إعلانات

أطاح بمدير الموساد وأحبط اغتيال عبد الناصر ونائبه.. كيف ساهم الإسكندراني في كشف أضخم شبكة تجسس إسرائيلية بمصر

أحد, 15/08/2021 - 17:13

 

 

القاهرة – منتصف القرن الماضي، استطاع أن يسقط شبكات جاسوسية تعمل ضد بلاده، وبسببه أقيل مديرا للمخابرات الإسرائيلية "الموساد" وبفضله نجا الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ونائبه المشير عبد الحكيم عامر من الاغتيال.

هو المطرب والفنان التشكيلي سمير الإسكندراني، الذي رحل منتصف أغسطس/آب 2020، عن عمر ناهز 82 عاما، مخلفا وراءه إرثا كبيرا من الأعمال الفنية والوطنية.

من الغورية إلى بيروجيا

في حي الغورية، بمنطقة مصر القديمة (وسط القاهرة) ولد سمير فؤاد الإسكندراني في 8 فبراير/شباط 1938، في بيت عاشق للفن والأدب، وعلى وقع الأمسيات الثقافية بمنزل الأسرة وبتشجيع من الوالد الذي كان يعمل تاجرا للأثاث، امتزجت طفولته بأشعار بيرم التونسي وألحان زكريا أحمد.

وحين بلغ ربيعه 15 انتقلت الأسرة من الحي الشعبي، بالغورية، إلى شارع عبد العزيز وسط القاهرة، مجاورا أهل الفن والموسيقى والمسرح، حيث اختفت الوجوه الشعبية البسيطة والطباع المألوفة لتحل محلها التقاليد والشخصيات اليونانية والإيطالية والإنجليزية.

شهد الإسكندراني تحولا كبيرا في حياته الوجدانية والشخصية تلك الفترة، ففي الشارع الراقي لم يعد صاحب محل البقالة البسيط سيد الصعيدي، حيث حلّ محله الخواجة اليوناني جورج باباكرياكو، ومن الجارة "الست نبوية" إلى الإيطالية "سنيورا ماريا" وابنتها الحسناء "يولندا" التي أصبحت نقطة تحول في حياته لاحقا، حسبما ذكر بمذكراته للإعلام المصري.

التحق الإسكندراني بكلية الفنون الجميلة بجامعة القاهرة وتخرج في قسم الديكور وعمل معيدا بها، وكانت أمنيته أن يصبح رساما مشهورا، كما قاده حب الجارة الإيطالية إلى تعلم لغتها والرغبة في السفر إلى بلادها، ليحصل في النهاية على منحة دراسية بمدينة بيروجيا الإيطالية، ولم تكن أسرته تخشى سفر الأبناء حيث كان له شقيق في ذلك التوقيت يدرس بجامعة نمساوية.

 

الموساد والشياطين الثلاثة

في لقاء تلفزيوني، يروي الإسكندراني كيف واجه وتغلب على ألاعيب الموساد لتجنيده في إيطاليا، قائلا إن المال والخمر والنساء، 3 شياطين لم يقدروا عليه، لأنه حقن بمصل حب الوطن من والده الذي شارك حين كان طفلا في ثورة سنة 1919 (ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر).

 

بدأت قصة تجنيده بالموساد بمجرد وصوله إيطاليا حين التقى شابا يكبره عمرا بـ 10 سنوات من أصول يهودية، قدم نفسه باسم "سليم" وتحدث معه باللكنة المصرية الدارجة، وذكرّه بأمثال شعبية شهيرة في محاولة للتقرب منه.

لكنّ صداقة اليهودي كانت مريبة، ففي إحدى سهراتهما الليلية وجد الإسكندراني أن التكاليف بلغت ما يوازي 300 جنيه، قام بدفعها سليم اليهودي، مما أثار دهشته حيث كان من المفترض أنه حضر لإيطاليا من أجل الدراسة، فكيف له الحصول على هذا المبلغ الكبير وقتها.

وزاد الشك داخل الإسكندراني حين سأل الشاب عن عمله، فكان الرد أنه تاجر أسلحة، ليختفي فترة من الزمن، قبل أن تخبره إحدى صديقاته أنه يحمل جواز سفر أميركيا.

