كينونة يواجه بها قسوة العالم وتوحشه.

وأضافت للجزيرة نت بأن تعريف الشاعر للشعر يصبح في إطار هذه التحولات، فالشعر الذي هو في الأصل "غربة الكائن مع العالم ومع المألوف، والموت الذي يتصيده" فهو حقيقة "ارتطام بين غربة الذات والكون".

وتتابع "يقف عبد الأمير هنا على الزاوية المقابلة للعالم العربي، وهي ذات الزاوية التي أدت إلى رفض طباعة أول ديوان له، وتحققت في الغربة بمعطى جديد مكاني وزماني أتاح له نسج العلاقات بكبار الشعراء في الغربة، والتي فتحت ذاته الشاعرة على آفاق وتجاوزات معرفية بلغة أخرى تمتلك تلك النفاذية لتجارب شعرية مغايرة، وفلسفات تؤصل لتعريفات جديدة للغة الشعر، جعلت من لغة الشاعر مختبرا لتجربة الالتقاء الأعمق بين موروث شعري عربي قائم على الموسيقى العروضية ومنتج شعري غربي قائم على الادهاش وجدة التناول".

 

 

 

"كتاب في جريدة"

"ليس من المبالغة القول إن مشروع "كتاب في جريدة" هو أكبر مشروع ثقافي عربي، لأنه جمع جميع العرب في مشروع واحد ولمدة 17 عاما، وهذه المسألة نادرة، حيث عملت كل الدول العربية فيه وبحماس ومولته" كما يقول عبد الأمير.

ويبيّن أن المشروع مولته المنطقة العربية وليس اليونسكو، حيث تم باتفاق بين اليونسكو ومؤسسة بريطانية عربية يرأسها رجل الأعمال اليمني السعودي محمد بن عيسى الجابر، وكان الناطق الرسمي باسم المنظمة، ويرعى مشاريع اليونسكو وهو الذي تبنى المشروع لمدة 10 سنوات.

ويردف "أنا مؤسس المشروع ومديره، وكنا نوزع 3 ملايين نسخة من كتب الأدب مصورة ومقدمة وموزعة مجانا، وهذا لم يحدث في التاريخ، وهي ثورة ثقافية، تصور أنك في أي مكان من البلاد العربية وفي نفس اليوم تأخذ جريدتك، وفيه رواية أو كتاب شعر وفكر، وهذا مقدم بشكل مصور وجميل ومجاني وكل شهر لمدة 17 سنة".

من جانبه وصف الروائي والناقد العراقي نعيم عبد مهلهل مشروع "كتاب في جريدة" بأنه "مشروع نهضوي وإنساني وحضاري رائع، كنا نحن العرب نحتاج إليه لأن يكون الكتاب في المتناول السهل، وكان عبد الأمير هو عراب هذا المشروع وجاهد كثيرا لإنجاحه وجعله مصاحبا لإصدارات الصحف العربية المعروفة".

تميز عبد الأمير بأسلوب شعري فريد يستمد قوته من رموز التاريخ وروح الأسطورة السومرية (الجزيرة نت)

نتاج ثر

وعن مؤلفاته، يتحدث عبد الأمير عن مؤلفات شعرية كثيرة وباللغتين العربية والفرنسية، وأن لديه مؤلفات في النثر والمقالات، ومؤلفات في السرد، وكذلك مؤلفات في الترجمة، و15 ديوان شعر، و4 كتب بين السرد والمقالات الصحفية.

ويكشف عن تحديده 24 سبتمبر/أيلول 2021 لإطلاق أعماله الشعرية في 3 مجلدات وتضم 15 ديوانا، وسيكون في العاصمة الأردنية عمّان لإحياء أمسية ثقافية تتضمن قراءات شعرية بهذه المناسبة.

ومن أهم دواوينه الشعرية التي صدرت مؤخرا، يذكر عبد الأمير ديوان "كتاب نادو" وهي قصيدة حُب، وقبلها صدر ديوان "في الطريق إليه" وقبله "أنا والعكس صحيح". وصدرت مؤخرا له أيضا دراسة عنوانها "جهة الصمت الأكثر ضجيجا" وكتاب سرد عن زيارته لبغداد بعد 36 عاما من النفي اسمه "يوم في بغداد".

وحول مؤلفات عبد الأمير، يقول مهلهل -في حديثه مع الجزيرة نت- إن حسية هذا الشاعر المفرطة واعتماده على المشاهدة جزء من موهبة التخيل لديه، فطبيعي أن ينتج شعره ظاهرة تصويرية جميلة آتية من ترحاله المتعدد والأمكنة التي شكلت لديه هواجس الحس والحلم والكتابة، ابتدأت من موطن ولادته سوق الشيوخ جنوب العراق ثم الناصرية ثم أور ثم بغداد وعدن وبيروت وباريس وروما ودمشق.

ويضيف أن كل تلك الأمكنة صيرت من تجربة عبد الأمير عناوين وأنشطة وحياة حافلة بما ظل يشعر أنه الأداء الذي يلازم روحه وجسده وبدون قصيدة لا يستطيع أن يطيب منه، وربما عمله في المنظمات الدولية ذات الهاجس الإنساني والحضاري والفكري، ومنها اليونسكو، مكنته لينجح في مشاريعه الإبداعية في المنفى وفي بلاده.

يقول عبد الأمير "عشت في العراق 20 عاما، وعشت وأعيش في الغربة 50 عاما، ماذا يعني هذا؟ أين الوطن وأين الغربة؟ المسألة الحقيقية بالنسبة لي أين تتحقق الذات؟ ذات الشاعر، ذات المبدع، إذا تحققت في الوطن فتتحقق في الوطن، إذا تحققت خارج الوطن فتتحقق خارجه، لكنها تتحقق في مكانٍ واحد لا حيادة عنه: اللغة".

ويتابع "هذا مفهومي الحقيقي للمنفى، ولهذا أنا في الخارج أكتب بلغتي أو بلغة أخرى، أُحققُ ذاتي وأُحققُ وجودي في القصيدة، وما المنفى الحقيقي في انتقالي من مدينة إلى مدينة ومن بلد إلى بلد، بل المنفى الحقيقي أن يصادر حاضري".

وخصّ الشاعر موقع الجزيرة نت بقصيدة نظمها بمناسبة ميلاده، قال فيها:

أنا أكثرُ الكائنات ازدحاماً

بكلّ ما لا أعرف..

نجمٌ سديميٌّ

مات قبل ملايين السنين الضوئية

يُدرك كونَنا

حلمٌ في أسطورةِ بطل عاشقٍ

رَوَتْهُ شعوبٌ وقبائلٌ انقرضت

يَتحقق..

اقدامُ ماضٍ سحيق

ضاعت قرونا

قبل أنْ تجدَ طريقَ الحاضر

كان قمرُ اينانا

هو المهد

عندما خرجتْ المربيةُ

من فمي

في الطريق الطويلة التي قطعتها

حتى أصلَ إليَّ

كانت أعدادٌ غفيرةٌ من الموتى

تَصْطفُّ في وداعي

أحببتُ امرأةً

رأيتها تجمع نجوماً تتساقط

فوق جسدها كالمحيط

اختطفها في ليلٍ تكوينيّ سُعاةٌ

قبل أن تولد

ولهذا يجبُ أن تموتَ

حتى تراني..

في انتظارها

يأتيني النهار، يجلس قبالتي

يسألني كل مرة نفس السؤال

لا ينتظر الجواب

ثم يغيب…

المصدر : الجزيرة