مِنْ نَوَاكْشُوطَ إِلَى غَزَّةَ… حِكَايَةُ نُصْرَةٍ لَا تَنْقَطِعُ وَصُمُودٍ لَا يَنْكَسِرُ

مِنْ نَوَاكْشُوطَ إِلَى غَزَّةَ… حِكَايَةُ نُصْرَةٍ لَا تَنْقَطِعُ وَصُمُودٍ لَا يَنْكَسِرُ

 

لَمْ تَكُنْ فِلَسْطِينُ يَوْمًا مُجَرَّدَ قَضِيَّةِ حُدُودٍ أَوْ خِلَافٍ سِيَاسِيٍّ عَابِرٍ، بَلْ كَانَتْ وَمَا زَالَتْ قِصَّةَ شَعْبٍ كَتَبَ تَارِيخَهُ بِالدَّمِ وَالصَّبْرِ وَالتَّضْحِيَةِ. فَعَلَى امْتِدَادِ أَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ، تَعَاقَبَتِ الْمِحَنُ وَتَكَاثَرَتِ الْجِرَاحُ، وَبَقِيَ الْفِلَسْطِينِيُّ مُتَمَسِّكًا بِأَرْضِهِ كَمَا يَتَمَسَّكُ الْقَلْبُ بِالْحَيَاةِ.

هُنَاكَ فِي فِلَسْطِينِ، لَمْ تَعُدِ الشَّهَادَةُ خَبَرًا يُقْرَأُ فِي الصُّحُفِ، بَلْ أَصْبَحَتْ حِكَايَاتٍ تَسْكُنُ الْبُيُوتَ وَالطُّرُقَاتِ وَالذَّاكِرَةَ. أُمَّهَاتٌ وَدَّعْنَ أَبْنَاءَهُنَّ وَهُنَّ يُخْفِينَ انْكِسَارَ الْقُلُوبِ خَلْفَ كِبْرِيَاءِ الْإِيمَانِ، وَآبَاءٌ حَمَلُوا أَجْسَادَ أَبْنَائِهِمْ عَلَى أَكُفِّهِمْ وَهُمْ يُرَدِّدُونَ كَلِمَاتِ الصَّبْرِ وَالِاحْتِسَابِ، وَجَرْحَى حَمَلُوا عَلَى أَجْسَادِهِمْ آثَارَ الْعُدْوَانِ شَاهِدَةً عَلَى حَجْمِ الْمُعَانَاةِ وَعِظَمِ الثَّبَاتِ.

وَفِي غَزَّةَ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ، تَجَلَّتْ أَعْظَمُ صُوَرِ الصُّمُودِ الْإِنْسَانِيِّ. غَزَّةُ الَّتِي أَرَادُوا لَهَا أَنْ تَرْكَعَ فَأَبَتْ، وَأَرَادُوا لَهَا أَنْ تَنْكَسِرَ فَتَحَوَّلَتْ إِلَى رَمْزٍ عَالَمِيٍّ لِلثَّبَاتِ. كَمْ مِنْ مَرَّةٍ ظَنُّوا أَنَّ الرُّكَامَ سَيَدْفِنُ الْإِرَادَةَ؟ وَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ تَوَهَّمُوا أَنَّ الْجُوعَ وَالْحِصَارَ وَالنَّارَ سَتُطْفِئُ جَذْوَةَ الْحَقِّ؟ فَكَانَ الْجَوَابُ دَائِمًا أَنَّ الْأَوْطَانَ لَا تُقَاسُ بِمِسَاحَتِهَا، بَلْ بِعِظَمِ مَنْ يُدَافِعُونَ عَنْهَا.

غَزَّةُ لَيْسَتْ مَدِينَةً مِنَ الْحَجَرِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ قِصَّةُ أُمٍّ تَنْتَظِرُ ابْنَهَا تَحْتَ الْأَنْقَاضِ، وَطِفْلٍ يَسْأَلُ عَنْ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ فَقَدَ بَيْتَهُ وَأَمَانَهُ، وَطَبِيبٍ يُضَمِّدُ جُرْحَ الْآخَرِينَ وَهُوَ يَحْمِلُ جُرْحَهُ فِي صَمْتٍ، وَرَجُلٍ يَدْفِنُ أَحِبَّتَهُ ثُمَّ يَعُودُ لِيُسَاعِدَ جِيرَانَهُ وَيُوَاسِي مَنْ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُ مُصَابًا.

