فضلًا عن حالة الجهل بالتاريخ والجغرافيا، التي تستشري في أوساط واسعة من شعوب المنطقة، ثمّة ظاهرة أخرى لا تقلّ خطورة، تتمثّل في ما يمكن وصفه بحالة من الهلوسة الجماعية في تمثّل الذات والآخر، وفي بناء الانتماءات وتحديد معاني الهوية. وهي حالة لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، بل تتضافر في إنتاجها عوامل تاريخية وسياسية وتربوية ونفسية، في مقدّمتها الرغبة في الفرار من واقع مأزوم، مثقل بالإخفاقات والانسدادات، إلى فضاءات رمزية وانتماءات متخيّلة يُعاد بناؤها في الوعي الجمعي، ثم يُتعلّق بها إلى حدّ التعصّب لها والدفاع عنها كما لو كانت حقائق أزلية، لا تشكيلات تاريخية عابرة، ولا موروثات قابلة للنقد والمراجعة والتجاوز.
ولعلّ المفارقة الأكثر دلالة في هذه الظاهرة أنّ قطاعات من أبناء المنطقة، الذين تجمعهم أواصر التاريخ والجغرافيا والثقافة والمصالح والمصائر، ينخرطون في خصومات حادّة، ويتبادلون الشتائم والاتهامات، لا دفاعًا عن قضاياهم الفعلية، ولا انتصارًا لحقوقهم ومصالحهم المشتركة، وإنما انتصارًا لانتماءات رمزية لا تكاد تربطهم بها رابطة تاريخية أو اجتماعية مباشرة. وقد يبلغ الأمر ببعضهم حدّ التعصّب لفريق كرة قدم إسباني ضدّ فريق إنجليزي، أو العكس، والانخراط في معارك لفظية لا تعني أطرافها الأصلية، ولا يكاد المتخاصمون أنفسهم يعرفون شيئًا عن تاريخها وسياقاتها. ومع ذلك، يتماهى هؤلاء مع هذا الطرف أو ذاك، ويستمدّون من انتصاراته وهزائمه أسبابًا للفرح والامتعاض، وللمفاخرة والعداء، كأنّ نتائج مباراة تجري في فضاء بعيد تمسّ كرامتهم الشخصية أو تحدّد مصيرهم الجماعي.
إنّ المسألة، في عمقها، لا تتعلّق بكرة القدم، ولا بحرية الأفراد في اختيار الفرق التي يشجّعونها، بقدر ما تتعلّق بالآليات التي يُعاد بها إنتاج الانتماء، وبقابلية الوعي الفردي للذوبان في هويّات بديلة، قد تتحوّل إلى ملاذ نفسي يعوّض ما يعجز الواقع عن توفيره من كرامة وإنجاز وشعور بالفاعلية. وحين يتعذّر على الإنسان أن يجد في واقعه ما يستحقّ الاعتزاز، قد يبحث عن موضوعات جاهزة للفخر، وعن خصومات مستعارة تمنحه إحساسًا زائفًا بالقوة والتفوّق. وهكذا يصبح الانتماء، بدل أن يكون أفقًا للتعارف والتضامن والعمل المشترك، وسيلة للتعويض النفسي، وقد يتحوّل إلى أداة لإنتاج العداوات التي لا تجد في الواقع ما يبرّرها سوى حاجتها المستمرّة إلى التجدد.
غير أنّ هذه المفارقة تكتسب دلالة أعمق حين ننتقل من التعصّب الرياضي إلى التعصّب لما يُسمّى بالوطنيات، وإلى الدفاع الانفعالي عن الحدود السياسية الموروثة عن الاستعمار الفرنسي أو الإسباني، وكأنّها حدود طبيعية أزلية، أو تعبيرات أصيلة عن انتماءات تاريخية متجذّرة، لا نتائج لمسارات من التوسّع الإمبراطوري وإعادة تشكيل المجال السياسي والجغرافي. فهنا لا يعود الأمر مجرّد تعلّق بانتماء رمزي، بل يصبح تعلّقًا بسردية تاريخية مخصوصة، صيغت في سياقات استعمارية، ثم أُعيد إنتاجها، بعد الاستقلال، داخل مؤسسات الدولة الوطنية الناشئة، وفي مناهج التعليم وكتب التاريخ والجغرافيا، وفي أنماط التمثّل الجماعي للذات وللجوار.
