ذكرى أخرى تتجدد.. الشمس التي لا تغيب...

ذكرى أخرى تتجدد.. الشمس التي لا تغيب...

الحسين بن محنض

 

هذه هي الذكرى السادسة لرحيل والدتنا الولية الصالحة، ذات الكرامات الباهرة، درة بلاد شنقيط المصونة، وجوهرتها المكنونة الشيخة العارفة المحبة عائشة بنت المختار بن حامدن.. 

وبهذه المناسبة أنشر هذه الترجمة التي كتبتها عنها على إثر وفاتها يوم السادس من يونيو 2020، رحم الله تعالى من دعا لها بخير:

((ترجمة والدتنا الولية الصالحة العالمة المعلمة الشيخة عائشة بنت المختار بن حامدن رحمها الله تعالى ورضي عنها 

((تنتمي عائشة بنت المختار بن حامدن لعائلتين مشهورتين بالعلم والصلاح فوالدها هو مؤرخ الجمهورية وشاعرها العلامة المختار بن حامدن المجاور في آخر حياته بالمدينة المنورة، دفين البقيع الطاهر ، وجدها من جهته هو العلامة الكبير المشهور بالعلم والفتوى والقضاء محنض بابه بن اعبيد الديماني دفين آمنيگير مؤلف الميسر على مختصر خليل وغيره من التآليف المفيدة. أما والدتها فهي المرأة الصالحة العابدة الورعة المجاورة مريم بنت أحمد البشير جدها العلامة الولي الصالح المشهور بالعلم والزهد والورع والتقوى أحمد البشير القلاوي صاحب كتاب مفيد العباد وكتاب مورد النجاح وغيرهما من المؤلفات النافعة.. فهي بكرية أبا وأما.

ولدت بأطار سنة 1946 حيث ترعرعت فيما بين أطار وشنگيطي بآدرار إلى أن انتقلت مع والديها إلى أبي تلميت عندما تم تعيين والدها المختار بن حامدن أستاذا للتاريخ بمعهد بتلميت سنة 1956. 

وخلال وجودها في بتلميت تزوجها والدنا الشيخ بن محنض الديماني لأمه آمنة (البنية) بنت منيه الأبييرية، ولم يلبثا أن انتقلا إلى انواكشوط إبان فترة الاستقلال حيث أصبح والدها مستشارا ثقافيا لرئيس الجمهورية، بينما سيتدرج زوجها في مناصب مختلفة في الدولة تردد فيها بين منصب مدير لإدارات مختلفة أشهرها الثقافة والتعليم ومنصب أمين عام لوزارة قبل إحالته للتقاعد.

وفي انواكشوط عاشت عائشة كل شبابها واشتهرت منذ الصغر بالاستقامة والفضل والسيادة وحسن الخلق والكرم المفرط. ثم انتقلت إلى انواذيبو في أوائل الثمانينات بانتقال زوجها إليه للعمل فيه وظلت تتردد بين انواكشوط وانواذيبو والحجاز الذي انتقل إليه والداها مجاورين..  وفي هذه الفترة ازداد إقبالها على العلم والعبادة، ودخلت في حياة التزكية والزهد والانقطاع إلى الله تعالى بالعلم والعمل، فأسست في انواذيبو سنة 1983 محظرتها التي كرستها للدعوة والتعليم مشتغلة بوعظ النساء وإرشادهن وتعليمهن العلم والقرآن بالتجويد.. ثم انشغلت بالأذكار الكثيرة، وفتح الله تعالى عليها أواسط الثمانينات فانقشعت عنها الحجب وكثرت مرائيها الصالحة وخوارقها، وأخذت في البحث عن الصالحين والاجتماع بهم، والاستفادة منهم والأخذ عنهم، فكان ممن أخذت عنه الشيخ سيدي محمد التاگنيتي الذي كتب لها بالمشيخة وأجازها في الورد القادري، ولما توفي أخذت الورد التجاني.. 

واشتغلت بالعلم والتعليم والتأليف ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه حيثما حلت في موريتانيا وفي بلاد الحرمين التي توطنتها فترات متقطعة فتخرجت على يديها على مدى قرابة أربعين سنة مئات من النساء الحافظات والداعيات والمتعلمات، والمحبات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت فضلا عن تدريسها التجويد والفقه كثيرة الاشتغال بالمحبة والسيرة النبوية التي ألفت فيها مؤلفات عديدة، وشغلت السيرة والمحبة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم جل وقتها الذي بارك الله تعالى فيه، وظهرت بركاتها وانتشرت كراماتها..

