طريق الموت.. رحلة موريتاني إلى آخر الحلم الأمريكي وعودته منه

طريق الموت.. رحلة موريتاني إلى آخر الحلم الأمريكي وعودته منه

شاب في السادسة والعشرين من عمره، حكى أغرب قصة عن طرق التهريب من القارة السمراء إلى الولايات المتحدة (الجزيرة - صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

 

"لم أسرق في حياتي" صاح الشاب الموريتاني العشريني وفوهة مسدس لرجل عصابات مكسيكي بين عينيه. "عليك أن تعترف" قالها رجل العصابة بإنجليزية مهترئة.

"إن شئت أن تقتلني فأطلق النار، لكني لن أعترف بجريمة لا أعرف عنها شيئا" وأغمض عينيه بعد أن أيقن أنها النهاية.

مرّ شريط حياته سريعا بين عينيه، سيموت غريبا في مقر لعصابة عابرة للحدود تختص بتهريب المخدرات والبشر في أقصى الغرب، في المكسيك، بعيدًا عن أمه وأهله وأرضه.

وفجأة، جاء صوت من ورائه..

في حضرة القنديل

أدار مفتاحه القديم في قفل الباب، وشد عروته بهدوء حتى لا يوقظ أهله، عائدا إلى بيت أبيه في الدوحة. لم يخبر أحدا بعودته، فلا مكالمة تسبق الوصول، ولا حتى رسالة قصيرة من المطار. فتح الباب على بيت نائم، وضع حقيبته في الزاوية، وجلس ينتظر. كان قد غاب عامين كاملين، وكان مقدرا للغياب أن يطول أعواما. حين خرجت أمه لصلاة الفجر، وجدت ابنها جالسا في الصالة كأنه لم يبرحها قط، كأن عامين من الاغتراب والاشتياق وركوب الخطر لم تكن إلا غفوة طويلة بين أذانين.

قال لي القنديل (وهو اسم مستعار نستخدمه سترا له، ولأن في روحه طاقة تضيء أي مجلس يجلس فيه) على الهاتف: "صل المغرب في مسجدنا، وسنجلس بعدها لأحكي لك قصة هجرتي عبر خطوط التهريب إلى الولايات المتحدة الأمريكية"، بعد أن أقنعته أن يروي لي تفاصيل خروجه من أفريقيا واختراقه أمريكا اللاتينية، وتسلله إلى الولايات المتحدة، ثم عودته منها باختياره.

كانت الشمس تودع الدوحة بضوئها لا بحرارتها. استقبلني عند الباب، ودخلت مجلسا كبيرا نصبت فيه عدّة الأتاي الموريتاني، تلك الطقوس التي تطول ولا يجوز اختصارها، الإبريق الصغير المسودّ من النار، والكؤوس الزجاجية الضيقة التي لا تكاد تملأ راحة الكف، والسكر، وحفنة النعناع الأخضر، والفحم الذي يُنفخ عليه بصبر من لا يعرف العجلة. وخلف العدّة جلس القنديل، شاب في السادسة والعشرين من عمره، كأن في عينيه لسانان ناطقان، متهيئا لحكاية أغرب قصة سمعتها عن طرق التهريب من القارة السمراء إلى الولايات المتحدة، سيقطع حديثه على عدد كؤوس الأتاي التي سيقدمها لي.

في الزاوية كانت حقيبة السفر لا تزال مكانها، لم تُفتح كأن صاحبها لم يصدق بعد أنه وصل، أو كأنه يبقيها مهيأة تحسبا لرحيل آخر لا يعرف متى يجيء. لمحت على جانبها أثر ملح جاف، بقعة بيضاء باهتة خلفها -كما سأعرف لاحقا- ماء محيط بعيد.

 

في المنزل في الدوحة، كانت حقيبة السفر لا تزال في الزاوية غير مفتوحة (الجزيرة - صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)في المنزل في الدوحة، كانت حقيبة السفر لا تزال في الزاوية غير مفتوحة (الجزيرة – صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

 

صبّ القنديل الكأس الأول. رفع الإبريق عاليا حتى تكوّنت الرغوة على السطح، ثم أنزله في رشاقة موروثة، وناولني الكأس دون كلمة. ذقته: كان مرا، شديد المرارة، كما ينبغي للكأس الأول أن يكون.

ابتسم القنديل وهو يرى ملامحي، وقال وهو يتأمل الكأس في يدي: "هذا الكأس يشبه الطريق الذي مشيته. لو ذقته من غير ما تعرف اللي بعده، كنت ستقول: هذا لا يُشرب. لكن حلاوة ما بعده تجعله ثمنا معقولا للذة مؤجلة موعودة".