ولا يعني ذلك أنّ كلّ الحدود الموروثة عن الاستعمار تفتقر إلى أيّ مشروعية معاصرة، أو أنّ المجتمعات التي تشكّلت داخلها لا تملك حقّ بناء هويّاتها السياسية والوطنية الخاصة؛ فالمسألة أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في حكم واحد. إنّ موضع النقد هنا هو تحويل الوقائع التاريخية الطارئة إلى حقائق مقدّسة، وإضفاء صفة الأصالة الأبدية على ترتيبات سياسية وجغرافية نشأت في سياقات الهيمنة، ثمّ التعامل معها بوصفها مرجعيات نهائية لتحديد الصديق والعدو، والأصيل والدخيل، والانتماء المشروع والانتماء المرفوض. فليس التاريخ ما يقرّره المنتصر وحده، ولا الجغرافيا ما ترسمه الخرائط الرسمية فحسب، كما أنّ مشروعية الانتماءات المعاصرة لا تستلزم تحويل حدودها إلى حواجز نفسية وثقافية تمنع الاعتراف بما وراءها من وشائج القربى والتاريخ والمصير المشترك.
وتزداد المفارقة حدّة حين نلاحظ أنّ جانبًا من هذه السرديات الوطنية لم ينشأ من مراجعة نقدية مستقلة للماضي، بقدر ما تشكّل داخل منظومات معرفية وتربوية ورثت، بدرجات متفاوتة، تصوّرات المستعمِر وأدواته في تصنيف المجال وتقطيعه، وفي تأويل تاريخه وإعادة ترتيب ذاكرته. فبعد الاستقلالات السياسية، لم يكن الانتقال من الدولة الاستعمارية إلى الدولة الوطنية مصحوبًا، في جميع الحالات، بقطيعة معرفية موازية مع الأطر التي صاغت تمثّلات الماضي والجغرافيا والهوية. وكثيرًا ما جرى الاكتفاء بإدخال تعديلات جزئية على الموروث السابق، وإحلال أسماء وطنية محلّ أسماء استعمارية، وإعادة توزيع الأدوار داخل السردية القائمة، من غير تفكيك كافٍ للمسلّمات التي تنظّمها، أو مراجعة جذرية لمناهجها في كتابة التاريخ وتدريس الجغرافيا وبناء الوعي بالذات والآخر.
وهكذا أمكن لبعض الكتب المدرسية، التي تحمل صفة «الوطنية»، أن تستبطن، رغم تعديلات محتواها وشعاراتها، جوانب من البنية التأويلية التي خلّفها الاستعمار؛ فتعيد إنتاج الحدود التي رسمها، والتصنيفات التي اعتمدها، وأحيانًا الخصومات التي ساهم في تأجيجها أو في إعادة تشكيلها. ولم تعد هذه الكتب مجرّد أدوات لنقل المعارف إلى الأجيال الجديدة، بل غدت، في بعض سياقاتها، وسائط لإعادة إنتاج ذاكرة سياسية انتقائية، تُبرز عناصر من التاريخ وتُهمّش أخرى، وتُضخّم وقائع التنازع، بينما تحجب مسارات التفاعل والتداخل والتبادل التي نسجت، عبر قرون، العلاقات بين شعوب المنطقة ومجتمعاتها.
إنّ أخطر ما في هذه العملية ليس مجرّد انتقال روايات تاريخية من جيل إلى آخر، بل تحوّلها إلى بديهيات مدرسية ومسلّمات وجدانية، تتجاوز سلطة المعرفة إلى سلطة الانفعال، وتستقرّ في الوعي قبل أن تتاح له فرصة مساءلتها. فحين يتلقّى الفرد، منذ سنواته الأولى، صورةً عن ذاته الوطنية لا تكتمل إلا بانتقاص الآخر أو بإدانته، وحين يُقدَّم التاريخ باعتباره سجلًّا متصلًا للمظالم والخصومات، لا فضاءً لفهم التحوّلات وتعدّد الفاعلين وتداخل المصالح، يصبح من العسير عليه أن يميّز بين ما هو حقيقة تاريخية موثّقة، وما هو تأويل سياسي لها، وما هو مجرّد رواسب انفعالية تراكمت بفعل التربية والتعبئة والتكرار.