وَمَعَ هَذِهِ الْمِحْنَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْكُبْرَى، تَدَفَّقَتْ جُهُودُ الْإِغَاثَةِ وَالدَّعْمِ مِنْ مُخْتَلِفِ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ وَالْإِسْلَامِيِّ وَمِنْ أَحْرَارِ الْعَالَمِ، وَكَانَ لِمُورِيتَانِيَا شَعْبًا وَمُؤَسَّسَاتٍ وَقُوًى حَيَّةً حُضُورٌ مُشَرِّفٌ فِي مَيْدَانِ الْإِسْنَادِ وَالتَّضَامُنِ وَالْعَطَاءِ.

وَقَدْ تَجَلَّى الدَّعْمُ وَالْإِسْنَادُ الْمُورِيتَانِيُّ بِصُورَةٍ وَاضِحَةٍ عَلَى الْمُسْتَوَيَيْنِ الرَّسْمِيِّ وَالشَّعْبِيِّ، وَكَانَ فِي مُقَدِّمَةِ ذَلِكَ الْمَوْقِفُ الثَّابِتُ لِفَخَامَةِ رَئِيسِ الْجُمْهُورِيَّةِ، الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ فِي مُخْتَلِفِ الْمَحَافِلِ الْإِقْلِيمِيَّةِ وَالدُّوَلِيَّةِ، حَيْثُ أَكَّدَ فِي خِطَابَاتِهِ وَمَوَاقِفِهِ الرَّسْمِيَّةِ ثَوَابِتَ مُورِيتَانِيَا وَمَبَادِئَهَا الدَّاعِمَةَ لِلْحُقُوقِ الْمَشْرُوعَةِ وَقَضَايَا الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ.

كَمَا تَعَزَّزَ هَذَا الْمَوْقِفُ بِمَا صَدَرَ عَنِ الْمُؤَسَّسَاتِ الرَّسْمِيَّةِ وَالسُّلْطَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ وَالْأَحْزَابِ السِّيَاسِيَّةِ وَمُنَظَّمَاتِ الْمُجْتَمَعِ الْمَدَنِيِّ وَالْهَيْئَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ مِنْ بَيَانَاتٍ وَمُبَادَرَاتٍ وَأَنْشِطَةٍ دَاعِمَةٍ، عَبَّرَتْ عَنْ إِجْمَاعٍ وَطَنِيٍّ وَاسِعٍ وَعَنْ عُمْقِ الِارْتِبَاطِ الْمُورِيتَانِيِّ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ.

وَلَمْ يَقْتَصِرِ الْإِسْنَادُ الْمُورِيتَانِيُّ عَلَى الْمَوَاقِفِ السِّيَاسِيَّةِ وَالْإِعْلَامِيَّةِ، بَلِ امْتَدَّ إِلَى الْعَمَلِ الْإِغَاثِيِّ وَالْإِنْسَانِيِّ بِمُخْتَلِفِ صُوَرِهِ؛ مِنْ حَمَلَاتِ التَّبَرُّعِ، وَجَمْعِ الْمُسَاعَدَاتِ، وَتَسْيِيرِ الْقَوَافِلِ والمشاركة فيها، وَتَوْفِيرِ الْأَدْوِيَةِ وَالْمُسْتَلْزَمَاتِ الطِّبِّيَّةِ، وَكَفَالَةِ الْأَيْتَامِ، وَرِعَايَةِ الْأُسَرِ الْمُتَعَفِّفَةِ وَالْمُتَضَرِّرَةِ، فِي صُورَةٍ وَطَنِيَّةٍ جَامِعَةٍ جَسَّدَتْ قِيَمَ التَّضَامُنِ وَالتَّكَافُلِ وَالْإِغَاثَةِ.

وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ حَجْمَ الْكَارِثَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ فِي غَزَّةَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ مَا يَصِلُ إِلَيْهَا مِنْ مُسَاعَدَاتٍ، وَالِاحْتِيَاجَاتُ الْمُتَزَايِدَةُ أَوْسَعُ مِنْ كُلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّمَ. فَهُنَاكَ شَعْبٌ يُوَاجِهُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ وَالتَّهْجِيرَ وَنَقْصَ الدَّوَاءِ وَالْمَأْوَى وَالْخَدَمَاتِ الْأَسَاسِيَّةِ، وَلِذَلِكَ تَبْقَى كُلُّ مُسَاعَدَةٍ تَصِلُ، مَهْمَا بَدَا حَجْمُهَا مُتَوَاضِعًا، بَلْسَمًا لِجُرْحٍ، وَقُوتًا لِجَائِعٍ، وَأَمَلًا لِمُحَاصَرٍ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ خُيُوطِ النَّجَاةِ.

وَمِنْ أَخْطَرِ مَا يُوَاجِهُ هَذِهِ الْجُهُودَ الْيَوْمَ حَمَلَاتُ التَّشْكِيكِ الَّتِي تُصِرُّ عَلَى إِقْنَاعِ النَّاسِ بِأَنَّ الْمُسَاعَدَاتِ لَا تَصِلُ، وَأَنَّ الْمُحْتَاجِينَ لَا يَنْتَفِعُونَ مِنْهَا، وَأَنَّ مَا يُبْذَلُ مِنْ جُهُودٍ وَأَمْوَالٍ لَا جَدْوَى مِنْهُ.

إِنَّ الَّذِينَ يُطَالِبُونَ بِتَوْثِيقِ كُلِّ تَفْصِيلَةٍ، وَكُلِّ شَاحِنَةٍ، وَكُلِّ كِيسِ دَقِيقٍ، كَأَنَّهُمْ يَتَجَاهَلُونَ طَبِيعَةَ الْوَاقِعِ الْمَيْدَانِيِّ وَالْأَمْنِيِّ فِي غَزَّةَ. فَالْعَامِلُونَ فِي الْمَجَالِ الْإِغَاثِيِّ يَعْمَلُونَ تَحْتَ قَصْفٍ دَائِمٍ وَمُسْتَمِرٍّ، وَفِي بِيئَةٍ تَتَعَرَّضُ فِيهَا الطُّرُقُ وَالْمَعَابِرُ وَوَسَائِلُ النَّقْلِ وَالْعَامِلُونَ أَنْفُسُهُمْ لِلِاسْتِهْدَافِ الْمُبَاشِرِ.

وَقَدْ دَفَعَ الْعَامِلُونَ فِي الْمَجَالِ الْإِنْسَانِيِّ أَثْمَانًا بَاهِظَةً، حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَا يَزِيدُ عَلَى خَمْسِمِائَةِ شَخْصٍ مِنَ الْعَامِلِينَ فِي الْإِغَاثَةِ وَالْعَمَلِ الْإِنْسَانِيِّ، وَاسْتُشْهِدَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مَعَ أُسَرِهِمْ وَعَائِلَاتِهِمْ، وَمِنْ بَيْنِهِمْ مَنْ كَانُوا يُنَفِّذُونَ مَشَارِيعَ وَمُبَادَرَاتٍ إِغَاثِيَّةً مَوَّلَهَا أَوْ دَعَمَهَا أَبْنَاءُ مُورِيتَانِيَا وَمُؤَسَّسَاتُهَا الْخَيْرِيَّةُ.

وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ، لَمْ يَمْنَعِ الْخَطَرُ الْمُحْدِقُ، وَلَا الْقَصْفُ الْمُتَوَاصِلُ، وَلَا مَعْرِفَةُ الْعَامِلِينَ بِتَبِعَاتِ التَّوْثِيقِ وَمَخَاطِرِهِ، مِنَ الِاسْتِمْرَارِ فِي نَقْلِ الصُّوَرِ وَالْمَقَاطِعِ وَالشَّهَادَاتِ الْمَيْدَانِيَّةِ. بَلْ خَاطَرَ كَثِيرُونَ بِحَيَاتِهِمْ مِنْ أَجْلِ تَوْثِيقِ تَوْزِيعِ الْمُسَاعَدَاتِ وَإِيصَالِ الصُّورَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلْمُتَبَرِّعِينَ وَالدَّاعِمِينَ، حَتَّى يَطْمَئِنُّوا إِلَى أَنَّ مَا يُقَدِّمُونَهُ مِنْ أَمْوَالٍ وَمُسَاعَدَاتٍ قَدْ وَصَلَ إِلَى مُسْتَحِقِّيهِ وَأَسْهَمَ فِي التَّخْفِيفِ مِنْ مُعَانَاتِهِمْ.

وَالشَّوَاهِدُ عَلَى وُصُولِ الْمُسَاعَدَاتِ حَاضِرَةٌ وَمَشْهُودَةٌ، وَالْمَقَاطِعُ وَالصُّوَرُ وَالشَّهَادَاتُ الَّتِي تُوَثِّقُ اسْتِلَامَ الْأُسَرِ الْمُحْتَاجَةِ لِلْمُسَاعَدَاتِ بِالْمِئَاتِ بَلْ بِالْآلَافِ. وَقَدْ يَبْقَى مَا يَصِلُ أَقَلَّ مِنْ حَجْمِ الْحَاجَةِ الْهَائِلَةِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَصِلُ أَصْلًا، فَالْفَرْقُ بَيْنَ قِلَّةِ الْمُسَاعَدَاتِ وَانْعِدَامِهَا فَرْقٌ كَبِيرٌ.

وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهُ مَهْمَا جُمِعَ مِنْ أَمْوَالٍ، وَمَهْمَا سُيِّرَتْ مِنْ قَوَافِلَ، وَمَهْمَا تَعَدَّدَتِ الْمُبَادَرَاتُ الْإِغَاثِيَّةُ، فَإِنَّ حَاجَةَ النَّاسِ فِي غَزَّةَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ مَا يُقَدَّمُ لَهُمْ؛ لِأَنَّ حَجْمَ الْكَارِثَةِ يَفُوقُ الْإِمْكَانَاتِ الْمُتَاحَةَ، وَلِأَنَّ أَعْدَادَ الْمُحْتَاجِينَ تَتَزَايَدُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.

إِنَّ التَّشْكِيكَ الْمُسْتَمِرَّ فِي كُلِّ جُهْدٍ إِغَاثِيٍّ، وَفِي كُلِّ قَافِلَةٍ، وَفِي كُلِّ مُبَادَرَةٍ، لَا يَقِفُ أَثَرُهُ عِنْدَ حُدُودِ الْكَلِمَاتِ، بَلْ يَنْعَكِسُ مُبَاشَرَةً عَلَى ثِقَةِ الْمُتَبَرِّعِينَ وَاسْتِمْرَارِ الْعَطَاءِ وَتَدَفُّقِ الدَّعْمِ.

وَهُنَا يَبْرُزُ سُؤَالٌ مَشْرُوعٌ: لِمَصْلَحَةِ مَنْ يَجْرِي التَّشْكِيكُ فِي كُلِّ عَمَلٍ إِغَاثِيٍّ؟ وَلِمَصْلَحَةِ مَنْ يُدْفَعُ النَّاسُ إِلَى الْإِحْجَامِ عَنِ التَّبَرُّعِ وَالْمُسَاهَمَةِ؟ وَلِمَصْلَحَةِ مَنْ يُرَادُ قَطْعُ الْمُسَاعَدَاتِ عَنْ شَعْبٍ يُوَاجِهُ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ وَالْمَرَضَ وَالتَّهْجِيرَ؟ وَمَنْ هُوَ الْمُسْتَفِيدُ مِنْ حِرْمَانِ أَهْلِ غَزَّةَ مِنْ آخِرِ أَمَلٍ يَرْبِطُهُمْ بِأُمَّتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ؟

