د. عبد الله محمدن امون
يقسم علم الأنساب الجيني السلالات الأبوية البشرية (Y-DNA) إلى مجموعة من الهابلوغروبات الكبرى التي تمثل فروعاً وراثية نشأت عن طفرات جينية متعاقبة عبر عشرات الآلاف من السنين.
وتُعد السلالات A وB أقدم الفروع المعروفة، إذ تتركز بصورة رئيسية في إفريقيا، بينما تفرعت من السلالة CT معظم السلالات المنتشرة خارج القارة الإفريقية. ومن بين هذه الفروع برزت سلالات عديدة لعبت دوراً مهماً في تشكيل الخريطة البشرية الحالية، مثل E وJ وR وT وG وI وغيرها.
أما في العالم العربي فتُظهر الدراسات الجينية الحديثة أن الشعوب العربية لا تنتمي إلى سلالة أبوية واحدة، بل تتوزع على عدد من السلالات الكبرى التي تعود إلى أصول بشرية موغلة في القدم. ومن أبرز هذه السلالات الهابلوغروب J1 ممثلاً في فرعه J-M267 ، والهابلوغروب E ممثلاً في فرعه E-M35 وتفرعاته المختلفة.
ويُعد J-M267 السلالة الأكثر ارتباطًا بالمشرق العربي وشبه الجزيرة العربية، حيث يبلغ أعلى تركزاته بين القبائل العربية في الجزيرة واليمن والعراق، مع امتداد ملحوظ – وإن كان أقل كثافة – إلى منطقة الشام وشمال إفريقيا نتيجة الهجرات والتداخلات السكانية المتعاقبة عبر القرون.
وفي المقابل، تمثل السلالة E-M35 أحد أهم المكونات الجينية لشعوب شمال إفريقيا والشرق الأدنى، ويبرز ضمنها التحور E-M81 الذي يُعد السلالة الأبوية الغالبة في مناطق واسعة من المغرب العربي، حتى أصبح يُنظر إليه بوصفه العلامة الجينية الأبرز لسكان شمال إفريقيا الأصليين. كما يبرز إلى جانبه التحور الشقيق E-M84 الذي ينتشر على نطاق واسع في بلاد الشام وأجزاء من الجزيرة العربية، مما يعكس عمق الحضور التاريخي لهذه السلالة في المشرق العربي.
هناك أيضا وجود محدود للسلالتين R1b وR1a بدرجات متفاوتة في بعض المجتمعات العربية نتيجة الهجرات والتداخلات السكانية القديمة، لكن تواجد هذه السلالة يظل جد محدود مقارنة بالسلالتين J و E التين تتقاسمان الشعوب العربية بنسب مهيمنة، وإن بتوزيع غير حصري، ذلك أن كلاً منهما تمتلك امتدادات معتبرة داخل المجال الجغرافي الذي تهيمن عليه الأخرى؛ فالسلالة J حاضرة في شمال إفريقيا منذ قرون طويلة، كما أن فروعًا متعددة من السلالة E توجد في الجزيرة العربية وبلاد الشام بنسب متفاوتة.
تجدر الإشارة إلى أن هذه السلالات لا تمثل بالضرورة أعراقاً أو هويات قبلية بالمعنى المباشر، وإنما تشير إلى خطوط أبوية وراثية مشتركة، بحيث إن انتماء شخصين إلى التحور نفسه يعني أنهما يلتقيان في سلف أبوي مشترك عاش في فترة زمنية معينة، قد تمتد إلى مئات أو آلاف السنين، دون أن يستلزم ذلك بالضرورة اشتراكهما في اللغة أو الثقافة أو الانتماء القبلي المعاصر.
دور الهيئات الدولية في تنظيم هذا العلم
يلعب عدد من الهيئات العلمية دوراً أساسياً في توحيد تصنيف السلالات الجينية، ومن أهمها:
International Society of Genetic Genealogy
وتقوم هذه الجمعية بتوحيد أسماء السلالات والتحورات الجينية عالمياً، وتحديث المشجرات الجينية باستمرار بناء على النتائج الجديدة القادمة من المختبرات الدولية.
فهي التي تعتمد الرموز الجينية المعروفة مثل: A – B – E – J – O – R وغيرها.
وبفضل هذا التوحيد، أصبحت نتائج المختبرات المختلفة قابلة للمقارنة عالمياً ضمن نظام علمي موحد.
هل يتعارض الحمض النووي مع الأنساب التاريخية؟
هذا السؤال يُعد من أكثر الأسئلة تداولاً، خاصة في المجتمعات التقليدية.
والواقع أن البعض يظن أن اللجوء إلى تحليل الحمض النووي سببه غياب الأدلة التاريخية، لكن الحقيقة أن العلاقة بين التاريخ والجينات ليست علاقة صراع، بل علاقة تكامل.
فالأنساب التاريخية تعتمد على:
الروايات،
الوثائق،
التواتر،
والموروث الاجتماعي.
بينما يقدم الحمض النووي:
دليلاً بيولوجياً،
وتحليلاً علمياً،
ووسيلة للتحقق من الروابط الوراثية.
ولهذا فإن علم الأنساب الجيني لا ينبغي أن يُفهم باعتباره محاولة لهدم الموروث، بل باعتباره أداة حديثة تساعد على دعم الروايات التاريخية أو تصحيح بعض التصورات الخاطئة عند الحاجة.
وفي النهاية، فإن هذا العلم يعيد التأكيد على معنى عميقا ظل حاضراً في الثقافة الإنسانية منذ القدم وهو أن البشر، مهما اختلفت قبائلهم وألوانهم وأوطانهم، تجمعهم في النهاية روابط دم وأسلاف مشتركون، وأن الحمض النووي ليس سوى سجل بيولوجي يحمل آثار تلك الرحلة البشرية الطويلة عبر الزمن.
