من أحياء الصفيح في نانتير إلى ساحات النضال.. حكاية امرأة اختارت مناهضة الاستعمار
امرأة ناصرت الجزائريين في استقلالهم
لم تكن مونيك هيرفو مجرد شاهدة فرنسية على الثورة الجزائرية، بل اختارت أن تعيش إلى جانب الجزائريين في أحياء الصفيح بضواحي باريس، وأن تشاركهم معاناتهم وتدافع عن حقوقهم في زمن القمع والتمييز. ومن خلال تجربتها في حيّ «لا فولي» وذاكرتها الممتدة إلى أحداث 17 أكتوبر 1961، تتكشف صفحة من تاريخ النضال الجزائري في فرنسا، وتبرز قيمة الشهادة الإنسانية في مقاومة النسيان.
لا زلت أتذكر، بكل وضوح، لقاءاتي مع المرحومة مونيك هيرفو، تلك المرأة التي كرّست جانباً كبيراً من حياتها للدفاع عن القضية الجزائرية، وظلت وفية لمواقفها وشهادتها إلى آخر أيامها. وقد ارتبطت علاقتي بها، منذ بدايتها، بذاكرة الثورة الجزائرية وبالأحداث التي عاشها الجزائريون في فرنسا، ولا سيما مظاهرات 17 أكتوبر 1961 وما رافقها من قمع وعنف.
كانت مونيك هيرفو، في تلك الفترة، على وشك إنهاء دراستها في مدرسة الفنون الجميلة بباريس، حيث انتمت إلى الوسط الفني والثقافي الباريسي وتعرّفت إلى عدد من الفنانين، من بينهم الفنان سيزار. غير أن مسارها الفني لم يمنعها من الانخراط في العمل الاجتماعي والإنساني، بل قادها تدريجياً إلى الدفاع عن العمال والمهاجرين، ولا سيما الجزائريين منهم، وإلى أن تصبح شاهدة مباشرة على جانب مهم من تاريخ تلك المرحلة.
تعرفت إليها عن طريق الصديق عبدالقادر الدهندي، الذي كان يحرص على دعوتها، خصوصاً في المناسبات المرتبطة بإحياء ذكرى مظاهرات السابع عشر من أكتوبر 1961. وكانت أهمية شهادتها، بالنسبة للجمهور تنبع من كونها لم تكن تتحدث عن أحداث سمعت بها من الآخرين، وإنما عايشت جانباً منها عن قرب، ولا سيما في حي "لا فولي» في نانتير، حيث عاشت إلى جانب الجزائريين، وشاركتهم تفاصيل حياتهم اليومية في واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ الهجرة الجزائرية بفرنسا.
وقد زرتها في مناسبات عديدة، وكنت أذهب إليها أحياناً برفقة الصديق إبراهيم حاصي، الذي كان يشغل آنذاك منصب مدير المركز الثقافي الجزائري، وكانت تربطه بها علاقة احترام وتقدير، وقدم لها الكثير من الخدمات والمساعدات. وكانت تلك الزيارات فرصة للحديث معها واستعادة تفاصيل من الماضي، والاستماع إلى ذاكرتها التي كانت تختزن الكثير من الحكايات والشهادات المتعلقة بالجزائريين في فرنسا وبالمرحلة التي سبقت الاستقلال.
ومن بين الزيارات التي لا تزال راسخة في ذاكرتي، تلك الزيارة الأخيرة التي قمت بها إليها في ملاذها بإحدى الغابات، في مكان كان يبعد عن باريس بنحو 120 كيلومتراً. كنت يومها برفقة الصديق الصحفي محمد زاوي، الذي أجرى معها حواراً مطولاً لصالح إحدى الفضائيات الجزائرية. وكانت تلك الزيارة مختلفة عن سابقاتها، ربما لأننا كنا نشعر بأننا أمام امرأة أصبحت ذاكرتها نفسها جزءاً من تاريخ تلك المرحلة.
جلست مونيك هيرفو معنا، واستعدنا معها الكثير من التفاصيل والشهادات. كان محمد زاوي يطرح عليها الأسئلة، بينما كنت أستحضر، من خلال حديثها، صوراً وذكريات عن مرحلة قرأت عليها من خلال أشخاصها وأحداثها؛ عن جزائريين عاشوا في فرنسا ظروفاً قاسية، وعن فرنسيين اختاروا، في لحظات تاريخية حساسة، أن يقفوا إلى جانبهم وأن يدافعوا عن حقهم في الكرامة والحرية. ولعل فهم تجربة مونيك هيرفو يقتضي العودة إلى المكان الذي ارتبط اسمها به ارتباطاً وثيقاً: حي «لا فولي» في نانتير.
