حين يكتب اللسان سيرة العقل: اللغة التي تسكننا

حين يكتب اللسان سيرة العقل: اللغة التي تسكننا

 

هل سبق أن تعلمت لغة جديدة، ثم اكتشفت بعد أشهر أنك لم تضف إلى قاموسك كلمات جديدة فحسب، بل بدأت تندهش من أشياء لم تكن تراها من قبل؟ كأن اللغة لم تمنحك لساناً آخر، لكنها منحتك عينين أخريين.

نتوهم، في معظم الأحيان، أننا نستخدم اللغة كما يستخدم النجار مطرقته أو الرسام فرشاته. نظن أنها أداة نخرجها حين نريد أن نعبّر، ثم نعيدها إلى مكانها بعد أن ننتهي. لكن ربما كانت الحقيقة أعجب من ذلك: فقبل أن نتكلم باللغة، تكون اللغة قد تكلمت بنا بمعنى ما. وقبل أن نصف العالم، تكون اللغة قد رسمت لنا حدوده، وأخبرتنا ما الذي يستحق أن يقال وما الذي يبقى غير مسمّى.

إن تسمية الأشياء ليست مجرد عملية تصنيف ميكانيكية، لكنها هي الفعل الأول الذي يخرج الأشياء من عتمة الهامش إلى ضوء الوجود. فالطفل حين يتعلم اسم طائر أو زهرة، لا يحفظ مجرد لفظ، بل يتشكل في ذهنه إطار من العلاقات، وتبدأ عيناه في ترتيب هذا العالم المتلاطم حوله في خانات من المعنى.

أولاً: حدود لغتي هي حدود عالمي

من السهل أن نتصور الأفكار كيانات مستقلة، تحلق في فضاء العقل، ثم تهبط على الكلمات كما يهبط الطائر على الغصن. غير أن الفلسفة قلبت هذه الصورة رأساً على عقب؛ فلم تعد اللغة مجرد وعاء للأفكار، لكنها أصبحت التربة التي تنبت فيها، والهواء الذي تتنفسه، والنافذة التي لا نرى العالم إلا من خلالها.

لهذا، وفي عبارته الخالدة ضمن كتاب رسالة منطقية فلسفية (Tractatus Logico-Philosophicus)، كتب الفيلسوف النمساوي لودفيغ فتغنشتاين:

«حدود لغتي تعني حدود عالمي».

ولم يكن فتغنشتاين يقصد أن العالم الخارجي يتقلص أو يتمدد تَبَعاً لعدد المفردات المسجلة في القواميس، بل إن العالم الذي نستطيع فهمه، وعقلنته، والعيش فيه يظل رهين الشبكة المفهومية للغة التي نفكر بها.

ولعل هذا ما يفسر تلك التجربة الفريدة التي يعرفها كل من حاول فهم ذاته عبر لغة أخرى؛ بل يكتشف طرائق أخرى لرؤية الأشياء وتذوقها ولا يكتسب كلمات فحسب. فبعض اللغات تميز بين درجات دقيقة من الإحساس لا تعرفها لغات أخرى؛ فلغات الشمال تُفرد مفردات لتصف أطياف الثلج وحالاته، بينما تفرد العربية عشرات الأسماء للصحراء والإبل، والحنين، والوجد، وأطياف الليل وساعات الفجر. وبعض اللغات تحمل في تراكيبها تصوراً مختلفاً للزمن؛ فتراه مساراً أفقياً يتدفق إلى الأمام، بينما تراه لغات أخرى حاضراً مستمراً أو حلقة يتداخل فيها الماضي بالآتي. كأن كل لغة نافذة تطل على المشهد الكوني نفسه، لكنها لا تفتح إلا زاوية بعينها، وتضيء زاوية وتترك أخرى في الظل.

وهذا ما فطنت له البلاغة العربية مبكراً؛ حين أدرك عبد القاهر الجرجاني في نظريته الفذة عن «النظم» في كتابه دلائل الإعجاز أن المعنى لا يوجد مقطوعاً في الهواء ثم نلبسه ألفاظاً زاهية، بل هو يتشكل عبر نسيج العلاقات والشبكة النحوية التي تنتظم فيها الكلمات.

 فالفصاحة عند الجرجاني تتمثل في توخي معاني النحو فيما بين الكلم حيث تبني اللغويات معمار الفكرة في ذهن الإنسان وتحدد مسارها قبل أن تنطق بها شفتاه ولا تتمثل في اللفظ المفرد.

"وضمن تعريفه للنظم يقول "هو أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله."

بل إن هذا الطرح يعيد إلى أذهاننا تلك المناظرة الخالدة التي جرت في بغداد في القرن الرابع الهجري بين اللغوي أبي سعيد السيرافي والمنطقي أبي بشر متّى بن يونس. حين أراد متّى أن يجعل المنطق آلة معزولة فوق اللغات، راداً أصل التفكير إلى قواعد صورية مجردة، فقاطعه السيرافي برؤية استبقت المنعطف اللغوي المعاصر بقرون، موضحاً عالمية المنطق، ومؤكداً أن المنطق اليوناني ليس منفصلاً عن لغته وثقافته. وأن المنطق نفسه ليس سوى لغة مصوغة، وأن العقل البشري لا يتفلسف في الهواء الطلق، بل في مادة لغته البيئية التي ينشأ فيها.