وبين كأس وكأس، على مدى ثلاث ساعات امتد فيها هذا الطقس البطيء، حكى رحلته من لواندا عاصمة أنغولا إلى نيويورك، ثم عودته أدراجه نافرًا من الحلم الأمريكي. في حديثه أكثر من إفادة لصحفي، كان يفرغ ذاكرته من تجربة كثيفة لم تمنحه صعوبتها ومقاساتها فرصة للتأمل في تفاصيلها.

الكأس الأول.. المر

سألته كيف بدأت الحكاية، وأنا أعيد الكأس الفارغ إلى الصينية. أمسكه بأطراف أصابعه، ونظر إلى قعره ليتأكد من أني لم أبق شيئا، إعادتك لكأس الأتاي دون إتمامه نقد خفي لصانع الأتاي.

"الفكرة دارت في رأسي عام 2022. كنت وقتها في تركيا أحاول محاولة أخيرة لمواصلة التعليم الأكاديمي بعد تخرجي من الثانوية، لم أقتنع يوما بالتعليم، ذهبت مراعاة لرغبة والدي، أما أنا فأرى النظام التعليمي قيدا وأسرا. كنت أرى الشباب الموريتانيين يسافرون لأمريكا بأعداد مهولة. كل يوم تسمع عن واحد وصل، وواحد آخر مشى. صار الخط معروفا، واضحا، وكل واحد يقول لك: الطريق سالك".

سألته: كيف يكون الطريق "سالكا" وهو مليء بالمخاطر؟

"هو سالك لأن كثيرا ممن سلكوه وصلوا. الطريق نفسه مليء بالموت. لكن لما يصل واحد، ويرن الهاتف من أمريكا، ويسمع الناس صوته، ينسون اللي ماتوا في الطريق ويتذكرون بس اللي وصل. طبيعة بشرية؛ يحفزنا وصول الناجين أكثر مما يخيفنا هلاك الهالكين".

"نحن البشر يحفزنا وصول الناجين أكثر مما يخيفنا هلاك الهالكين"

كان خاله قد سبقه بشهر، ووصل "الدول المتقدمة" كما كان يسمي أمريكا، بنبرة من أنجز وأرسل من هناك الخبر. خبر الوصول، في مجتمع يطارد الفقرُ أكثرَ من ربع سكّانه، ليس مجرد معلومة، هي عدوى تنتقل من قريب إلى قريب، ومن صاحب إلى صاحب، حتى تصير حمى جماعية.

لم ينجُ القنديل من حمى الهجرة. ففي عام 2023 تصدّر الموريتانيون الجنسيات الأفريقية الموقوفة على الحدود الأمريكية المكسيكية بأكثر من 15 ألف شخص، يليهم السنغاليون، بحسب بيانات هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية. وقفز عدد الأفارقة الموقوفين عمومًا من نحو 13.5 ألفا عام 2022 إلى قرابة 60 ألفا عام 2023، أي 4.5 أضعاف في سنة واحدة. وبين مارس/آذار ويونيو/حزيران 2024 وحدها عبر أكثر من 8500 موريتاني من المكسيك عبورا غير نظامي، صعودًا من نحو ألف في الأشهر الأربعة السابقة، وفق أسوشيتد برس التي وثّقت أيضًا كلفة الرحلة التي تتراوح بين 8 آلاف و10 آلاف دولار، يدبّرها بعضهم ببيع الأرض أو الماشية.

كانت موريتانيا، في تلك السنوات، قد تحوّلت إلى ما وصفه القنديل بـ"محطة رئيسية في مسار تهريب طويل" إلى أمريكا، صنعت ثروات لأصحاب مكاتب السفر الذين يتولون قطع التذاكر وترتيب الحجوزات في تذاكر ذهاب وعودة دائما، بوجهات تمويهية تمر بالمغرب والسنغال وأوروبا لتبدو الرحلة سياحة بريئة.

 

رحلة القنديل كما رواها من نواكشوط، إلى نيويورك، وبالعكس. (الجزيرة - صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

رحلة القنديل كما رواها من نواكشوط إلى نيويورك (الجزيرة – خريطة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

 

قرأت في أحد الكتب التي تؤرخ لمسارات التهريب في أمريكا الجنوبية، وصفا قاسيا، من أكاديميين في بلدان العالم الأول. يسمون تجدد مسارات التهريب بـ "أثر الصرصور"، فكلما أُغلق طريق للتهريب، يدشن طريق آخر جديد، تماما كالصراصير حين تُسد عليها فجوة فتخرج من سواها. كان الموريتانيون قد ورثوا خطا قديما للهجرة يبدأ من البرتغال ثم البرازيل، ثم صعودا إلى بلاد العم سام، كان طريقا طويلا محفوفا بالكوارث.