ومن هنا، لا يعود مستغربًا أن يتحوّل بعض أبناء المنطقة إلى مدافعين متحمّسين عن خصومات لم يصنعوها، وحدود لم يشاركوا في رسمها، وسرديات لم يختبروا صدقيتها، وأن يستميتوا في الدفاع عن انقسامات ورثوها كما لو كانت جزءًا من طبيعتهم أو امتدادًا حتميًّا لهويّاتهم. إنّهم، في هذه الحالة، لا يدافعون عن التاريخ بقدر ما يدافعون عن رواية مخصوصة له؛ ولا عن الجغرافيا بما هي مجال للعيش والتفاعل والتكامل، بل عن خرائط سياسية أُسقطت عليها معانٍ مطلقة؛ ولا عن الوطن بوصفه فضاءً للكرامة والعدالة والحقوق المشتركة، بل عن تمثّل اختزالي للوطنية يجعل الولاء للحدود مقدّمًا على مساءلة الشروط التي تحكم حياة الناس داخلها.
وإذا كان الاستعمار قد أسهم في إعادة تشكيل المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة، فإنّ استدامة آثاره لا تتوقّف على بقاء الحدود المادية وحدها، بل تتجسّد أيضًا في استمرار بعض آلياته الرمزية والمعرفية داخل الوعي الذي ورثها. فالاستعمار لا ينتهي بالضرورة بانتهاء الإدارة الأجنبية، كما أنّ الاستقلال السياسي لا يضمن، بمفرده، الاستقلال المعرفي. وقد تستمرّ بعض البنى الاستعمارية في أداء وظائفها بعد زوال أصحابها، حين تتبنّاها النخب المحلية، وتعيد المؤسسات الوطنية إنتاجها، ويتحوّل الموروث التاريخي الذي كان ينبغي إخضاعه للنقد إلى مرجعية تُستمدّ منها شرعية الخصومة والتنازع.
ولعلّ ما يثير السخرية والأسى في آن واحد أنّ هذه الانقسامات الموروثة قد تنحدر، في بعض تجلّياتها، من مستوى الصراع السياسي والتاريخي إلى مستوى ما يشبه النزاعات العقارية الصبيانية؛ حيث يتنازع المتخاصمون على ملكية رمزية لقطعة من التاريخ أو الجغرافيا، كما لو أنّهم يتجادلون في سوق شعبية فوضوية حول حدود ملكيات متنازع عليها، مستندين إلى وثائق لا يعرفون سياقاتها، وإلى رسوم لا يدركون تاريخ إنتاجها، وإلى حجج مستمدّة من سرديات لم يختبروها بالنقد والمقارنة. ويغدو المشهد أقرب إلى عملية تحفيظ عقاري رمزي، تُستورد فيها الأوراق والخرائط، ثم تُستخدم لتثبيت ملكيات متخيّلة على الذاكرة، وتسجيل الحدود في الوجدان، وتوريث الخصومات للأجيال الجديدة، كما لو أنّ التاريخ عقار قابل للتملّك الحصري، وأنّ الجغرافيا صكّ ملكية، وأنّ الشعوب لا تستحقّ الاعتراف إلا بمقدار ما تنجح في إثبات أسبقيتها أو تفوّقها على جيرانها.
والمفارقة أنّ هذه الحماسة للدفاع عن الحدود والسرديات الموروثة لا تقابلها، في كثير من الأحيان، حماسة مماثلة للدفاع عن شروط الحياة الكريمة داخل تلك الحدود؛ فلا نجد دائمًا التعبئة نفسها من أجل إصلاح التعليم، أو تطوير البحث العلمي، أو صون الكرامة الإنسانية، أو بناء مؤسسات عادلة، أو توفير شروط الإنتاج والعمل والإبداع. إنّ الحدود التي تُستحضر في لحظات الخصومة بوصفها خطوطًا مقدّسة، لا تتحوّل بالضرورة إلى فضاءات للعدالة والازدهار والحرية. وقد يجد المرء نفسه أمام مفارقة صارخة: أشخاص يبالغون في الاعتزاز بكياناتهم السياسية، ويدافعون عن رموزها وسردياتها باندفاع شديد، بينما يعيشون داخلها أوضاعًا تدفعهم إلى التطلّع نحو الهجرة، والبحث عن مستقبل خارجها، وربما إلى انتظار أول فرصة متاحة لمغادرتها.