يقول الإسكندراني إن جواز السفر الأميركي خمسينيات وستينيات القرن الماضي كان أمرا يدعو للشك لأنه كان يساوي نظيره الإسرائيلي، مضيفا أنه حين التقى سليم مرة أخرى سأله إن كان يرغب في العيش والزواج في إيطاليا فرد بالموافقة، ووعده بتحقيق ذلك بعد مقابلة "شخص ألماني كبير" وهنا انتهت مهمة سليم في اختيار العنصر الصالح للتجنيد.

التقى الإسكندراني هذا الشخص وكان يدعى "جوناثان شميت" قبل أن يتبين له أنه أحد ضباط الموساد.

طرح شميت عدة أسئلة على الإسكندراني عن الوضع في مصر، وسأله عن رأيه في حكومة البكباشي "في إشارة إلى الرئيس جمال عبد الناصر" فالتقط الفنان المصري الخيط وتجاوب معه بالقول إنها حكومة "دكتاتورية" وهنا أعجب به "شميت" وعرض عليه العمل لصالح ما أسماها "منظمة البحر الأبيض المتوسط لمحاربة الشيوعية والاستعمار" مقابل راتب شهري ومكافآت كبيرة.

كانت خطة "شميت" التي عرضها على الإسكندراني تتمثل في إمداده بمعلومات عن مصر، كما طالبه بالتطوع في الجيش المصري، ليوافق الإسكندراني ويبدأ التدريب على وسائل التخابر المختلفة مثل المراسلة بالحبر والشفرات السرية، ورسم المواقع العسكرية، بعد أن تبين له دوافع الرجل والجهاز الذي يتبعه.

وحين التقى الإسكندراني في بيروجيا بشقيقه سامي الذي كان يدرس في النمسا، روى له كل ما حدث فنصحه الأخ بإبلاغ المخابرات بكل ما جرى وكتمان الأمر عن الآخرين.

 

اغتيال الرئيس ونائبه

ولعه بالمغامرة وارتباطه وإعجابه بشخص عبد الناصر، دفعه للتوجه إلى المخابرات المصرية ليكشف لها محاولة تجنيده، لكن المسؤولين هناك لم يقتنعوا بما قال، فلجأ إلى صديق لوالده كان يعمل في المخابرات العامة، فقص عليه ما حدث.

وبعد اقتناع المخابرات بما رواه الإسكندراني، قابل عبد الناصر، الذي أوكل إليه مباشرة رئيس الجهاز آنذاك صلاح نصر، ليلعب دورا كبيرا في خداع الموساد.

يقول الإسكندراني، إنه خلال لقائه بعبد الناصر، أبلغه أن الموساد يخطط لاغتيال المشير عامر بعد أن فشلت محاولتهم في نسف طائرة عسكرية عام 1956 كانوا معتقدين أنه المشير بداخلها، وكانوا يجندون لتلك العملية جاسوسا مصريا يدعى إبراهيم رشيد.

 

لم تكن خطة اغتيال عامر أخطر ما كشفه الإسكندراني للرئيس الراحل، بل كشف له عن محاولة لاغتياله شخصيا بوضع سم طويل المدى في طعامه، عن طريق طباخ يوناني يشرف على طعام الحفلات الرسمية التي يوجد بها الرئيس، وكان يشرف على هذه العملية دافيد بن غوريون (أول رئيس وزراء لإسرائيل) وغولدا مائير (رابع رئيس وزراء).

وبمعرفة المخابرات المصرية، قدم الإسكندراني معلومات خادعة للموساد، وأخرى كانت صحيحة لكنها تقليدية حتى لا تثير الشكوك حوله.

كما نجح في تخطي فخ إسرائيلي لكشفه حين طلبوا منه تجنيد أحد أقاربه العسكريين، كان يكبره سنا، إذ لم يكن من المنطقي أن ينجح الإسكندراني في عملية التجنيد تلك، موضحا أنه اعتذر عن ذلك لعدم استطاعته تلبية الطلب الصعب، مما أبعد الشكوك عنه وزادت مصداقيته وإخلاصه لدى الموساد.