ثم انفتح الخط الجديد الأقصر. وقصته أن نيكاراغوا فتحت تأشيرة عند الوصول برسم زهيد ودون الحاجة إلى إثبات سفر لاحق، فاختصرت على المهاجرين غابة داريين القاتلة بين كولومبيا وبنما، وراج هذا الخط عبر إشهار وكلاء ووسطاء التهريب على مواقع التواصل الاجتماعي مثل: تيك توك وواتساب.

كان القنديل يحكي عن هؤلاء الوسطاء بنبرة تختلط فيها السخرية بالمرارة: "واحد منهم بنى عمارة. وواحد آخر يركب سيارات ما يركبها إلا الأمراء. كل هذا من ظهورنا. نحن البضاعة وهم التجار. والفرق بيننا وبينهم أنهم لا يركبون البحر ولا يتعرضون للموت".

ثم واصل واصفًا "عندما تصل إلى بداية الطريق تكتشف أنك دخلت في آلة فيها تروس، وكل ترس يلوكك ويسلّمك للترس اللي بعده".

لن تكون هذه المرة الأخيرة التي يستعمل فيها هذه الاستعارة. ظل طوال حكايته يصف نفسه كقطعة على سير ناقل تتحرك من محطة إلى محطة. ولعل أصدق ما في وصفه أن هذه "الآلة" ليست مجازًا أدبيًا؛ إنها بالفعل صناعة منظمة لها محاسبوها وموظفوها وأسعارها وضمانات جودتها، كما سأكتشف من حكايته ومن المراجع التي عدت إليها بعد لقائنا.

شرب القنديل كأسه بعد أن أضاف له طنا من السكر، وأعاد براد الأتاي إلى الموقد الصغير.

 

بيدرو

"أول مراتب الحكمة الصمت"

سألته: من أول من قابلت في هذا العالم؟ قال: "بيدرو في نيكاراغوا".

 

بيدرو هو حلقة الوصل الأولى، الوجه الذي تقدم به الآلة نفسها لمن يدخلها، رجل تُرسل إليه صورتك قبل أن تصل، فيعرفك من بين الزحام. لا يهمه أن تكلمه بالعربية أو الإنجليزية، فهو لا يتعامل إلا عبر مترجم.

"الإنجليزية ليست مهمة عنده"، قال القنديل ضاحكا.

ما هو المهم؟ سألته

"الدينارو! (العملة بلغة السكان الأصليين في جبال الأنديز بأمريكا الجنوبية المحكية في بيرو، وبوليفيا، وإكوادور. استعار المتحدثون بها كلمة "Dinero" من الإسبانية، وحوّروا نطقها في لغتهم المحلية لتصبح "Dinaru" دِينَارُو). "الفلوس"، هذي هي اللغة الوحيدة اللي يفهمها. في هذه الصناعة الكل يتكلم بلسان واحد: الفلوس".

كان بيدرو يتبع لكارتل سينالوا، إحدى أكبر منظمات الجريمة في أمريكا اللاتينية، أو كما وصفها القنديل بعبارة موجزة بليغة: "عصابة إقليمية". هذا الوصف ليس مبالغة عاطفية من مهاجر أرهقه الطريق؛ فالمؤسسات الأمنية الغربية نفسها، لم تعد تسمي هذه الكيانات "كارتلات مخدرات"، بل "منظمات إجرامية عابرة للحدود"، اعترافا بأنها تجاوزت بضاعتها الأولى إلى كل ما هو مربح، سواء كان سلاحا أو مخدرات أو بشرا.

الباحث الاقتصادي توم وينرايت، الذي عامل تجارة المخدرات معاملة الصناعة في كتابه "ناركونوميكس" ، يسميه "تنويعا مركزيا": أن تستثمر الشركة خبرتها في مجال لتدخل مجالا جديدا. الكارتل لا يعرف شيئا عن "صناعة الهجرة"، لكنه يتقن فنا واحدا يصلح للبضاعتين معا: التهريب عبر الحدود سرا، ورشوة الموظفين أو ترهيبهم على الطريق. وإذا كنت تستطيع تهريب الكوكايين، فلماذا لا تهرب إنسانا؟ المنطق نفسه، والبنية التحتية نفسها؛ المتغير الوحيد هو البضاعة.