فأكبر كراماتها الاستقامة والصبر على المجاهدة وعلى البلاء الكثير فقد مرضت مرات عديدة خلال الأربعين سنة الماضية أمراضا جلها مخوف تمكث فيه زمانًا أحيانا في غيبوبة تامة أيامًا أو أسابيع ثم يشفيها الله تعالى منه، حتى كان لمرابط الولي الطبيب العلامة محنض بابه بن امين يصفها بالعجيبة ويقول لها أنت مت مرات، فمن كراماتها كثرة رؤيتها للنبي صلى الله عليه وسلم وكثرة رؤية الصالحين لها مع النبي صلى الله عليه وسلم..

ومنها كما حدثتني به ما وقع في أول شبابها بعد ولادة أختي الأكبر مني ابتهاج فقد أراد الأطباء في المستشفى أن يعالجوها علاجا لا تحبه فاغتنمت غرتهم وأخذت ابنتها وجاءت إلى حائط المستشفى من خلفه فأعيتها حيلة تخرج بها فما شعرت حتى وجدت نفسها طارت وهي تحمل ابنتها من فوق الجدار ثم حطت خارجه.

ومنها بعد ذلك كما حدثتني به أني أنا ولدت بوزن ناقص نقصانًا كبيرا فأمر الطبيب الفرنسي بوضعي في جهاز حضانة وتركيب جهاز للتنفس أو التغذية في أنفي فخافت هي علي من ذلك ودعت الله مكروبة فتعطل ذلك الجهاز في الحال ولم تنفع معه حيلة فتركوها تذهب بي، وقالوا ألا أمل في حياتي فقالت لهم إنها إنما تطلبني من عند الله تعالى...

ومنها أنها رفعت إلى فرنسا في بداية الثمانينات بسبب مرض خطير في الدماغ، وسافر معها الوالد الشيخ فلما شخصها الأطباء قالوا للوالد بالفرنسية إنه لا أمل في شفائها وأن دماغها سينفجر خلال أيام أو أسابيع وأن عليه أن يذهب إلى الفندق ويتركها في رعايتهم حتى تتوفى فلما ترجم لها الوالد بعد ذهابهم كلامهم، قالت له: بل هم الذين سيموتون لا أنا وطلبت منه أن يعود بها إلى الوطن، فأبى أهل المستشفى، فاحتالا حتى حجزا في الطائرة الموالية وخرجا خفية وعادا إلى البلاد فكتب الله لها الشفاء التام، فجعل الطبيب الفرنسي الذي رفعها من انواكشوط يتعجب من أمرها غاية..

ومنها كما أخبرني به الأستاذ حامدن بن عبد الباقي أنه كان في سنة 1983 شرطيا بمطار انواكشوط، وجاءت عائشة مرفوعة من انواذيبو وهي تعاني من غثيان وآلام شديدة مستمرة في البطن فأمضت بانواكشوط يوما وليلة ثم قرر الأطباء رفعها إلى داكار، وتقرر أن يرافقها ابن العم الطبيب امين بن محمذن فال، وكان موعد مغادرة طائرة الفوكير إلى داكار الساعة الخامسة عصرا، وبعد أن ركب ركاب الطائرة أخبرت بأن إطار سيارة الإسعاف التي كانت تقلها من المستشفى إلى المطار قد تعطل في الطريق، فذهبت إلى "شيف دي إسكال" وكانت بيني وبينه معرفة قديمة فأخبرته بالأمر وطلبت منه أمر الطائرة بالتريث حتى تصل هذه المريضة التي كانت في حالة شديدة من الألم، فانتفض في وجهي وقال لي: أنتم من أهل البادية، هل تظنون أن الطائرة كالحمار أو كالجمل يوقفه المرء متى شاء، الطائرة لها توقيت وبرنامج محدد يجب أن تصل فيه إلى داكار في كلام من هذا القبيل، فانصرفت عنه وأنا في أشد الأسى، وجعلت أرقب الطائرة بعدما صدرت لها الأوامر من طرفه بالمغادرة فقد كنت أنا المسؤول في ذلك اليوم عن أمن الركاب، فأشعلوا المحركات وشرعوا في إغلاق الأبواب فامتنع عليهم الباب الخلفي فلم يستطيعوا إغلاقه واستدعوا التقنيين دون جدوى حتى جاءت سيارة الإسعاف وركبت هي فيها وودعتها ومرافقها الطبيب امين الذي طلب مني الساعة التي كانت في معصمي ليراقب عليها دقات قلبها، وبعد ذلك قبل باب الطائرة أن ينغلق وأقلعت..

وكانت البهائم والجمادات  تخبرها أحيانا ببعض الأمور، وأحيانا ترى الأشياء البعيدة أو تسمعها فتخبر بها، وربما أخبرت بموت بعض من حضر أجلهم برائحة تشعر بها..