 

الصيد الثمين

بعد أن نال الإسكندراني ثقة الموساد، ناور بحاجته لمزيد من المال وإلا توقف عن العمل، فطلبوا منه استئجار صندوق بريدي، فوصله مبلغ 3 آلاف دولار، مما أثبت وجود شبكة ضخمة من الجواسيس تتحرك داخل مصر.

أواخر 1958 نفَّذ الإسكندراني تعليمات الموساد بإرسال بطاقة بريدية تفيد بوصوله مصر وبدء تنفيذ العمل، كما أرسل خطابا سريا أكد فيه أنه التحق بالعمل في القسم الإيطالي بالإذاعة المصرية، مشيرا إلى حصوله على بعض المعلومات المطلوبة، وذلك كله تحت رعاية المخابرات المصرية.

بدأت المخابرات المصرية تجني ثمار عملية الإسكندراني، حين نجح في إيهام "الموساد" برغبته الملحة لمزيد من المال، فقرروا عدم إرسال مستحقاته المالية عن طريق البنك (البريد) وإنما عن طريق أحد عملاء إسرائيل داخل مصر، فكان ذلك أول خيط في كشف شبكة جواسيس ضخمة.

 

وحين أبدى الإسكندراني للموساد خوفه من أن تقع أفلام مصورة لمواقع مطلوبة في يد الجمارك والرقابة المصرية، أرسل إليه عميل الموساد "شميت" رقما بريديا بمدينة الإسكندرية لإرسال الطرود إليه، فبدأت تتداعى شبكة تجسس كبيرة معظمها من الأجانب، حسبما ذكرت "المجموعة 73 مؤرخين" (مؤسسة غير حكومية للأبحاث التاريخية العسكرية).

هنا أدركت القاهرة أنها أمام صيد ثمين، فطلبت من الإسكندراني أن يقنع الموساد بإرسال جاسوس إسرائيلي كبير يدعى "مويس جود سوارد" إلى مصر، ومن خلال تتبعه تم الكشف عن اتصالاته السرية بجاسوسين آخرين أحدهما موظف بأحد الفنادق وآخر دبلوماسي بإحدى السفارات الأوروبية بالقاهرة.

تمكنت المخابرات المصرية، بعد القبض على مويس والتحفظ عليه دون أن تعلن ذلك، بالسيطرة على خطاباته المرسلة إلى الموساد، مما ساعدها في كشف كل عملاء الشبكة الجاسوسية التي ارتبط بها مويس.

وحين أعلنت المخابرات المصرية عن العملية كلها مرة واحدة، أصيب الإسرائيليون بالذهول، حين اكتشفوا دور الإسكندراني وخداعهم لهم لسنوات، مما دفع مدير الموساد للاستقالة، بعد أن ساهم في الكشف عن 6 شبكات تجسس إسرائيلية بين القاهرة والإسكندرية.

وكما أدى دوره كعميل مزدوج، شارك الإسكندراني كأحد جنود حرب يونيو/حزيران 1967 بين مصر وإسرائيل حيث قال، في لقاء متلفز، إنه شاهد أحد أصدقائه يقتل بقذيفة إسرائيلية شطرته لنصفين، وهما على جبهة القتال.

 

الرسم والغناء

وخلافا لأدواره البطولية في خدمة بلاده، اشتهر الإسكندراني بموهبته الفنية في الرسم والغناء، حيث قدم العديد من الأغاني بلغات عدة، ومنها "طالعة من بيت أبوها، يا رب بلدي وحبايبي والمجتمع والناس، ياللي عاش حبك يعلم كل جيل من بعد جيل". وشارك في دويتو غنائي نادر مع موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب.

 

وبنبرات صوته الرخيم وحروفه المنغمة، قدم الإسكندراني ألوانا موسيقية مختلفة، بلغات امتزجت بالعربية منها الفرنسية والإنجليزية والإيطالية، واشتهر بالأغاني الوطنية.

وبعد وفاته في 13 أغسطس/آب 2020، حرصت المخابرات المصرية على نعيه، واصفة إياه بـ "الفنان الذي قدم لوطنه خدمات جليلة" جعلت منه نموذجا فريدا في الجمع بين الفن الهادف والبطولة والتضحية".

المصدر : الجزيرة