أخبرني القنديل: "كانت الصورة تتضح لي شيئا بعد شيء، محطة بعد محطة". وتابع: "لم تتم الصورة لي إلا لاحقا. وأنا داخل الآلة كنت مجرد قطعة في السير. ما كنت أفهم أني صرت سلعة".

 

" أي خطأ في هذه المرحلة قد ينتهي بصاحبه مخطوفا لدى عصابة محلية تطالب أهله بإرسال فدية"

 

كان أول درس تعلمه في هذا العالم درسا في الصمت والحذر، ألا يرد على أحد حتى يبلغ نقطة التسليم. حين وصل إلى مطار مناغوا عاصمة نيكاراغوا تقدم إليه كثيرون يرددون "بيدرو، بيدرو" يستدرجون القادمين الجدد الحالمين بملامسة الحلم الأمريكي، أي خطأ في هذه المرحلة قد ينتهي بصاحبه أن يكون مخطوفًا لدى عصابة محلية تطالب أهله بإرسال فدية. "تخيّل أنك تمشي في بلد ما تعرفه، بلغة ما تفهمها، وكل من حولك يمكن يكون صاحبك ويمكن يكون اللي يبيعك، وأنت عاجز عن التفريق. الحل الآمن أن تسكت وتلتزم بالخط المرسوم لك سلفا".

أخذ يقرأ التعليمات المرسلة له على تطبيق الواتساب وينفذها بحرفية. اتجه يسارا، اركب السيارة الفلانية والزم الخط السريع؛ "لقد رآك ولدي، توقف، سيتولى ولدي أمرك". كان بيدرو على الجانب الآخر من المحادثة يرسل له التعليمات.

 

تصميم خاص خريطة نيكاراغواخريطة نيكاراغوا (الجزيرة)

 

أمانة اللصوص

 

توقفت السيارة عند نُزل رديء، وحُشر المهاجرون الجدد، ثم جاء بيدرو، رجل قصير ممتلئ مهيب "كأنه كرة عضلية" حسب القنديل، يحمل مكبر صوت صغيرا، وبجانبه مترجم. أول ما طلب: "هاتوا فضتكم"، (= المال، باللهجة الحسانية). تلاحظ الناس فيما بينهم، رجل تبدو في تضاعيف وجهه ملامح اللصوص يسألهم عن أموالهم، وقد أحاط بهم رجاله المسلحون. لكن المفارقة أنه كان يسألهم ليدلهم على تأمينها، لا لسرقتها. تقدم القنديل لينهي لحظة التوجس التي سادت الجميع، وسلم له ما في حقيبته من المال.

أخذ بيدرو مشرطا دقيقا وفتح شقوقا في الحقيبة وطوى الأوراق النقدية طيا رفيعا ثم دسها في أكتاف الحقيبة وحاشيتها بطريقة يستحيل كشفها باللمس، وأعاد خياطة الشقوق بإحكام، وترك في متناول كل واحد نحو مئة دولار للطريق. كان مع القنديل نحو ثلاثة آلاف دولار، وخط تحويل غير رسمي تمتد قنواته من نواكشوط إلى أنحاء العالم.

ما لفتني أنه وصف القائمين على التهريب بأنهم "أمناء". سألته مستغربا: أمناء؟!

"نعم، أمناء. ما يسرقونك. لكن" – ورفع إصبعه كمن يصحح سوء فهم شائع – "أمانتهم لمصلحتهم هم، ليست لمصلحتك. لا يسرقونك لأنك بضاعتهم، والتاجر لا يفسد بضاعته. لو وصلت بخير، سأدفع وسيدفع من يأتي بعدي حتى يوم القيامة. أما لو سرقوك وخوفوا الناس منهم، فقد خسروا زبائنهم".

"حتى أعتى المنظمات الإجرامية تحرص على اسمها بين زبائنها كأي علامة تجارية"

كان القنديل قد لخّص، دون أن يدري، أحد أعمق مبادئ اقتصاد هذه الصناعة: أن "سمعة المهرب" هي رأس ماله. فحتى أعتى المنظمات الإجرامية تحرص على اسمها بين زبائنها كأي علامة تجارية، وقد لاحظ باحثون في تاريخ الجريمة المنظمة أن هذه العصابات توزع الصدقات وتبني المدارس والمستشفيات في مناطق نفوذها، ليس إيمانًا واحتسابًا، بل شراءً للولاء وتأمينًا للطرق.

