إعلانات

.

تابعنا على فيسبوك

ثقافة المُجالسة

أربعاء, 08/11/2017 - 23:59

أبو العباس أبرهام

 

الفيلسوف الإنجليزي المُحافِظ، روجر سكروتون يُقدِّمُ تصوّراً غريباً. فهو يعتقِدُ أن اليسار ينتزِعُ من الغرب ماضيه وتقاليده. وثانياً هو يعتقِدُ أنّ هذه التقاليد هي ما يتفوّقُ على الإسلام. وقد رأى أن سبب ما رأى أنّه تفوّق الغرب على الإسلام (مع أنّ الإسلام أيضاً في الغرب منذ قرون؛ كما أنّ في الغرب ما هوّ إسلامي كذلك) هو أن الغربيين يتفوّقون على ذواتِهم بالمجالسة والمنادمة، التي أساسُها الخمر والنساء؛ بينما لا يملك المسلمون مدخلاً إلى النساء وإلى الخمر فيتفجّر العنف!
هنالك عدّة مشاكل في هذا التصوّر: أوّلاً هو يفترِض أنّ الإسلام النصّاني هو السائد في بلاد الإسلام على الإسلام المُمارس، بما فيه استدخال الخمريات. وثانياً هو يفترِضُ أن المنادمة مشروطة بالخمريات، متغافِلاً عن الأدوار المجالسيّة للشاي والقهوة والصداقة وتحاورات العُقول الصافيّة الجميلة هنا وهناك.
إلاّ أنّني أعتقِد أن ثقافة المُجالسة والإمتاع والمؤانسَة مُعرّضة لأخطار كبيرة في الشرق والغرب. في الغرب، والشرق، بسبب تدمير الوسائط الاجتماعية والتقنيات الجديدة للصوت البشري. وفي بعضِ بُلدانِنا يبدو أن ثقافة الإمتاع والمؤانسة، التي ازدهرت في العصور العبّاسية والعثمانية وحتّى في فترة "الإنحطاط" وأيام النهضة تموت أمام أعيُنِنا. فمجالس الشاي لم تعد للمنادمة وإنما صارت للارتشاف والتساهي. أما الزميل الذكي، الذي يستمِع ويُكمِّل ويُعانِد في أدب واستكمال فقد بدأ يختفي قُدُماً؛ وما يوجد هو مجموعة من الذوات المتصارِخة، الباحِثة عن تأكيد ذاتِها. أمّا المقاهي فقد تحوّلت إلى فضاءات للفرجة والموسيقى الصاخِبة ومات صوت الجِليس وتأمّلاتُه. أما المقاطعة والحماقة في الفهم والسخرية فقد صارت هي الوسائط الثقافيّة الجديدة. والقنوات التلفزيونيّة صارت تُعلِّبُ الحماقة وتُسلِّحُ بها جمهوراً غير نقدي. ولم تعد الجامِعات تُنتِجُ الفِكر النقدي، والدكاتِرة صاروا تكفيريين.
يجب أن أختُم بأنّني في هذه المرحلة من العُمر لم أعد أحبُّ مجالسة الأحمق: ذلك الذي يُعارِضُ قبل أن يفهَم؛ ذلك الذي يُشرِّرُ على الاختلاف؛ ذلك الذي يعتقِدُ أنّ الحقائق جاهِزة؛ وأنّه في مهمّة إلهية؛ واّنه في الجانب المُصيب من التاريخ. ذلك الكذّاب في تقديمِه لأفكارِ غيرِه. ذلك الذي ينوشُ ما قبل اللاكِن ويتخاصَمُ مع الجُمل الاعتراضية والأفكار الجانبيّة، دون أن تعنيه الأطروحة والفِكرة العامة. ذلك الذي لا يقرأ. ذلك الذي يتعامل مع المُركّبات الفِكريّة أنها فِرقٌ كُرويّة يُشجِّعُ منها ويُعانِد. إنّ هؤلاء يوجدون، كما قد يرى المُتابِع، على صفحتي، ولكنّهم أكثر كذلك في صفحاتِ غيري. وهؤلاء، الرافِضون لثقافة الاختلاف، يعتمِدون على الاختلاف للدِّفاع عن حقوقِهم في إفساد الحِوارات وتتفيه الأفكار وتسفيهِها بورعِهم الزائف وضحالتِهم الزّائدة. ورغم أنّهم لا يؤمِنون بالدِّيمقراطيّة، ويسعون قُدماً إلى تدميرِها بالتكفير، إلاّ أنّهم سرعان ما يستدعون الدِّيمقراطية لدى طردِهم. فهم وباء المجالس وجراثيمها. وفي الحقيقة، فكما انتبَه إيكو قُبيل وفاتِه، فلولا الوسائط الاجتماعيِة لما كان لهم صوت خارِج الحانات الرخيصة. وهذه هي مُعضِلة الوسائِط الاجتماعيّة فهي تُعمِّمُ الحماقة والبداهة وتُقدِّسُها من خلال حمايتِها بجنود الحماقة.