ومن كراماتها أنها في رمضان الماضي جاءت إلى بيت إمام مسجدها في تفرغ زينه الشيخ التاه و لد المامون و أخذوا في الحديث عن الرسول صلى الله عليه و سلم فلما أفاضو فيه قالت لهم إنها وجدت رائحة تعرف بها حضور النبي صلى الله عليه و سلم لذلك المجلس، وتكرر منها مثل تلك الكرامة مرات في مجالس مختلفة.

ومنها أنها ذهبت إلى حاضرة انولكي في أواخر حياة شيخ الطريقة المستعينية الًولي الشيخ بدن ولد الشيخ المستعين ومعها حفيدها المامون يسوق بها، فلما أصبحوا دخل عليها حفيدها المامون فقالت له إنها وجدت علامة كلما وجدتها علمت أن مالا سيأتيها، و علمت مقدار ذلك المال، وبعد قليل جاءها رسول من عند امرأة من أهل انولكي بالسلام وبمبلغ 15 ألف اوقية هدية، فقال لها المامون: هذا ما كنت تنتظرين؟ فقالت له: هذا بعضه و مازالت منه بقية، و بعد قليل جاءت امراة مسلمة و معها 5 آلاف اوقية، فقالت له: الآن اكتمل المبلغ الذي كوشفت به.

ومنها أنها في أول أمرها لما ارتفعت عنها الحجب وأصبحت ترى الأشخاص  والجماعات  البعيدة منها سألت ابن عمها الولي الصالح المرابط محنض باب بن امين بن حامدن حفظه الله تعالى: هل يمكن للمرء أن يرى جماعة بعيدة منه؟ فقال لها: إن ذلك هو الطبيعي، فهذا الخلق الذي لا يرى إلا بعينيه لا يرى شيئا .

وقالت إنه مضى عليها دهر كلما أشكل عليها شيء في الفقه رأت في المنام ابن عمها الولي الصالح العلامة عبد الله بن امين بن حامدن فسألته عما أشكل عليها فيجيبها، و إذا شعرت بمرض تراآى لها أخوه الولي الصالح المرابط محنض باب بن امين بن حامدن فسألته عنه.

وتركها أحد أحفادها ليلة و هي مريضة فلما أصبح دخل عليها للسؤال عن حالها، فوجدها قد شفيت فسألها كيف شفيت؟ فقالت له: إنها رأت المرابط محنض بابه بن امين  في الصباح دخل عليها دخولا روحانيا وهي مستيقظة غير نائمة فأخذ شيئا من ركن البيت وخرج به فشفيت.

وربما ذهبت هي ذهابا روحانيًا إلى بعض الناس فنبهتم إلى أمر ما، ومن أغرب ذلك ما وقع لها مع امرأة في الساحل جاءتها في المنام في حرب الصحراء، فقالت لها إن جيشا من الجبهة سيغزو حيكم فارتحلوا، فلما أصبحت المرأة قصة رؤياها على أهل الحي فاستجاب لها أهلها فارتحلوا من حينهم وأكثر أهل الحي لم يستجب لها، فغزاهم جيش الجبهة وأثخن فيهم وأسر الرجال، وبعد ذلك بعشر سنوات دخلت عائشة على أسوة من أخوالها أهل أحمد البشير في انواذيبو، وكانت تلك المرأة عندهم فلما رأتها عرفتها، فقامت إليها مسلمة، وقالت لهم: هذه هي المرأة التي طالما أخبرتكم أنها أنقذتنا خلال الحرب..

ومن كراماتها أن المخاض ضرب حفيدتها نسيبة فذهبوا بها إلى مستشفى زايد ثم إلى مستشفى الصداقة بعدما تعسرت و لادتها فضج النساء بالبكاء بسبب ذلك، فقالت لهم عائشة: لا تقلقوا قد رأيتها وقد ولدت بنية، فولدت بعد ذلك بيسير بنية.. وقالت لهم: إنه لم يولد أحد من عيالها إلا ورأته قبل ولادته.

وكان الموتى كثيرا ما يزورونها لا سيما في ليالي الجمعة، وأخبرت مرة أنهم زاروها وفيهم اخوها المرحوم يحيى ولد حامدن فصافحته و هي مستيقظة.