استراحة مع التاريخ

هنا، يَحسُن بنا أن نترك القنديل مع بيدرو وهو يعطيه التعليمات للمراحل القادمة ويوصيه بحذف كل المحادثات والبيانات في جهازه التي قد تدل شرطة الهجرة على حياته الماضية. لنصعد قليلا فوق المشهد ونرى الآلة كلها من عَلٍ. فتلك "الكرة العضلية" حسب تعبير القنديل ليست إلا أصغر تروس ماكينة تمتد جذورها إلى سفوح الأنديز، حيث يبدأ كل شيء بورقة خضراء.

نبتة الكوكا التي تُزرع في بوليفيا وكولومبيا وبيرو تمر، قبل أن تبلغ شوارع المدن الغنية، بسلسلة مراحل ترفع ثمنها رفعا خرافيا، فالأوراق الخام اللازمة لكيلوغرام واحد لا تساوي عند فلاح الأنديز سوى بضع مئات من الدولارات، بينما يباع الكيلوغرام نفسه في الولايات المتحدة بما يزيد على مئة ألف دولار، بحسب حسابات وينرايت المتخصص في اقتصاديات الجريمة المنظمة.

ربما لهذا تفشل حملات إبادة المحاصيل فشلا ذريعا، ففي عام 2014 وحده أتلفت الحكومات أكثر من 120 ألف هكتار من حقول الكوكا دون أن يرتفع السعر في الشمال إلا قليلا، لأن الكارتل يشتري الورقة من الفلاح بسعر يفرضه هو وحده بوصفه المشتري الوحيد تقريبا؛ فإذا أُتلف نصف المحصول تحمل الفلاح الخسارة دون الكارتل. الورقة الخام لا تكاد تساوي شيئا في ثمن الجرعة النهائية؛ فالقيمة كلها في التهريب، وفي عبور الحدود، أي في المخاطرة.

"الكارتل الذي أتقن نقل مسحوق أبيض عبر هذه السلسلة المعقدة اكتشف أن بإمكانه نقل إنسان بالبنية التحتية ذاتها"

الكارتل الذي أتقن نقل مسحوق أبيض عبر هذه السلسلة المعقدة اكتشف أن بإمكانه نقل إنسان بالبنية التحتية ذاتها، عبر الطرق ذاتها، والرشى ذاتها، والمحطات ذاتها. وحين أُغلق طريق الكاريبي البحري القديم في ثمانينيات القرن الماضي أمام ضغط الحملات الأمريكية، لم تختف التجارة، وإنما هاجرت برا إلى أمريكا الوسطى، فصار ذلك الممر الضيق شريان حياة تعبر فيه الشحنات من الجنوب إلى الشمال، ولم يفتأ أن وضعت فيه كارتالات مثل سينالوا وغيرها أصولًا استثمارية، حيث عُثر في غاباته على مختبرات صناعية للمخدرات. ثم لما صار نقل البشر إلى الحلم الأمريكي بضاعة مربحة، ساروا في الأخدود نفسه الذي حفره الكوكايين.

كلما شددت الدول الغنية حراسة حدودها يرتفع ثمن العبور، ويغادر الهواة الصغار من السوق، ويتُرك الميدان للمنظمات الأشد قسوة وتنظيمًا. ففي الثمانينيات لم يكن أكثر المهاجرين يستعينون بمهرب أصلا؛ ثم صار العبور من التعقيد بحيث لم يعد ممكنا إلا بدليل محترف. هكذا حولت الاحتياطات الأمنية وسياسات تأمين الحدود خدمة رخيصة كان يستغني عنها معظم الناس إلى سلعة باهظة.

أما سينالوا التي رافقها القنديل في رحلته دون أن يختار، فليست عصابة طارئة. اسمها نسبة إلى ولاية مكسيكية في الشمال الغربي، في قلب ما يسمونه "المثلث الذهبي"، حيث يُزرع الخشخاش والقنب في سفوح جبلية وعرة منذ أجيال، ونشأت هناك سلالات من المهربين توارثت الحرفة كما توارثت الأرض، وصار التهريب جزءا من ثقافة المكان وأغانيه، وخرج من رحم تلك الثقافة زعماء صاروا أساطير تُنسج حولهم الحكايات والخرافات كما تُنسج حول الملوك، أشهرهم خواكين غوزمان لويرا المعروف بـ"إل تشابو". الذي نجح في توسيع نشاط المنظمة التي ورثت طرق التهريب القديمة وأعادت توظيفها لتهريب بضائع شتى، منها البشر.

نعود الآن إلى القنديل وقد فرغ من محو محادثاته، وبدأ الطريق.

