خرافة المبادئ...

خرافة المبادئ...

المرتضى محمد أشفاق

 

 

 

يتحول بعض المثقفين من الوعي النظري بمشاكل الشعوب، والإحساس الذي لا يهدأ بأوجاعها، وحقها في حياة أفضل، إلى مهرج من أبواق السلطان عندما يسمى في منصب ذي شأن..

ينسى النضال، وينسى الشعب، (وألا انشالا ما ينس اصلاتو)..

التدجين هو تسمين القطيع للنزال، أو للذبح، نسمن الخيول لاستعراضها، أو إدخالها في حلبات السباق وقبض أثمان أتعابها، ونربي العجول والكباش ونسمنها لنذبحها ونربح من أوزانها الزائدة، ونسمن الثئران لنتسلى برياضة النطح التي تدمى جباهها، وتكسر قرونها..

ونسمن البنات لإسالة لعاب الشهية الجنسية للرجل الوحش المختبئ في الإنسان..

وللحصول على التسمين المبكر يلزم إخصاء الفحول، لقتل خصائص الرجولة، وتحويلهم إلى إناث بخصى ضخمة، تتدلى كما تتدلى أثداء سمان الرجال..

تدجين المثقف هو قطع لسانه، وخياطة شفتيه، وتكسير أقلامه، وحرق أصابعه عندما يسمى إلى أجل مسمى..هو جعل ربقة في رقبته فلا يتحرك إلا بأمر حارسه، كالكبش (المربوط)، الكبش المربوط مأمون على النعاج لأن فحولته معطلة..

أسد الغابة يصرع عشرة من آساد الحديقة، لأنه يصيد فرائسه في البراري حرا، ولأنه لم يتعود الشبع، ولم يتناول الوجبات المحضرة، ويبقى ضامرا، خفيفا، لكنه شرس خطير..بينما تقدم لأسد الحديقة الوجبات الغنية، ويدخل الطعام على الطعام، لذلك يتضخم، وينبطح لليد التي تطعمه..

في سنة ماضية أطلق فريق من الشرق نسري صيد في إحدى براري الوطن، فتعقبهما نسر وطني هزيل، لم يعرف آلا أعالي الشجر، وقنن الجبال، يغدو خميصا، ويروح بطينا من كسب نفسه، لم يروض، ولم يأكل، وجباته في الأقفاص، فقتل واحدا، واقتلع عين الآخر..

موجبه أن بعضنا ينتقل بسرعة من العياط، والزياط، والتغني بقيم الحرية، والمساواة، ووجوب توفير العيش الكريم للجماهير، ينتقل من فضائه الحر هذا إلى بيت الطاعة، بحرسه، ومتاريسه، وأسلاكه الشائكه، والسيور المعلقة لشد وثاق الأنثيين..

وإذا هدأ الليل نام على معزوفة: كلْ، ونم، ولا تتكلم.

إذا انقضت حاجة السلطان من المثقف خلعه، فيحاول أن يعود إلى مبادئه المؤرشفة، فيجد نفسه قد خرج عن مقاسها كالثعلب يدخل الحقل جائعا، ولضمور بطنه يمر بين القضبان المتقاربة، وبين الثقوب الضيقة، فيسرح، ويمرح في الحقل، يأكل فيشبع، ويشرب فيرتوي، وإذا أراد الخروج لم يستطع لانتفاخ بطنه، وطغيان سمنته الزائدة...