وأخبرني حفيدها المامون أنه سافر إلى المذرذره ليلة العيد فلما نهض من الفجر للصلاة فتح هاتفه فإذا فيه الأبيات التالية في مدح النبي صلى الله عليه وسلم لأحمد شوقي:

((زانتك في الخلق العظيم شمائل

يغرى بهن ويولع الكرماء

فإذا سخوت بلغت بالجود المدى

وفعلت ما لا تفعل الأنواء

وإذاعفوت فقادرا ومقدرا 

لا يستهين بعفوك الجهلاء

وإذا رحمت فأنت أم أو أب 

هذان في الدنيا هما الرحماء

وإذا خطبت فللمنابر هزة

تعرو الندى وللقلوب بكاء

وإذا أخذت العهد أو أعطيته 

فجميع عهدك ذمة ووفاء

يامن له عز الشفاعة وحده 

وهو المنزه ماله شفعاء

لي في مديحك يا رسول عرائس 

تيمن فيك وشاقهن جلاء

هن الحسان فإن قبلت تكرما 

فمهورهن شفاعة حسناء

ما جئت بابك مادحا بل داعيا 

ومن المديح تضرع ودعاء

أدعوك عن قومي الضعاف لأزمة 

في مثلها يلقى عليك رجاء))

 فأخذه طرب عظيم من محبة النبي صلى الله عليه و سلم، جلس متأثرًا بمدح النبي صلى الله عليه و سلم على كثيب يرقب الصبح فتذكر جدته عائشة وحبها للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يشعر إلا وهاتفه يرن، فإذا هي، فقالت له: أسمعني الابيات التي كنت تقرأ، فأسمعها إياها، فقالت له: أرسلها إلي، أنا رأيتك الآن، وقد رأيتك أيضا وحولك منازل بيض. فاتصلت بك.. وفي المساء اتفق المامون مع أصدقائه على تأجير سيارة و الذهاب بها لزيارة الولي الصالح المرابط محنض بابه في الدوشلية، فلما أتوه ورأى منازله البيض تذكر ما قالت له عائشة.

وكانت رحمها الله تعالى لا تسمع بمحب للنبي صلى الله عليه وسلم إلا ذهبت إليه مهما كان بعده من محلها، فاتفق أن جاءها حفيدها المامون يوما فذكر لها حرطانية مداحة للنبي صلى الله عليه وسلم محبة تسكن على شارع المقاومة المعروف بشارع عزيز تبيت وهي تمدح النبي صلى الله عليه و سلم وتقول إن مرادها من الدنيا أن تظل تمدح النبي صلى الله عليه و سلم طول عمرها، فقالت له والدتنا عائشة: لابد أن نذهب إليها الآن فذهبوا إليها فلما أتوها عانقتها عائشة وحادثتها ثم سألتها عن بعض ما تجد من أمور الصالحين، فأعرضت عن الجواب أولا، ثم قالت: مما رأيت امرأة نورانية قادمة من هذه الجهة من أمرها كيت و كيت دخلت علي وعانقتني ففهمت عائشة أنها تقصدها فسكتت..

ومن كراماتها أنها كانت في البيت وليس معها أحد يطبخ لها طعام الغداء فدعت حفيدا لها صغيرًا فأوقد لها على القدر، وأنفت من أن تكثر عليه الاستدعاءات حتى لا تثقل عليه، وكانت متعبة وتحب أن تتفرغ لكتبها فكوشفت بما في القدر  فأصبحت ترى ما في داخلها والقدر مغطاة وتتابع حالة غليانها ومستوى مائها دون أن تحتاج إلى القيام إليها وكشف غطائها حتى وصلت إلى المستوى المناسب لصب المعكرونة، فاستدعت الغلام فقرب لها القدر فصبتها فيها وردتها للنار حتى نضجت..

ومنها ما أخبرتني به ابنتها ابتهاج أن والدتنا عائشة عانت خلال إحدى فترات إقامتهم بالمدينة المنورة من الشقيقة فوصف لها بعضهم ثمر "الكارور" المنقوع في اللبن، ينقع في النهار ويشرب في الليل، فكانت تأخذ في الصباح ثمرة أو أكثر من "الكارور" فتضعه في إناء وتصب عليه اللبن، وتضعه في أسفل الثلاجة إلى الليل، وفي أحد الأيام لم تجد ما تشتري به اللبن فوضعت "الكارور" في الماء ووضعته في الثلاجة لاستعماله ولو بدون لبن، فلما صلوا المغرب جاءتها نسوة يدرسن عليها، وأهدت لها إحداهن بعض الفلوس، فلما انتهى الدرس بعد صلاة العشاء استدعت ابنتها ابتهاج لتشتري لها لبنًا تضيفه إلى "الكارور" المنقوع في الماء، وأمرت إحدى حفيداتها بأن تأتيها بالإناء الذي يحتوي على الماء و"الكارور" فلما جاءتها به ورفعت غطاءه وجدت الماء الذي كان فيه قد انقلب إلى لبن، فتذوقته هي وبنتاها ابتهاج ومريم فما عرفن من أي أصناف اللبن هو؟