الكأس الثاني.. لذة الطريق وخدعته

ناولني القنديل الكأس الثاني وقد كثفت رغوته. كان ألطف من الأول وأحلى، وكأن السكر بدأ يغالب طعم الشاي الذي خفت حدته.

 

يستطيع الذوّاق أن يقدّر مدة المجلس الذي يُصنع فيه الأتاي الموريتاني، بمذاق الكأس المقدم له، فالكأس الأوسط يختلف عن الأول، وعن الثالثيستطيع الذوّاق أن يقدّر مدة المجلس الذي يُصنع فيه الأتاي الموريتاني، بمذاق الكأس المقدم له، فالكأس الأوسط يختلف عن الأول، وعن الثالث (الجزيرة – صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

 

قبل أن تحط به الطائرة في نيكاراغوا، كان القنديل قد عبر مطارات عدة بتذاكر مموهة. في مطار الدار البيضاء لم يكن هناك تدقيق كبير، وفي مطار مدريد جُمِّع المسافرون كلهم في قاعة انتظار مغلقة، احترازا من أن "يشردوا" في المطار ويطلبوا اللجوء. قال لي: "كنا حوالي أربعين. كلهم موريتانيون، جوازاتنا خضراء كاملة، ما فينا أجنبي".

وفي تلك القاعة كان يفصلهم عن الرحلة التالية 12 ساعة، التقى وجوها لم تبرح ذاكرته. سودانيتان في نهاية العشرينيات كانتا تعملان ممرضتين في السعودية ثم انساقتا إلى هذا الطريق، كان حجزهما مزورًا، دفعت إحداهما ثمنه مرتين بل ثلاثا ووقعت ضحية احتيال أصحاب المكاتب، وكان زوجها قد تركها خلفه وأكمل الطريق وحده، بعد أن تبين له أن تذكرته صالحة".

"كادت تأكل أصابعها من الجوع"، قال وخفت صوته. "لها أسبوعان في الطريق. لما شافتنا استوحشت، ظنت أننا جايين ناخذ منها، لا نعطيها. أعطيناها كعكا وشيئا من التمر، فأكلت كأنها ما أكلت من زمان". ومر به مغربي مزق جوازه، طالبًا للجوء في إسبانيا كان حلاقا في جنوب أفريقيا وجاء محاولا اللحاق بأخيه، لكنه قوبل بتعنّت من شرطة المطار في مدريد فبقي معلقًا.

خلال حديثهما بدا أن صاحبه المغربي بدأ يفكر في العودة إلى بلده واستصدار جواز جديد والتوجه إلى أمريكا، ويبدو أن الولايات المتحدة صارت بديلاً لبعض المهاجرين الذين لم ينجحوا في الدخول إلى القارة العجوز. ففي سبتمبر/أيلول 2023 رحّلت السلطات الأمريكية عامل لحام سنغاليًا مع 131 من مواطنيه، وهو الذي كان قد حاول بلوغ أوروبا بالقارب إحدى عشرة مرة من سواحل المغرب قبل أن يجرب خط نيكاراغوا، وفق أسوشيتد برس.

أوقفت الشرطة اثنين من مجموعته في مطار بوغوتا الكولومبي فباحا بوجهتهما، وراحا يستجديان العطف بحكاية الوطن الفقير والأم المريضة. لم يكن القنديل يطيق هذا الأسلوب.

"كثير من المهاجرين تغلب عليهم عقلية الاستعطاف، يحكي للشرطي عن أمه وأبيه حتى يتعاطف معه. لا أحب هذا الأسلوب، انسحبت، وجلست في مقهى وسط المطار أشرب قهوتي وأراقب وكأني سائح يملك رفاهية استهلاك أكواب القهوة الرديئة بأسعار المطار".

"فاموس، فاموس".. جغرافيا الليل

من ماناغوا بدأ المسار البري الفعلي: نيكاراغوا، فهندوراس، فغواتيمالا، فالمكسيك من جنوبها في تشياباس، صعودا نحو الشمال – عبر بلدان سبق للرئيس الأمريكي ترمب أن رماها بعبارته النابية الشهيرة عن "البلدان القذرة"، وهي ذاتها التي صارت ممر بضاعته البشرية العائدة إليه. لم يعد القنديل يفرّق بين حدود بعض الدول؛ أنهكت الذاكرةَ اثنتا عشرة ساعة تتلوها اثنتا عشرة. لكنه يذكر النظام: "كنا نتحرك دائما في الليل. الثالثة فجرا. الرحلة محسوبة باثنتي عشرة ساعة، تزيد ولا تنقص".