وهنا تبرز مفارقة أخرى أكثر إيلامًا: ماذا لو فُتحت الحدود فعلًا، وأُتيحت لهؤلاء المتراشقين على المنصّات الرقمية فرصة العبور إلى الضفاف البعيدة التي يتخيّلون فيها مستقبلهم؟ ألن يسعى كثيرون منهم إلى المغادرة، تاركين وراءهم الأرض التي يتنازعون باسمها، والشعوب التي يخاصمون بعضها بعضًا، والتاريخ الذي يستدعون منه ذرائع العداء، والجغرافيا التي يحوّلونها إلى مادة للتباهي والمشاحنة؟ بل لعلّ بعضهم، لو استطاع، لتخلّى عن كلّ ذلك دفعة واحدة، ورمى وراءه في البحر ما ظلّ يدافع عنه بخطاب حماسي لا ينضب، وكأنّ ما كان بالأمس موضوعًا للتضحية والولاء لم يعد، عند أول اختبار عملي، سوى عبء ينبغي التخلّص منه.
ولا تكمن المفارقة هنا في الرغبة في الهجرة ذاتها؛ فالهجرة حقّ مشروع، وقد تكون ضرورة تفرضها ظروف اقتصادية أو سياسية أو إنسانية قاسية، ولا يجوز اتخاذها دليلًا على ضعف الانتماء أو قلّة الوفاء. إنّما تكمن المفارقة في التناقض بين خطاب يقدّس الحدود حين تكون موضوعًا للصراع مع الآخرين، وسلوك يتطلّع إلى تجاوزها حين تصبح موضوعًا لتحديد فرص الحياة ومستقبل الأفراد. فكيف يمكن تفسير هذا التعلّق الانفعالي بحدود لا تبدو، عند لحظة الاختيار العملي، جديرة بأن تكون أفقًا للحياة؟ وكيف نفهم الدفاع المستميت عن سرديات وطنية موروثة، في الوقت الذي تتراجع فيه الثقة بالقدرة على بناء مستقبل داخل الأطر السياسية التي تستمدّ منها تلك السرديات شرعيتها؟
إنّ هذا التناقض يكشف، في جانب منه، عن انفصال متزايد بين الوطنية بوصفها خطابًا رمزيًّا، والوطن بوصفه تجربة معيشة. فالوطنية التي لا تجد ترجمتها في الكرامة والعدالة والحرية وتكافؤ الفرص، قد تتحوّل إلى طقس لغوي يُستدعى في الخصومات، وإلى رصيد عاطفي يُستثمر في التعبئة، وإلى تعويض رمزي عن عجز المؤسسات عن توفير شروط الحياة التي تمنح الانتماء معناه الإنساني. وعندئذ يصبح الدفاع عن الوطن أشبه بالدفاع عن صورته المتخيّلة، لا عن واقع الناس داخله؛ ويغدو الانتصار لرموزه أسهل من مساءلة مؤسساته، والتعصّب لحدوده أيسر من التفكير في إمكان تجاوز ما تعترضه من اختناقات سياسية واقتصادية وثقافية.
وليس أقلّ دلالة من ذلك أنّ بعض المدافعين عن هذه المنظومات السياسية لا يكتفون بتبنّي سردياتها، بل يذودون عنها بعصبية واندفاع، ويحوّلون المواقف منها إلى امتحان للولاء والانتماء. وهكذا تصبح الحدود الموروثة، والخرائط الرسمية، والحكايات الوطنية المتداولة، موضوعات للحماسة والانفعال، بينما تُهمَّش الأسئلة الأكثر جوهرية: كيف تشكّلت هذه المنظومات؟ ما طبيعة علاقتها بالموروث الاستعماري؟ إلى أيّ حدّ نجحت في بناء مؤسسات تستجيب لحاجات مجتمعاتها؟ وما الذي يجعل قطاعات من أبنائها تبحث عن الخلاص الفردي خارجها، بدل أن تجد في إصلاحها وتحويلها أفقًا ممكنًا للمستقبل؟
إنّ النقد الجذري لهذه المفارقات لا يستلزم إنكار الأوطان، ولا الانتقاص من حقّ المجتمعات في بناء هويّاتها السياسية والثقافية، ولا الدعوة إلى محو الحدود بالقوة أو إلى إلغاء ما نشأ داخلها من روابط ومصالح ومؤسسات. إنّه، على العكس من ذلك، يقتضي التمييز بين الوطن بوصفه مجالًا تاريخيًّا واجتماعيًّا للعيش المشترك، وبين السرديات التي تُستخدم لتبرير الانغلاق والعداء؛ وبين الوطنية باعتبارها مسؤولية تجاه الإنسان والأرض والمستقبل، وبين التعصّب الذي يحوّل الانتماء إلى أداة للتمييز والإقصاء؛ وبين الاعتزاز بالتاريخ، الذي يقتضي فهمه في تعدّده وتعقيده، والتعلّق برواية انتقائية عنه تُستمدّ منها ذرائع الخصومة.