إِنَّ التَّشْكِيكَ الْمَوْسِمِيَّ وَالْمُسْتَمِرَّ وَالْمُتَعَمَّدَ الَّذِي يُفْضِي إِلَى تَثْبِيطِ الْمُتَبَرِّعِينَ وَإِضْعَافِ مَوَارِدِ الْإِغَاثَةِ، يَدْفَعُ ثَمَنَهُ الْجَائِعُونَ وَالْمَرْضَى وَالْمُشَرَّدُونَ وَالْمُحَاصَرُونَ، وَيَسْتَفِيدُ مِنْهُ الْمُرْجِفُونَ وَالْأَفَّاكُونَ، نَاهِيكَ عَنِ الِاحْتِلَالِ الصَّهْيُونِيِّ وَأَعْوَانِهِ الَّذِينَ يَتَمَنَّوْنَ انْقِطَاعَ كُلِّ سَبِيلٍ لِلدَّعْمِ وَالْإِسْنَادِ.

وَمَنْ يَقْرَأُ التَّارِيخَ بِإِنْصَافٍ يُدْرِكُ أَنَّ الْفِلَسْطِينِيِّينَ لَمْ يَكُونُوا طَارِئِينَ عَلَى أَرْضِهِمْ، بَلْ عَاشُوا فِيهَا جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وَتَرَكُوا آثَارَهُمْ فِي مُدُنِهَا وَقُرَاهَا وَمَسَاجِدِهَا وَحُقُولِهَا وَأَسْوَاقِهَا. وَإِنَّ قَضِيَّتَهُمْ لَمْ تَسْتَمِدَّ مَشْرُوعِيَّتَهَا مِنْ شِعَارٍ سِيَاسِيٍّ، بَلْ مِنْ حَقِّ الْإِنْسَانِ فِي أَرْضِهِ وَحُرِّيَّتِهِ وَكَرَامَتِهِ، وَمِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِي مُقَدَّسَاتِهِمْ، وَأَمَانَةِ الْوَقْفِ الْإِسْلَامِيِّ الْمُسْتَقِرَّةِ فِي أَعْنَاقِهِمْ.

سَتَبْقَى غَزَّةُ عُنْوَانًا لِلصُّمُودِ، وَسَتَبْقَى فِلَسْطِينُ رَمْزًا لِتَمَسُّكِ الشُّعُوبِ بِحُقُوقِهَا، وَسَيَبْقَى تَارِيخُ التَّضْحِيَاتِ شَاهِدًا عَلَى أَنَّ الْإِرَادَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ أَقْوَى مِنَ الْحِصَارِ وَالْقَصْفِ وَالْجُوعِ وَالرُّكَامِ، وَأَنَّ الْحَقَّ يَبْقَى حَيًّا مَا دَامَ أَصْحَابُهُ مُتَمَسِّكِينَ بِهِ، يُوَرِّثُونَهُ لِأَبْنَائِهِمْ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ لِلْعَدْلِ أَنْ يَظْهَرَ وَلِلْحَقِّ أَنْ يَنْتَصِرَ.

وَسَيَبْقَى الْمُتَبَرِّعُونَ وَالْمُسَانِدُونَ وَالْمُجَاهِدُونَ بِأَمْوَالِهِمْ نِبْرَاسًا فِي نُصْرَةِ الْمَظْلُومِينَ، يَذْكُرُهُمُ التَّارِيخُ بِمِدَادٍ مِنْ نُورٍ وَحُرُوفٍ مِنْ ذَهَبٍ، لِأَنَّهُمْ وَقَفُوا إِلَى جَانِبِ الْحَقِّ يَوْمَ تَخَلَّى كَثِيرُونَ.

أَمَّا الْمُثَبِّطُونَ وَالْمُرْجِفُونَ وَالْمُشَكِّكُونَ، فَلَنْ يَجْنُوا مِنْ فِعْلِهِمْ إِلَّا الْخِزْيَ فِي صَفَحَاتِ التَّارِيخِ وَمَوَازِينِ الْوُجْدَانِ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

وَإِنَّهُ لَجِهَادٌ… نَصْرٌ أَوِ اسْتِشْهَادٌ.

وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.

 

الدكتور محمد صبحي أبو صقر

 ممثل حركة حمااس في موريتانيا .