ومنها ما أخبرني به حفيدها المامون من أنه لقي قريبة له اسمها امنها بنت محمودن، فقالت له: إني أسمع بعائشة وما تقوم به من نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ومدحه، وأنا أحب أن ألقاها فأنا محبة للنبي صلى الله عليه وسلم ونصرته، وأحب أن تسهل لي ذلك اللقاء، ثم إنها اتصلت عليه من الغد في الهاتف فقالت له: إن رأيت البارحة في المنام كأني بالتاگلالت وإذا بامرأة قادمة من جهة كثبان مرتفعة فاستقبلها الناس، وهي تقول: أنا جئت أبحث عن محبي النبي صلى الله عليه وسلم، قالت امنها بنت محمودن: فقلت لامرأة بجنبي: من هذه؟ فقالت لي: هذه عائشة بنت التاه، فقلت لها: لا هذه عائشة بنت المختار بن حامدن، فقالت لي: المختار بن حامدن لقبه التاه، ثم استيقظت، فسألت المامون: هل صحيح: أن المختار بن حامدن يلقب بالتاه؟ فقال لها: نعم. قال المأمون: ثم اتصلت بعائشة هاتفيا وأنا أنوي أن أخبرها برؤيا امنها فأخبرتني بأنها تعاني من فخذ لها تؤلمها أصبحت وهي  لا تستطيع القيام معها مع أنها نامت وهي سليمة، فلمًا قصصت عليها الرؤيا قالت لي: صحيح لقد أتعبني السير على تلك الكثبان، فمثل هذه المرائي عندما تقع بي أصبح متعبة أو مريضة بسببها طيلة يوم أو أيام.

وأخبرني كذلك أنه كان يسوق بها السيارة السنة الماضية فهاتفتها امرأة ممن يحضرن دروسها بمحظرتها فقالت لها: إني كنت مصابة منذ فترة بمرض صدر شديد، ورأيتك البارحة في المنام فوضعت يدك عليه فأصبحت وكأن لم يكن بي شيء.

ومن كراماتها التي أعرفها تقصها علينا أنها وهي مولودة في الأربعين احتاج والداها ليلة للإضاءة لأمر ما  فأضاء لهم جسدها هي المكان والجو من حولهم حتى رأوا ما كانوا يريدون أن يروا فوضعت والدتها مريم بنت أحمد البشير يدها عليها فانطفأ الضوء فقال لها والدها المختار بن حامدن: لو لم تضعي يدك عليها لبقيت مضيئة إلى الأبد.. 

أما العلم فكان هو شغلها الشاغل منذ نعومة أظفارها تعلما وتعليما وتأليفا ومحاضرات.. فقد درست القرءان الكريم على لالة البوصادية، ثم على فاطمة بنت سيديا الأبييرية، وعائشة بنت اختيره من أولاد أشفغ حيبلل، كما درست الغزوات على فاطمة بنت جد امو في أطار، ودرست الأخضري و قرة الأبصار على العالمة النجاح بنت الددو والدة العلامة محمد سالم ولد عدود، واستفادت من زوجها العلامة محمد عالي ولد عدود دروسًا في الفقه، ومن ابنه العلامة محمد سالم. كما درست على العلامة الطبيب أوفى بن الشيخ محمد بن أوفى، و أعادت قراءة القرآن على الشيخ محمد بن أحمد الصغير التيشيتي الملقب بو عسريه، ودرست التجويد برواية ورش دراسة تحقيق علي أنا بعد عودتي من محظرة أهل داداه، وأخذت بعض الدروس عن الشيخ الدكتور الصوفي بن محمد الأمين في المدينة المنورة، كما تلقت دروسًا في مدرسة التحفيظ بمكة المكرمة. و أخذت كثيرا من العلم عن أخيها محمدن بن المختار بن حامدن، واستفادت من مؤلفات  ابني عمها العلامة محنض بابه بن امين و أخيه العلامة القاضي عبد الله بن امين..

أما مؤلفاتها فمنها:

فضل القرآن الكريم و أهميته

نقلة في التجويد على رواية الإمام ورش

الدعاء الاسنى باسماء الله الحسنى مع شرح بعض الاسماء 

تحقيق العبودية 

الأنوار الإيمانيه

الصلاة على النبي الأسنى بأسماء الله الحسنى

النور الساطع في الصلاة على البدر اللامع 

البهجة السنيه في الصلاة على خير البرية 

الأنوار البهية في الصلاة على خير البرية

مصباح الظلام في سيرة سيد الأنام

هل تعرف نبيك صلى الله عليه وسلم

الصفة المشرفة

بيت النبوءة

محبة النبي صلى الله عليه وسلم كنز

محبة آل البيت

الزوجات و السرايا 

سيدة نساء العالمين

سيدا شباب اهل الجنة

الخليفة الرابع 

ارشاد من له أذن واعية...إلى آخرها.