مدرسة الفنون وأحياء الصفيح
تتيح لنا سيرة الراحلة- وقد أعلنت إسلامها في مسجد باريس الكبير- مونيك هيرفو، من خلال كتابها «نانتير وثورة التحرير الجزائرية»، الصادر في باريس عن منشورات «آكت سود»، عام 2012، والمترجم إلى العربية على يد السفير الجزائري عبدالقادر الدهندي، والصادر في الجزائر عن وزارة الثقافة، أن نطلّ من الداخل على واحدة من بين أهم صفحات حرب التحرير الجزائرية إيلامًا وتعقيدًا؛ وهي تجربة المهاجرين الجزائريين الذين عاشوا في أحياء الصفيح بضواحي باريس، ولا سيما حي «لا فولي» في نانتير. وذلك على بعد عدة كيلومترات من جادة الشانزليزيه، ويعرف راهنا "بحي لا ديفانس للأعمال"، حيث عوّض بعمارات وأبراج مختلفة.
ولدت مونيك هيرفو سنة 1929 في عائلة متوسطة بمنطقة بريتاني الفرنسية. وتركت روايات والدها عن أهوال الحرب العالمية الأولى أثراً عميقاً في وجدانها، وجعلتها أكثر حساسية تجاه الظلم ومعاناة المقهورين. درست في غرونوبل، ثم التحقت بمدرسة الفنون الجميلة في باريس، حيث تخصصت في فن الزجاج وتتلمذت على الفنان سيزار بالديشيني.غير أن مسارها الفني لم يمنعها من الانخراط في العمل الاجتماعي. فقد انجذبت منذ وقت مبكر إلى مساعدة العائدين من معسكرات النازية والعمال الأجانب، قبل أن يتجه اهتمامها بصورة خاصة إلى العمال الجزائريين.
ومنذ سنة 1956بدأت مونيك هيرفو تدريس اللغة الفرنسية للعمال الجزائريين. ثم قادها مقال صحفي إلى اكتشاف حي «لا فولي» في نانتير. زارت المكان، وسرعان ما قررت الإقامة فيه ومشاركة سكانه حياتهم اليومية، رغم مضايقات الشرطة واحتقار جزء من المجتمع الفرنسي لسكان هذه الأحياء المهمشة.
كان «لا فولي» واحداً من عدد من أحياء الصفيح التي أقيمت في نانتير، وقد بدأت هذه الأحياء في التشكل خلال الخمسينيات. واحتضنت أحياء الصفيح في نانتير عموماً آلاف الأشخاص الوافدين إليه من الجزائر بشكل خاص والمغاربييين بشكل عام، بينما كان «لا فولي» من أكبرها، إذ امتد على مساحة واسعة.لم يكن الحي مجرد فضاء سكني فقير، بل كان فضاءً مهمشاً ومحاصراً ومراقباً باستمرار. عاش سكانه في أكواخ معرضة للحرائق والهدم، وكانت الشرطة تداهمهم وتفتش مساكنهم وتعتدي على بعضهم وتبعثر ممتلكاتهم.
وفي هذا السياق اختارت هيرفو أن تجعل من عربة قطار قديمة مكاناً لإقامتها، وأن تنشئ فيها تعاونية توفر للسكان أدوات ومواد البناء بأسعار منخفضة، في محاولة لمساعدتهم على إعادة بناء أكواخهم بعد عمليات الهدم المتكررة.
مساندة النضال الجزائري
مع مرور الوقت، انتقلت هيرفو من مجرد العمل الاجتماعي إلى الانخراط الفعلي في دعم نضال الجزائريين. فقد راقبتها شبكات جبهة التحرير الوطني في البداية، قبل أن تطلب هي بنفسها الانخراط في العمل إلى جانب الجزائريين.وأصبحت تساعد السكان في توفير مواد البناء، وكتابة الرسائل وترجمتها، ومتابعة الملفات الصحية والإدارية، وربط المحتاجين بالمحامين والجمعيات. ولم تكن هذه الأعمال، على بساطتها الظاهرة، منفصلة عن السياق السياسي والاجتماعي الذي كان يعيشه الجزائريون في فرنسا؛ فقد كان كل شكل من أشكال المساعدة يمثل، في كثير من الأحيان، دعماً لسكان يعيشون تحت ضغط المراقبة والتمييز والاعتقال.