فليس المطلوب أن تتخلّى الشعوب عن ذاكرتها، بل أن تتحرّر من احتكارها؛ وليس المطلوب أن تنكر خصوصيّاتها، بل أن تفهم أنّ الخصوصية لا تقتضي العداء، وأنّ الاعتراف بالآخر لا ينتقص من الذات، وأنّ الحدود السياسية، مهما اكتسبت من مشروعية قانونية أو من رسوخ اجتماعي، لا تمحو ما سبقها من تفاعلات تاريخية، ولا تلغي ما يربط الشعوب من وشائج ثقافية وإنسانية ومصالح مشتركة. كما أنّ مراجعة الموروث الاستعماري لا تعني استبدال سردية مغلقة بأخرى، بل تقتضي بناء معرفة تاريخية نقدية، قادرة على التمييز بين الوقائع وتأويلاتها، وبين ما فرضته موازين القوة وما اختارته المجتمعات، وبين الذاكرة التي تساعد على الفهم والذاكرة التي تُستثمر في إنتاج العداوات.
إنّ المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الحراس المتحمّسين لحدودها الرمزية، ولا إلى مزيد من المتراشقين بوثائق التاريخ وخرائط الجغرافيا، بقدر ما تحتاج إلى وعي نقدي يعيد طرح الأسئلة التي أُغلقت مبكرًا، وإلى مشروع معرفي وتربوي يعيد وصل ما قطّعته السرديات الإقصائية، وإلى مؤسسات تجعل من الانتماء مصدرًا للكرامة والفاعلية، لا ملاذًا نفسيًّا من الإحباط، ولا أداة لتبرير الإخفاقات. فالمجتمعات التي تعجز عن تحويل تاريخها إلى معرفة، وجغرافيتها إلى مجال للتكامل، ووطنيتها إلى مسؤولية أخلاقية وسياسية، تظلّ معرّضة لأن تستبدل مشكلاتها الواقعية بخصومات متخيّلة، وأن تستهلك طاقتها في الدفاع عن انقساماتها بدل توظيفها في تجاوز أسباب ضعفها.
ولعلّ أكثر ما يستحقّ التأمّل في هذا المشهد أنّ أولئك الذين يرفعون أصواتهم دفاعًا عن المنظومات السياسية الموروثة، وعن إنشائياتها الوطنية وحدودها وسردياتها، قد يكونون، في الوقت نفسه، من أكثر المتضرّرين من إخفاقاتها. فهم يدافعون، بعصبية لا تخلو من المفارقة، عن الأطر التي ساهمت اختلالاتها في دفعهم إلى البحث عن الخلاص خارجها؛ ويتشبّثون بالصور التي تنتجها عن نفسها، بينما يضيق بهم الواقع الذي يفترض أن تمنحه تلك الصور معنى وشرعية. وكأنّ الخطاب الوطني، في بعض تجلّياته، ينقلب إلى ستار يحجب التناقض بين ما تعد به الدولة وما تتيحه، وبين ما ترفعه من شعارات وما يعيشه الناس من تجارب، وبين ما تطالب به من ولاء وما تمنحه من أسباب فعلية للانتماء.
وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال الأهمّ هو: من يملك الرواية الصحيحة عن الحدود والتاريخ؟ بل يصبح: لماذا نحتاج، في كلّ مرة، إلى تحويل التاريخ إلى ساحة للثأر، والجغرافيا إلى موضوع للتملّك، والوطنية إلى امتحان للولاء، والاختلاف إلى مبرّر للعداء؟ ولماذا يسهل على بعضنا أن يشتبك دفاعًا عن سرديات موروثة، بينما يصعب عليه أن يشتبك نقديًّا مع الشروط التي تنتج الفقر والتهميش والانسداد وتدفع الناس إلى الهجرة؟ وأيّ معنى يبقى للانتماء حين ينفصل عن الحرية والكرامة والعدالة، ويُختزل في ترديد شعارات لا تُسائل الواقع، بل تمنحه حصانة من المساءلة؟
إنّ المأساة، في نهاية المطاف، ليست في أنّ شعوب المنطقة ورثت حدودًا رسمها الاستعمار، ولا في أنّها طوّرت، بعد استقلالها، هويّات وطنية خاصة بها؛ فذلك جزء من تعقيدات التاريخ الحديث. إنّما تكمن المأساة في أن تتحوّل هذه الحدود والسرديات إلى موضوعات للتعصّب غير النقدي، وأن يُستدرج الناس إلى خصومات تستنزف حاضرهم باسم ماضٍ لم يفهموه بما يكفي، ويُطالبوا بالدفاع عن منظومات لم يشاركوا في تأسيس كثير من مرتكزاتها، ثم يُتركوا لمواجهة نتائج اختلالاتها بأوهام الانتماء والتفوّق والعداء المتبادل.