وكان  أول ما ألفت في شأنه أوائل الثمانينات لبس الرقيق الذي كان متفشيا بين النساء في ذلك العهد فألفت في ذلك رسالتها "حوار مع الصديقة هند"، ورسالتها "حوار بين الرقيق والغليظ" وحاضرت حوله ووعظت الكثيرات عنه في انواكشوط وانواذيبو، ومثل ذلك مناسبة لابن عمها الشاعر المختار بن محمدا بن محنض بابه بن اعبيد الذي قال فيها:

((قل للفتاة البضة الطائشه

   جاش الهوى في نفسها الجائشه

ترغب في إطفاء ذاك اللظى

          وهي في محيطه عائشه

لا تصحبي أهل الهوى واصحبي

         في الله بنت حامدن عائشه

من ضيقت هامش أهل الهوى 

   في حين سلمى وسعت هامشه)).

فعقبت أنا على ذلك بقولي:

((واضحي كمثلها تقى إنها

          ليست لمكر الله بالفالشه

غوث الأنام ملجأ المعتفي

         ولم تكن عن العلا طائشه

كلا ولم تكن على  أمرها

         ترشي ولا ترشى ولا رائشه))

وعقب والدها المختار بن حامدن بقوله:

((يثني عليها كل من لم تكن

             في نفسه طبيعة طائشه

وربما ترتع في عرضها 

               طائفة كالغنم النافشه

لا بارك الرحمن في لحمها

               لناهش منه ولا ناهشه))

ثم كان ثاني مؤلف لها في أوائل الثمانينات "نقلة في التجويد على رواية الإمام ورش"، فقد كانت ترى وجوب تعلمه، وكان شغلها الشاغل أن تقيم للنساء ألسنتهن بالقرآن وتعلمهن التجويد حيثما حلت، وقد تخرجت على يديها وعلى يدي بناتها لاسيما بنتها الأستاذة معها في المحظرة أختنا مريم بنت محنض بفضل الله تعالى حتى وفاتها مئات الحافظات، وكان آخر حفل أقامته رحمها الله تعالى لتخريج الحافظات من محظرتها في رمضان الأخير تخرج خلاله نحو عشرين حافظة لكتاب الله تعالى، منهن مجودات بروايتي ورش وقالون معًا... أما الموضوع الذي أخذ النصيب الأكبر من حياتها فكان السيرة النبوية وشمائل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.

وكانت محظرتها التي أنشأت قبل قرابة أربعين سنة (1983) ومناهج تدريسها فيها موضوع محاضرة ألقتها في مؤتمر علمي بباريس قبل فترة المستشرقة الألمانية ابريتا افرد عن "العالمات المعلمات : عائشة بنت حامدن نموذجا".. كما كانت موضوع مقال بالإنجليزية لهذه المستشرقة أمدني بنسخة منه أخونا الباحث الدكتور  ددود ولد عبد الله.

وكانت فضلا عن المحظرة مشرفة على المسجد الذي قامت على بنائه منذ نحو ثلاثين سنة بتفرغ زينه وظلت تشرف عليه حتى وفاتها.. 

أما فضلها وحسن خلقها، وصبرها على الأذى والمكاره، وصلتها للأرحام، وإحسانها وسخاؤها فحدث عنه ولا حرج.. كل يوم من أيامها يوم عبادة وتلاوة وتأليف وصلة وتدريس ومحبة للنبي صلى الله عليه وسلم الذي  هو شغلها الدائم ليلا ونهارا، ورتبت لنصرته حفلين أسبوعيًا تقيمهما لمدحه والحديث عن سيرته وشمائله بمحظرتها كل ليلة اثنين وليلة جمعة، فضلا عن مواسم المولد وغيرها.. وكانت كثيرة الرؤيا بالنبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وقد رأته مرة مستيقظة فأخبرت به زوجها الشيخ بن محنض رحمه الله وقالت إنها منذ ذلك الحين لم تستقر جوانحها من محبة النبي صلى الله عليه و سلم، وأما الصالحون فقد رآها في مراء مع النبي صلى الله عليه وسلم خلق كثير جدا، فلا يكاد يخلو أسبوع أو شهر لم يذكر فيه أحد الصالحين أنه رآها مع النبي صلى الله عليه وسلم..