كانت السيارات تنطلق في عتمة الفجر يقودها سائقون يبتلعون المنبهات ليبقوا مستيقظين ويطيرون على الطرق بسرعة جنونية، ومهربون يتواصلون بأجهزة اللاسلكي ومجموعات واتساب، يبلغ بعضهم بعضا عن كل نقطة تفتيش وكل دورية على الطريق.

وكان صاحبنا قد كُلف، لطلاقة لسانه ونباهته، بتنظيم مجموعته وتسجيل أرقام المسافرين، فلقبوه "بابلو"، نسبة إلى بابلو إسكوبار، إمبراطور الكوكايين الكولومبي الذي صار أيقونة شعبية في ذلك العالم. ضحك وهو يستعيد اللقب.

عند الحدود بين نيكاراغوا والهندوراس يبدو مشهد يتكرر في كل نقطة: رجال شرطة بزي رسمي يوقفون الحافلة، يعدون الركاب رأسا رأسا، والمهرب يدفع لهم على كل رأس، ثم يمرون. لم تكن الرشوة استثناءً يُتوارى به، كانت بندا ثابتا في الميزانية، يُحسب على الرؤوس كما تُحسب رسوم الشحن على الصناديق. وفي كل محطة كانوا يُصوَّرون: "كل واحد بمفرده. فيديو. كأنك سلعة يتأكدون أنها وصلت سليمة للمحطة الجاية". "وان دولا، وان دولا"، قال القنديل مقلدًا أصوات الباعة على الطريق. "كل شيء بدولار. شريحة الهاتف بدولار. أي شيء: وان دولا".

"لم تكن الرشوة استثناء يُتوارى به، كانت بندا ثابتا في الميزانية، يُحسب على الرؤوس كما تُحسب رسوم الشحن على الصناديق"

في هندوراس نزلوا عند امرأة يسمونها "ماما لوبيا"، قصيرة ممتلئة تدير النُزُل بثقة بالغة، وبالقرب منها حافلات مدارس أمريكية صفراء قديمة وجدت طريقها إلى هذا العالم بعد أن تقاعدت من حمل الأطفال، تقف مصطفة عند أبواب الفنادق، والمنادي ينادي: "فاموس! فاموس!"، هيا، هيا.

أثناء حركته، كان القنديل يلمح، على أعناق المهرّبين وفي مقدمات سياراتهم، صورًا وتمائم لرجل ذي شارب مهذب ووجه حزين، لم يعرف وقتها من هو. عرفتُ أنا لاحقا أنه "خيسوس مالفيردي"، "قدّيس" شعبي لا تعترف به الكنيسة. تقول الأسطورة إنه كان لصا نبيلا في ولاية سينالوا شُنق في مطلع القرن العشرين، ويرجّح باحثون أن لا وجود تاريخيًا مثبتاً له أصلا، وأن سيرته لُفّقت من سِيَر قاطعي طرق.

ومع ذلك يقوم مزاره في مدينة كولياكان شمال غرب المكسيك، وتُعلَّق صوره من حقول الجبال إلى زنازين السجون، حتى تردد اسمه في محاكمة "إل تشابو" ببروكلين. لمس القنديل روح هذا العالم، عالم له دينه وقدّيسيه وطقوسه، العنف فيه ليس حالة فوضى، هو نظام له منطقه ومقدساته. يغدو فيه اللص شفيعا للمستضعفين والمهرب بطلا شعبيا.

تقول الأسطورة إن القديس كان لصاً نبيلاً شُنق في مطلع القرن العشرين (الجزيرة - صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي)تقول الأسطورة إن القديس مالفيردي كان لصا نبيلا شُنق في مطلع القرن العشرين (الجزيرة – صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

"كانوا يلمسون الصورة قبل ما ينطلقون. زي ما نقرأ نحن آية الكرسي قبل السفر. لكل واحد إلهه في الطريق".

مفترق الطريقين

عند بلوغهم غواتيمالا نزلوا في دار تديرها امرأة تدعى "سارة"، وجلسوا تحت الجبال في موضع لا يصل إليه أحد، باحترازات مبالغ فيها. هناك انفتح أمامهم طريقان إلى حدود المكسيك، الأول طريق البر، وهو مسيرة نحو ثلاثة أيام، أمامها الحدود والتفتيش والطوابير وقطّاع الطرق؛ وطريق البحر، نحو اثنتي عشرة ساعة، لكنه -كما قيل لهم بصراحة- "قد تموت فيه".