وقد اعتبرت هيرفو هذا الالتزام إلى جانب الجزائريين واحداً من أعظم مصادر الفخر في حياتها.وتكشف شهادتها أن القمع الذي تعرض له سكان «لا فولي» لم يكن مجرد حوادث معزولة، وإنما جاء في سياق أوسع من المراقبة والقمع الذي طال الجالية الجزائرية في فرنسا خلال حرب التحرير.
فقد كانت المداهمات الليلية والاعتقالات والتفتيش جزءاً من الحياة اليومية للسكان. كما استعانت السلطات بأشخاص من أصول جزائرية للمساعدة في عمليات المراقبة والقمع، وهو ما زاد من حدة التوتر داخل الأحياء ومزق، في بعض الأحيان، روابط اجتماعية قائمة بين السكان.
وتروي شهادات هيرفو صوراً قاسية عن عمليات التفتيش والإذلال، وعن حالة الخوف التي عاشتها الأسر، حتى أصبحت تفاصيل الحياة اليومية نفسها مشبعة بالقلق والترقب.
لم يكن الجزائريون المقيمون في نانتير منفصلين عن الحرب الدائرة في الجزائر. فقد حمل كثير منهم معهم ذاكرة الحرب وما رافقها من قتل وتهجير وتعذيب وحرق للقرى وتدمير للممتلكات.وكان الأطفال أنفسهم يحملون آثار هذه الصدمة. فقد عكست رسوماتهم صور الدبابات والبيوت المحترقة، بينما عاش الكبار على ذكريات فقدان الأقارب والأصدقاء، وعلى الخوف الذي رافق مغادرة مناطقهم واللجوء إلى فرنسا بحثاً عن العمل والأمان.وهكذا لم تعد الحرب بالنسبة إلى هؤلاء مجرد حدث بعيد يجري في الجزائر، وإنما أصبحت حاضرة في حياتهم اليومية داخل فرنسا، في أحاديثهم، ورسائلهم، وقلقهم على أهلهم، وفي الطريقة التي تعاملت بها السلطات الفرنسية معهم.
ومن أبرز ما تكشفه شهادة مونيك هيرفو الدور المحوري الذي قامت به المرأة الجزائرية. فلم تكن المرأة مجرد ضحية للحرب والقمع، وإنما كانت فاعلاً أساسياً في المقاومة وفي الحياة اليومية. كانت تحمل الرسائل والتعليمات، وتشارك في التعبئة، وتعيل الأسرة عندما يعتقل الرجال أو يغيبون، وتواجه المداهمات وتحاول حماية أطفالها.
وكانت بعض النساء ينقلن الرسائل والتعليمات دون إثارة الشبهات، فيما عملت أخريات في وظائف مختلفة لإعالة أسرهن وإرسال الأموال إلى الجزائر. كما وصلت إلى الحي نساء هاربات من مناطق جزائرية مختلفة، يحملن آثار المرض والجراح والاضطهاد.وكان كثير من دوافع المقاومة مرتبطاً بتجارب شخصية قاسية، كقتل أفراد الأسرة أو اعتقالهم أو تعذيبهم، أو هدم بيوتهم، وأخذ أراضيهم، فتحول النضال بالنسبة إلى بعض هؤلاء النساء إلى جزء من معنى الحياة نفسها.
أما الأطفال، فقد دفعوا بدورهم ثمناً باهظاً.عاشوا على وقع الهدم والمداهمات والحرائق، وشاهدوا رجال الشرطة وهم يقتحمون مساكنهم ويعبثون بممتلكاتهم وألعابهم. وعاشوا تحت تهديد مستمر بالحرق والتشريد، فيما ظل النوم مضطرباً بسبب أصوات الشاحنات والمداهمات.ولم تكن آثار تلك التجربة عابرة. فقد ظلت صور الخوف والهدم والحرائق راسخة في ذاكرة كثير ممن عاشوا طفولتهم في تلك الأحياء.حتى العاملون الاجتماعيون، من الفرنسيين والأجانب، الذين حاولوا رعاية الأطفال ومساعدة الأسر، تعرضوا للمنع والتهديد، وهو ما يعكس حجم العزلة التي فرضت على الحي وسكانه.
