محمد بوعزارة... سيرة كاتب يحوّل الذاكرة إلى وثيقة للتاريخ

محمد بوعزارة... سيرة كاتب يحوّل الذاكرة إلى وثيقة للتاريخ

محمد بوعزارة يحوّل الكتابة إلى شهادة على العصر

"حكايتي مع الكتابة" ليس كتابًا عن الماضي فحسب، بل هو دعوة لإعادة التفكير في علاقة المثقف بالسلطة.

 

 

 

ليست كل الكتب التي تتناول السيرة الذاتية والسياسة تنجح في الجمع بين صدق الشهادة ومتعة السرد، غير أن كتاب "حكايتي مع الكتابة... حكايتي مع السياسة" للإعلامي والكاتب الجزائري محمد بوعزارة نجح في تحقيق هذه المعادلة، مقدمًا للقارئ وثيقة إنسانية وسياسية وثقافية تؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ الجزائر، من خلال تجربة شخصية امتدت لعقود في الصحافة والفكر والعمل السياسي.

يأتي هذا العمل، الصادر في الجزائر عن منشورات بغدادي، الطبعة الثالثة، بمقدمة للروائي واسيني الأعرج، الذي لم يكتف بتقديم الكتاب، بل قرأ مضمونه قراءة عميقة، مبرزًا أهم محطاته الفكرية والإنسانية، بما يجعل القارئ مقبلًا عليه منذ صفحاته الأولى.

شهادة من الداخل

يؤكد محمد بوعزارة، من خلال هذا الكتاب، مكانته كواحد من كتّاب الشهادة في الجزائر. فهو لا يكتفي بسرد الوقائع، وإنما يعيد تركيبها في سياقها التاريخي، مستندًا إلى ذاكرة عاشت الأحداث وشاركت في صناعة بعضها. ولعل هذه السمة تضعه في سياق كبار الصحفيين الذين جمعوا بين التوثيق والتحليل، أمثال محمد حسنين هيكل وأنيس منصور في العالم العربي، وجاك أتالي في فرنسا، صاحب كتاب Verbatim، الذي وثق سنوات عمله إلى جانب الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران.

ولا تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه سيرة ذاتية فحسب، بل في تحوله إلى مرجع يوثق شخصيات وأحداثًا ومواقف سياسية وثقافية، يمكن للباحثين والإعلاميين والمهتمين بتاريخ الجزائر المعاصر الاستفادة منه بوصفه شهادة من الداخل.

يفتتح الكاتب سيرته بالحديث عن علاقته المبكرة بالقراءة والكتابة، وهما الركيزتان اللتان صنعتا شخصيته الفكرية. كما لا يتردد في استحضار مواقف إنسانية تركت أثرها في حياته، مثل قصة إنقاذه إحدى قريباته من الغرق، واعترافه الصريح بفضل أشخاص أنقذوه من موت محقق، في مشاهد تعكس تواضع الكاتب ووفاءه لمن وقفوا إلى جانبه.

غير أن الجانب الأكثر إثارة في الكتاب يتمثل في شهاداته السياسية الجريئة. فبوعزارة لا يوارب في نقد الممارسات التي عرفتها الساحة السياسية الجزائرية، ويستعيد حواراته مع مسؤولين كبار، مؤكدًا أن بعضهم كان ينظر إلى المثقف باعتباره مجرد موظف يكتب التقارير، لا شريكًا في صناعة القرار أو الحياة السياسية.

ويعترف الكاتب، بشجاعة تُحسب له، بندمه على دعمه للرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة في بدايات مسيرته السياسية، معتبرًا أن التجربة كشفت له لاحقًا حجم التحولات التي عرفها النظام السياسي، وما ترتب عليها من إقصاء للكفاءات وتراجع لدور المؤسسات المنتخبة. كما يقدم نقدًا حادًا لتحول المجلس الشعبي الوطني، في بعض المراحل، إلى مؤسسة شكلية، بعد أن همشت الأصوات المعارضة داخل الأغلبية نفسها.

إلى ذلك، تكتسب هذه الشهادات قيمتها من كونها صادرة عن رجل عاش التجربة من داخل مؤسسات الدولة والحزب، ولم يكتبها بعد سنوات من القطيعة أو الخصومة، بل بعد مراجعة هادئة لمسار طويل من العمل السياسي.

ومن أجمل ما في الكتاب ذلك الوفاء النادر الذي يكنه الكاتب لمن أسهموا في تكوينه. فهو يستحضر أسماء معلميه في المدرسة الابتدائية والثانوية والجامعة، مستحضرًا فضلهم عليه، كما يستذكر شخصيات وطنية تركت بصمتها في حياته السياسية والفكرية، وفي مقدمتها عبد الحميد مهري، ومحمد الشريف مساعدية، وبوعلام بن حمودة، إلى جانب عدد من المثقفين والسياسيين الذين يختلف معهم أحيانًا، لكنه لا ينكر إسهاماتهم.

كتابة الذاكرة

كما يكشف الكتاب عن الخلفية الثقافية الواسعة التي صنعت شخصية بوعزارة. فقد تشكل وعيه على قراءات عربية وأجنبية متنوعة، بدءًا من روايات نجيب محفوظ، ويوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس، مرورًا بمقالات محمد حسنين هيكل وأنيس منصور، ووصولًا إلى أعمال أندريه جيد، وهمنغواي، وبوشكين، وتولستوي. وهذا التنوع يفسر اتساع أفقه في قراءة الأحداث وتحليلها.

ويمتاز أسلوب الكتاب بالبساطة والصدق، بعيدًا عن التكلف أو الخطابة. فالكاتب يزاوج بين السرد الشخصي والتحليل السياسي، ويمنح التفاصيل اليومية مساحة مهمة، مثل حديثه عن رسوبه في امتحان البكالوريا، ثم نجاحه في الدورة الثانية. وهي تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها تضفي على النص طابعًا إنسانيًا يجعل القارئ قريبًا من صاحبه.

كما لا يتردد بوعزارة في توجيه نقده للمؤسسة السياسية، وللتحولات التي مست النخبة الوطنية، لكنه يفعل ذلك بروح الشاهد الذي يسعى إلى الفهم أكثر من سعيه إلى تصفية الحسابات. ولذلك تبدو شهادته أقرب إلى كتابة الذاكرة منها إلى كتابة المرافعات السياسية.

ويختتم الكاتب رحلته بالتأكيد على أن الكتابة ستظل بالنسبة إليه فعلًا أخلاقيًا قبل أن تكون ممارسة مهنية، وأن الثقافة والتاريخ والسياسة والحب ستبقى جميعها مكونات أساسية في حياته، لأنها تمثل جوهر التجربة الإنسانية.

لقد استطاع محمد بوعزارة أن يقدم في هذا الكتاب أكثر من سيرة ذاتية؛ فقد قدم شهادة على جيل كامل، ووثق مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر، جامعًا بين الذاكرة الشخصية والذاكرة الوطنية، في نص يُقرأ بوصفه وثيقة تاريخية، وسيرة إنسان، وتأملًا في السياسة والثقافة معًا.

إن "حكايتي مع الكتابة... حكايتي مع السياسة "ليس كتابًا عن الماضي فحسب، بل هو دعوة لإعادة التفكير في علاقة المثقف بالسلطة، وفي دور الكلمة الصادقة في حفظ الذاكرة الوطنية. ومن هنا تأتي أهميته بوصفه عملًا يستحق القراءة، ليس فقط لما يرويه، بل لما يثيره من أسئلة حول التاريخ والسياسة والثقافة ومستقبل الجزائر.

 

 

الطيب ولد العروسي

كاتب جزائري