وكان لها ولع عظيم لاسيما في أول حياتها العرفانية بالذكر والوعظ ومجالس الصالحين والأخيار، فذلك ما أشار إليه والدها التاه (المختار بن حامدن) سنة 1985  بقوله في قصيدة لها يودعنا فيها بعد فترة قضيناها معه بالمدينة المنورة: 

((إذ كنت أسمع من تسجيل عائشة

وعظا يخيل أن الساعة اقتربت

وكنت أسمع منها كل آونة

ذكرا عليه بحمد الله قد دأبت))

وقال فيها وفي بيت آل أحمد بن عبد العزيز التاشدبيتي نزيل المدينة المنورة لما رأى من تآلفها معهم:

((لعائشة ميل إلى أسُد الهدى

وتختار أهل الفضل منهم لها أهلا

فكانت من البيت العزيزي بضعة

وكانوا لها أهلا وكانوا لها سهلا)).

وكانت من الذاكرات الله كثيرا حتى إنها تعجز أحيانًا عن مجاراة من معها في المجلس لشدة استغراقها في الذكر، وأحيانا تقول إنها رأت قلبها وهو يكتب لا إله إلا الله على الجدار. ومرة قالت إن بيت الله الحرام تراءى لها وهي مضطجعة فرأت نفسها وهي تطوف به دون أن تبرح مكانها.

وأحيانا تنفتح شاشة أمامها كشاشة التلفزة فترى الأشياء البعيدة، فمن ذلك ما حدثت به أنها مرة كانت في سيارة ذاهبة من توجنين إلى وسط العاصمة، فلما وصلت إلى تن اسويلم وهي مستغرقة في أذكارها انفتحت لها تلك الشاشة فإذا بعاملة في البادية تدق الزرع في مهراز لها، ثم انشغلت عن زرعها قليلا فجاءت عنز فأكلته، فلم تجد ما تصنع به العيش للأسرة التي كانت تطبخ لها، فجاءها أبو الأسرة وأمها غضبانين فعاتباها أشد عتاب، قالت عائشة: فجعلت أتفكر في قدرة الله تعالى وفضله، أسرة تتعشى كل ليلة ولم تستطع أن تصبر ليلة واحدة عن العشاء.

ومع كل هذه الكرامات الكثيرة التي لم نذكر منها إلا غيضا من فيض فإنها لم تكن تحتفل بها أو تنشغل بأمرها، وقد سئلت مرة عن كراماتها فقالت: إن الكرامات من فضل الله تعالى، ولكن التشوف لها تلصص لا ينبغي، و ليست هي الغاية بل الغاية الله و رسوله.

ومن أعجب أمورها في آخر عمرها أن أخانا الأكبر محنض بابه بن الشيخ زار ابن عمها الولي الصالح المرابط محنض بابه بن امين بحاضرة الدوشلية، فسأله المرابط محنض بابه عن عمر والدنا الشيخ بن محنض حين توفي كم كان؟ فقال له: أربع وسبعون سنة (شمسية)، فقال له المرابط محنض بابه: وكم عمر عائشة اليوم؟ فقال له: أربع وسبعون سنة (شمسية).. ولم يفهم الأخ حينها أن ذلك كان إشارة من هذا الولي إلى حضور أجل عائشة... 

أما هي فقد اتصلت قبل نحو أسبوعين من وفاتها بجميع أرحامها من أبناء عمومتها أولاد بارك الل وأخوالها أهل أحمد البشير طالبة المسامحة وواصلة الرحم، وكتبت ديونها، وكانت قد أوصت بمن يغسلها ومن يصلي وعليها ومحل دفنها إذا توفيت.

ولما لم يعد يفصلها عن هذا الأجل إلا أيام قليلة اتصلت علي عبر الهاتف ذات صباح قائلة: لقد زارني والدي المختار (التاه) البارحة في المنام ومعه جمع غفير من الأموات، ومعهم الولي الصالح شيخ حاضرة آمنيگير الشيخ عبد الله بن امين (الأخ الأكبر للشيخ محنض بابه)، وقالت لي: ما لم أفهمه هو وجود الشيخ عبد الله بن امين وحده من الأحياء بين كل هؤلاء الأموات.. ثم كان الشيخ عبد الله بعد أن فاضت روحها الطاهرة أمس هو من سيتولى الذهاب إلى مقبرة آمنيگير وتجهيز قبرها الذي سيؤويها ريثما تصل.. فانحلت على ذلك رؤياها المتقدمة..

ولما حضرتها الوفاة يسر الله تعالى أحوالها فأحست بالغثيان أولًا عصر الجمعة، فلما كان من الليل دخلت في غيبوبة ظلت فيها حتى أسلمت الروح لبارئها ظهر السبت، عن أربع وسبعين سنة شمسية، سبع وسبعين سنة قمرية، ويسر الله تعالى جميع أحوالها من تجهيز وصلاة ودفن ونقل على وفق ما كانت تحب رضي الله تعالى عنها، فدفنت بمقبرة جدها العلامة محتض بابه بن اعبيد بآمنيگير إلى جانب أخيها يحيى بن حامدن، وأخيهما الأكبر محمد بن حامدن وأجدادهم حامدن ومحمذن ومحنض بابه بن اعبيد رضي الله تعالى عنهم أجمعين. 