التضامن في مواجهة البؤس
لكن صورة «لا فولي» لم تكن صورة بؤس وقمع فقط؛ فقد عرف الحي أيضاً أشكالاً قوية من التضامن الإنساني والاجتماعي. كان السكان يتعاونون في بناء الأكواخ خلال أيام العطل، ويتقاسمون المساكن والطعام، ويجمعون المال لمساعدة العائلات الوافدة، بل إن بعضهم آوى مشردين فرنسيين بدافع ما أطلق عليه السكان "ضيافة الله".
وأصبح الحي مركزاً لتبادل الأخبار والرسائل القادمة من الجزائر، ونقطة اتصال مهمة لشبكات فيدرالية جبهة التحرير الوطني.وكانت المفارقة أن اشتداد عمليات الهدم والقمع لم يؤد دائماً إلى تفكيك المجتمع المحلي، بل ساهم في أحيان كثيرة في تعزيز التضامن بين السكان، وتحويل المعاناة إلى قوة جماعية وقدرة أكبر على التنظيم والمقاومة.
وظهر تنظيم 17 أكتوبر بأوضح صوره في التحضير لمظاهرات 17 أكتوبر 1961. فبعد فرض حظر التجول على الجزائريين في باريس وضواحيها، دعت فيدرالية جبهة التحرير الوطني إلى مظاهرات سلمية منظمة. وانطلقت التعبئة في أوساط الجالية الجزائرية، وشارك سكان «لا فولي» في التحرك.
وكانت مونيك هيرفو حاضرة إلى جانب الجزائريين، وشكل حضورها في ذلك اليوم تعبيراً عن موقفها المتضامن معهم، كما اعتبرت مشاركتها في تلك الأحداث من التجارب التي ظلت حاضرة بقوة في ذاكرتها.غير أن المظاهرات السلمية قوبلت بقمع شديد. فقد اعتُقل آلاف الجزائريين، وتعرض كثيرون للضرب وسوء المعاملة، واحتُجز آخرون في مرافق مختلفة، بينما أُلقي بعض المعتقلين في نهر السين.
استعادة تاريخ مؤلم
وقد ظلت حقيقة ما جرى في تلك الليلة موضوعاً للبحث والتوثيق لعقود، قبل أن تتراكم الدراسات والشهادات والأرشيفات التي كشفت تدريجياً عن حجم القمع الذي تعرض له المتظاهرون الجزائريون.ولم تسلم النساء من القمع؛ فقد شاركت بعضهن في التحرك واعتُقلت أخريات، فيما عاش كثير من الأسر حالة من الخوف والقلق بعد اختفاء أفراد منها.
لم تكن مونيك هيرفو شاهدة عابرة على هذه الأحداث. فقد حملت شهادتها معها طوال عقود، وظلت ترى أن الحديث عما حدث مسؤولية أخلاقية وتاريخية. وقد ساهمت، إلى جانب المؤرخين والباحثين والناشطين وشهود آخرين، في كسر جدار الصمت الذي أحاط بأحداث 17 أكتوبر 1961. وواصلت المطالبة بالوصول إلى الأرشيفات، وجمعت الصور والقصاصات والملاحظات والشهادات، حرصاً منها على ألا تضيع ذاكرة الذين عاشوا تلك المرحلة.
ولعل ما كان يميزها هو إصرارها على ألا تتحول الأحداث إلى مجرد أرقام أو وقائع جافة في كتب التاريخ، وإنما أن تبقى مرتبطة بوجوه الناس الذين عاشوها، وبمعاناتهم، وبأصواتهم التي لم يكن من السهل أن تجد طريقها إلى الذاكرة الجماعية.
الاستقلال: من الخوف إلى الفرح
مع اقتراب نهاية الحرب، تابع سكان «لا فولي» أخبار مفاوضات إيفيان، ثم جاء الإعلان عن وقف القتال والاستقلال ليحوّل الحي إلى فضاء للفرح. امتلأت الأزقة بالأناشيد الوطنية والطبول والدربوكة، وعادت مظاهر الفرح والأعراس المؤجلة إلى المكان. غادرت بعض العائلات إلى الجزائر، بينما بقي آخرون وهم يؤمنون بأن الاستقلال سيفتح الطريق أمام حياة كريمة وسكن لائق. ومع مرور الوقت بدأ تفكيك الحي ورحيل سكانه، لكن المكان لم يختف من الذاكرة؛ فقد ظل شاهداً على مرحلة كان فيها النضال الوطني الجزائري حاضراً بقوة في ضواحي باريس.