تلك الأصداء التراثية تقاطع مجدداً مع ما ذهب إليه علماء اللسانيات الحديثة، من أمثال فرديناند دي سوسير وإدوارد سابير، من أن اللغة هي المنظومة التي تقسم الواقع وتمنحه معناه وليست قائمة أسماء مصفوفة أمام أشياء جاهزة.

ثانياً: الترجمة كإعادة بناء للعوالم

ومن هنا فالترجمة لم تعد مجرد نقل ميكانيكي للكلمات أو استبدال لفظ بلفظ، لكنها صارت ضرباً عميقاً من التأويل وإعادة بناء الرؤية.

المترجم لا يعبر نهراً يربط بين ضفتين متشابهتين، بل يحاول أن يعيد بناء عالم كامل في جغرافيا لغوية أخرى. إنه لا يكتفي بأن يسأل: ماذا قال الكاتب؟ بل يسأل فوق ذلك: كيف رأى الكاتب العالم حتى صاغ فكرته بهذه الطريقة؟

وكما أشار الأديب والمفكر المكسيكي أوكتافيو باث في تأملاته عن الترجمة والشعر، فإن كل نص هو في جوهره ترجمة أولى للعالم، والمترجم حين ينقل النص، لا يترجم الألفاظ، بل يترجم التجربة الوجودية التي خلقت تلك الألفاظ. إنه يحاول أن يمزج روح النص القديم في جسد لغوي جديد دون أن تفقد الروح إشراقها الأول.

ثالثاً: من استهلاك الشارع إلى مسكن الشعر

إن اللغة لا تبلغ ذروة قدرتها وإفصاحها عن ماهيتها في القواميس ولا في التقارير الرسمية، وإنما تتجلى أصفى ما تكون في الشعر.

فاللغة اليومية النفعية تستهلك الكلمات كما نستهلك النقود المعدنية في الأسواق؛ ما إن تؤدي وظيفتها في التبادل وتوصيل الغرض السريع حتى ننساها ونطويها. أما في الشعر، فإن الكلمة لا تشير إلى المعنى كإشارة السهم إلى الهدف فحسب، بل تصبح الكلمة هي موطن المعنى ومستقره. لا نمر عبرها لنصل إلى شيء خارجها ثم نتخلى عنها، بل نقف عندها، نصغي إلى إيقاعها، ونلمح في موسيقاها ما لا تستطيع أن تقوله العبارة التقريرية المباشرة.

ولعل الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر رأى أن «اللغة مسكن الوجود» انطلاقاً من هذا.

فالإنسان يقيم أساساً في اللغة التي يسمي بها الأشياء، لا في بيت من حجر وحسب.

فهو يستدعي بها ذكرياته، ويصوغ بها أحلامه، ويواسي بها نفسه حين يخذله العالم. وفِي الشعر تحديدا، تصبح الكلمة كائناً حياً يسترد أصالته الأولى، ويبعث الوجود من غفلته النفعية.

رابعاً: أفق الكلمات وظلال الصمت

لكن، هل اللغة كل شيء؟ وهل العقل البشري سجين أزلي داخل أسوار معجمه؟

هنا ينبغي أن نحذر من المبالغة الحتمية؛ فاللغة، على عظم شأنها، ليست سجناً مغلقاً يمنعنا من التواصل أو التجاوز. ولو كانت كذلك لما أمكن لإنسان أن يفهم إنساناً يتحدث لغة أخرى، ولما كانت الترجمة والتواصل الإنساني ممكنين أصلا.

إن ثمة خبرات إنسانية مشتركة وعميقة تسبق الكلمات أو ترافقها: الألم، الفرح، الخوف، الدهشة، الشغف، والموت. هذه الخبرات الفطرية تتجاوز الحدود الثقافية، غير أن هذه التجارب الوجدانية لا تتحول إلى معرفة واعية، ولا تجد عزاءها الشافي أو أثرها الممتد، إلا عندما تعثر على لغتها اللائقة.

وهنا نصل إلى المساحة الخفية بين الكلام والسكوت، المساحة التي تذكرنا بإشراقة الصوفي الشهير شهاب الدين النفَّري حين قال:

«كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة».

إن عجز اللغة أحياناً عن استيعاب فيض التجربة الإنسانية ليس دليلاً على ضعفها، بل هو دليل على أفقها المفتوح؛ فالصمت الذي يتخلل الكلمات الشاعرة هو جزء من بناء اللغة ذاته، وهو الاعتراف البشري الأنيق بأن هناك دائماً شيئاً أعظم يقع خلف حدود اللسان.

خاتمة: الكلمات التي تصنع العالم

وربما لهذا كله لا تكون معركة الأمم الكبرى -ولا معارك الأفراد مع ذواتهم- على الأرض وحدها، بل على الكلمات والمفاهيم أيضاً. فمن يغير معاني الكلمات يغير، بطريقة غير مباشرة، طريقة الناس في النظر إلى أنفسهم وإلى العالم من حولهم. 

وليست القضية أن اللغة تصف الواقع كما يصفه الانعكاس في المرآة، لكنها تشارك، في كل لحظة، في صناعة هذا الواقع، وفي بناء النفس البشرية أو هدمها.

ولذلك، حين نحسن اختيار كلماتنا، ونزن حروفنا بميزان الفكر والجمال، لا نكون قد أتقنّا فن البلاغة فحسب، لكننا نكون قد اخترنا، في الوقت نفسه، الطريقة التي نريد أن نسكن بها هذا العالم، والصفة التي بها نترك أثرنا فيه.

محمد ولد إمام. موقع الجزيرة نت 09-08-2026