ولما توفيت رحمها الله تعالى استمرت الرؤى المبشرة بها من الصالحين، فقد اتصل بي صباح أول أيامها في البرزخ ابن خالتها الولي الصالح محمذن ولد محمودا من ابير التورس فأخبرني أنه رآها في البرزخ وقد فرح بها أهله واستقبلوها استقبالًا عظيمًا.. وأخبرني إمام مسجدنا الجامع في توجنين القطب بن محمد محفوظ أنه رآها وقد توجهت مباشرة بعد وفاتها إلى المواجهة الشريفة بالمدينة المنورة..

وأخبرت عن أخيها حامدن بن المختار بن حامدن أنها لم تزل في رفقة مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه منذ وفاتها.. وأخبرت أن المحبة العابدة الصالحة عيشية بنت ضياء الدين الجكنية نسبًا الكمليلية موطنا نزيلة انولكي أخبرت أنها رأتها وقد نبتت لها أسنان جديدة جميلة فقالت لها: ما هذه الأسنان؟ فقالت لها والدتنا عائشة: هذه أسنان الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت لها وما فعل الله بك؟ قالت: بجلني ربي.

كما أخبرت أن المحبة الصالحة المصلية على النبي صلى الله عليه وسلم آمنة بنت ابرهام العلوية أخبرت أنها جاءتها صباح أمس وقالت لها: أخبري العيال أني في نعيم مقيم مع سيد المرسلين ضاحكين مستبشرين، وألا أحد يطالبني بحق.. تغمدها الله تعالى بواسع رحمته وجعلنا من بعدها قومًا صالحين...

وأخبرتني المحبة الصالحة المداحة زينب بنت أشفغ أعمر أنها أخذت بعد وفاتها بليلة أو ليلتين في مدح النبي صلى الله عليه وسلم تريد لها ثواب ذلك، فلما استغرقت فيه إذا بالنبي صلى الله عليه وسلم ومعه والدتنا عائشة وجمع من الناس لم تعرفهم، فأخذتها حالة تشبه القشعريرة وهي جالسة مستيقظة غير نائمة ثم ثبتها الله تعالى في ذلك المشهد..

وأخبرت أن المرأة الصالحة المحبة مريم (ميم) بنت سيد أحمد بن محمذن بن محم لقيتها بعد وفاتها وأوصتها على أمور أبلغت بها أختنا الكبرى ابتسام..

ووضع الله تعالى لها القبول بعد مماتها فجاءتنا التعازي فيها من شتى الأصقاع، وكثرت شهادات العلماء والصالحين وأهل الفضل لها بالخير، وحصل من مراثيها بالأدبين الفصيح والحساني مجلد كبير، ومن أبلغ ما قيل فيها وأوجزه قول القائل:

((المحاظر يتمو@ والمنابر صمتو                                  والمداحه جتمو@ من رحمت عيشة))

وقد أرخ الأستاذ محمدن ولد عبد الله ولد محمودن (بودن) الديماني لوفاتها بقوله:

((عائشة سليلة المختار

سليل حامدن أخي الفخار

إلى جوار ربها جل سعت

وللأسى قد هيجت إذ ودعت

هذي الدُّنَيَّا عقب الزوال

من يوم سبت النصف من شوال

في عام واحد وأربعينا

والألف قبل أربع مئينا

من هجرة الأمين خير الأمنا

وليست الدنيا لحي وطنا

موافقا عشرين عاما باديه

من بعد ألفين من الميلاديه

ودفنت بمدفن المنيگر

مع معشر فضلهمُ لم ينكر

وعمرها سبعًا وسبعين وصل

هذا إذا بالقمري العد حصل

قد حازت الفخار والمعنى الجزيل

من بيتي الشرف والمجد الأثيل

بيت الأب الأبي عنيت بابا

باب المعارف محنض بابا

وبيت الام بيت ذي الفضل الشهير

عنيت أحمد سلالة البشير

لا غرو إن حازت من المكارم

عائشة سليلة الأكارم

يارب فارحمها ولقها السرور

والطف بها يا ربنا يوم النشور

واحفظ وبارك ربنا في الخلف

واجعله خير خلف للسلف)).

رضي الله تعالى عنها وأبقى علينا من بركاتها إنه سميع مجيب)).

بقلم/ الحسين بن محنض