ولم ينته نضال مونيك هيرفو مع استقلال الجزائر. فقد واصلت التزامها بقضايا العمال والمهاجرين، وشاركت في تأسيس هيئات تُعنى بالإعلام ومساندة العمال الأجانب، وعملت في منشورات وجمعيات مرتبطة بالدفاع عن حقوق المهاجرين.ومنذ تسعينيات القرن الماضي، كرست جزءاً مهماً من جهودها لكتابة الذاكرة وحفظ الوثائق والصور والشهادات. ومن أعمالها كتاب "أحياء الصفيح: الغرق»الصادر سنة 1971، وكتاب «كرونيك حي الصفيح – نانتير في حرب الجزائر»الصادر سنة 2001، ثم "غداً، غداً: نانتير، حي لا فولي 1962-1966»، الصادر سنة 2012 بالاشتراك مع آخرين.
وكان ارتباطها بالجزائر يتجاوز العمل السياسي والإنساني إلى علاقة وجدانية عميقة. فقد حصلت على الجنسية الجزائرية، وظلت مرتبطة بالجزائر إلى آخر حياتها. وقد أوفت الجزائر بدورها لهذا الارتباط، فدُفنت مونيك هيرفو في مقبرة العالية المخصصة لشهداء ثورة التحرير الجزائرية، لتستقر في الأرض التي دافعت عن قضيتها وكرامتها طوال عقود.
ذاكرة لا ينبغي أن تُنسى
إن شهادة مونيك هيرفو لا تروي سيرة امرأة فرنسية اختارت الوقوف إلى جانب الجزائريين فحسب، وإنما تكشف أيضاً عن صفحة أساسية من تاريخ الثورة الجزائرية خارج حدود الوطن.ففي أحياء الصفيح، تشكلت شبكة واسعة من المقاومة الاجتماعية والسياسية، شارك فيها الرجال والنساء والأطفال والعمال، وامتزج فيها النضال الوطني مع النضال من أجل الكرامة والحق في السكن والحياة الآمنة.
وقد أظهرت أحداث 17 أكتوبر 1961 أن الجالية الجزائرية في فرنسا لم تكن مجرد جالية مهاجرة تتابع الحرب من بعيد، بل كانت جزءاً فاعلاً من الثورة، ساهمت في التنظيم والتمويل والتعبئة، وتحملت في سبيل ذلك ثمناً بشرياً واجتماعياً كبيراً.أما مونيك هيرفو، فكانت واحدة من الوجوه الفرنسية التي اختارت أن تعيش إلى جانب هؤلاء الناس، لا أن تراقب معاناتهم من بعيد. اختارت أن تدخل إلى حي الصفيح، وأن تسكن بينهم، وأن تساعدهم في تفاصيل حياتهم اليومية، وأن تشهد على ما تعرضوا له، ثم أن تحمل شهادتها معها لعقود.
ولهذا، فإن استحضار مونيك هيرفو اليوم لا يعني استحضار شخصية عابرة في مسار القضية الجزائرية، وإنما استعادة جزء من الذاكرة التي ساهمت شهادات أصحابها في إبقائها حية.وكلما عدت بذاكرتي إلى لقاءاتي بها، أتذكر هدوءها وإصرارها على الحديث عن الماضي، وأتذكر أيضاً أن التاريخ لا يُكتب فقط في الوثائق الرسمية، وإنما تحفظه كذلك ذاكرة الأشخاص الذين عاشوا الأحداث وشهدوا تفاصيلها.لقد كانت مونيك هيرفو واحدة من هؤلاء الشهود الذين اختاروا أن يجعلوا من ذاكرتهم وسيلة لحفظ الشهادة ونقلها إلى الأجيال اللاحقة.
وربما كان أكبر ما تركته وراءها هو هذا الإصرار على أن الذاكرة مسؤولية، وأن ما عاشه الجزائريون في فرنسا جزء لا يتجزأ من تاريخ حرب التحرير الجزائرية.
رحم الله مونيكهيرفو، التي بقيت، بالنسبة إليّ، واحدة من الوجوه التي تختصر جانباً من تلك المرحلة، وواحدة من الشاهدات اللواتي تركن وراءهن ذاكرة تستحق أن تُروى وتُحفظ.
فالبطولات الإنسانية لا تكون دائماً صاخبة أو ظاهرة؛ فقد تُصنع في كوخ من الصفيح، أو في رسالة تُترجم، أو في يد تمتد لمساعدة أسرة، أو في شهادة تُكتب بعد عقود حتى لا يبتلع النسيان الحقيقة.
كاتب جزائري