وعوضًا عن أن تكون الوطنية تعبيرًا عن إرادة بناء مستقبل مشترك، قد تنقلب، في هذه الحال، إلى حنين متشنّج إلى روايات موروثة، وإلى حراسة انفعالية لخرائط لا تُغني عن إصلاح الواقع، وإلى تنافس على أمجاد لا تتحوّل إلى إنجازات. وعوضًا عن أن يكون التاريخ مجالًا لفهم الإنسان في تحوّلاته وتفاعلاته، يصبح مستودعًا للضغائن؛ وعوضًا عن أن تكون الجغرافيا أفقًا للتواصل والتكامل، تتحوّل إلى دفتر عقاري تتنازع فيه الجماعات على ملكية رمزية لا تُطعم جائعًا، ولا تصون كرامة، ولا تفتح أفقًا لمستقبل أفضل.
ولعلّ هؤلاء، لو أتيح لهم أن يتأمّلوا تناقضاتهم بعيدًا عن ضجيج المنصّات وحماسة الشعارات، لاكتشفوا أنّ ما يستحقّ الدفاع عنه حقًّا ليس كلّ ما ورثوه، ولا كلّ ما لقّنته لهم الكتب، ولا كلّ ما رسّخته الحدود في مخيّلتهم، بل ما يمكن أن يجعل من الوطن فضاءً للحرية والكرامة والعدالة، ومن التاريخ معرفةً لا سلاحًا، ومن الجغرافيا مجالًا للتعاون لا ميدانًا للخصومة، ومن الاختلاف سببًا للفهم لا ذريعةً للإقصاء.
أمّا المنظومات السياسية التي ورثت جانبًا من بنيتها عن الحقبة الاستعمارية، والتي يواصل بعض الناس الدفاع عنها بحماسة تتجاوز أحيانًا ما تستحقّه من مساءلة، فإنّ النقد الرصين يقتضي إخضاعها لمعيار ما تحقّقه لمجتمعاتها من كرامة وعدالة وتنمية، لا الاكتفاء بترديد إنشائياتها عن السيادة والوطنية والمجد التاريخي. فشرعية أيّ منظومة لا تُستمدّ من قدرتها على إنتاج الخطاب عن نفسها فحسب، بل من قدرتها على جعل حياة الناس أكرم، ومستقبلهم أوسع، ومشاركتهم في تقرير مصائرهم أعمق.
ولو أُتيح لهؤلاء أن يقولوا، بعيدًا عن حماسة الشعارات وضجيج المزايدات، ما يختزنونه من خيبات تجاه المنظومات التي يدافعون عنها، وما يشعرون به من اختناق داخل الحدود التي يقدّسونها، وما يتطلّعون إليه من خلاص خارجها، لربّما عبّر بعضهم عن ذلك بلهجة أشدّ قسوة ممّا تسمح به خطاباتهم العلنية. ولعلّهم كانوا سيقولون في تلك المنظومات ما لا يُقال عادةً في لحظات التعبئة، ولا تسمح به لغة الولاء حين تتحوّل إلى قيد على التفكير.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: أن يدافع المرء بعنف عن رواية تحجب عنه حقيقة واقعه، وأن يتعصّب لحدود يتمنّى تجاوزها، وأن يستميت في حماية منظومة يتطلّع إلى الفرار من نتائجها، وأن يستمدّ شعوره بالكرامة من سردية جماعية، بينما يظلّ عاجزًا عن انتزاع شروط الكرامة في حياته الفعلية. عندئذ لا تعود «الوطنية» مجرّد انتماء إلى أرض أو جماعة، بل تصبح، حين تنفصل عن النقد والمسؤولية والحرية، إحدى الآليات التي يستطيع بها الواقع المأزوم أن يعيد إنتاج نفسه في وعي ضحاياه، وأن يستبقيهم أسرى خصوماته، حتى وهم يحلمون بالنجاة منه.
ب. م.