كان والداه قد أوصياه من بلادهم البعيدة ألا يركب البحر. طرح الأمر على المجموعة واحتكموا إلى الأغلبية، فاختار الجمهور البحر. وكان معه ما يكفي لكلا الطريقين، لكنه لاحظ، بحس ابن التاجر الذي لم يغادره، أن في البر توفيرًا: "قلت لهم: البر يبقي لكم فرقا في الجيب. بس الناس خافت من الطوابير والتفتيش. اختاروا البحر".

ثم سكت، ونظر إلى أبيه الذي جلس بجانبي بعد أن دخل علينا مسلما، وقال بصوت أخفض: "الوالد قال لي لا تركب البحر. وأنا ركبته. هذي أول مرة أواجهه بعصيان".

ابتسم الأب ابتسامة غامضة، ولم يقل شيئا.

البحر

"البحر"، قال وقد تغيرت نبرته، "كان ركوبه النقطة المفصلية. المغامرة الحقيقية. كل اللي قبله كان لعبا إذا قيس إليه".

جهّز لتلك الليلة عدته: الماء في حافظة، وتمر كان قد حمله من بداية الطريق دون أن يمسه، ادخره لهذه اللحظة بالذات، كأنه كان يعرف بحدسه أن البحر سيطلب منه ما لا يطلبه البر. واستخرج معطفا جلديا غاليا كان أعده لشوارع نيويورك، فلبسه أول مرة في حياته ليتقي به برد المحيط.

كان المسؤولون عن القوارب ملثمين لا تُرى وجوههم، مسلحين بسلاح ثقيل، وقد قسموا المسافرين على القوارب بأعراقهم: المغاربة معا، والتشاديون في قارب وحدهم، وهو مع مجموعته. وقبل الركوب كان بيدرو قد أبلغهم عبر مكبر الصوت رسالة أخيرة واضحة: "كلنا نعمل لدى كارتل سينالوا. لا تتعاملوا مع "ماما أفريكا"، ولا مع فلان لأنهما لم يدفعا المال المستحق للكارتل. ومن لم يدفع للسينالوا، يُقتل".

سأفهم لاحقا، من الدراسات التي تتناول نشاطات الجريمة المنظمة، ما الذي كان يقوله بيدرو بالضبط. فالعلاقة بين المهرّبين الصغار الذين يسميهم أهل تلك البلاد "الكويوتي" ، أي بنات آوى، والكارتلات الكبرى تشبه نظام الامتياز التجاري. فلا يهرّب الكارتل المهاجرين بنفسه غالبا، بل يعهد بتلك المهمة لصغار المهربين الذين يستأجرون حقَّ استخدام أرضه وطرقه وعلاقاته مقابل إتاوة يسمونها "حق الأرض". من يدفع يعبر بأمان نسبي تحت مظلة الكارتل؛ ومن لا يدفع يصير هو ومن معه هدفاً. وقد وجد الباحثون الذين جمعوا بيانات آلاف المهاجرين أن سعر العبور تضاعف على مدى عقدين بالتوازي شبه التام مع إنفاق الدول على حراسة حدودها، وأن السوق تسعّر الضعف نفسه: فالمسنون والأطفال والنساء، وبخاصة الحوامل، يدفعون أكثر، لأنهم أبطأ في العبور وأصعب في الإخفاء.

"المسنون والأطفال والنساء، وبخاصة الحوامل، يدفعون أكثر، لأنهم أبطأ في العبور وأصعب في الإخفاء"

على الشاطئ ألقت فتاتان تشاديتان بنفسيهما بين أرجل المهرّبين: لا نستطيع، لا نريد أن نركب البحر. قال المهرّب: ستركبان أو سنترككما. وقتها وقف القنديل: أعيدوهما إلى الطريق البري؛ لا يمكنك أن تكرههما على الركوب، وهذا الخوف في أعينهما لن تحتمله قلوبهما. وبعد لعنات وشتائم استجاب المهربون، وقرر القائد تأجيل الرحلة والعودة إلى المخبأ، هل كان قراره رأفة بهم، أم لأن خفر السواحل كان قريبا تلك الليلة؟ لا أحد يدري.

في اليوم التالي خرجوا إلى الساحل وقد تضاءل العدد، تاركين وراءهم من هاله منظر المحيط فاختار طريق البر.

"حشرونا في القارب زي السردين. قارب خشبي نقعد في قعره. واضح أنه مجهز للبضاعة، مو للبشر".

ومعهم في القارب امرأتان كولومبيتان تبكيان طوال الطريق. كان البحر في أوله هائجا استقبلهم بموجه العالي وقواربهم تعبر عرض المحيط الهادي، ذلك المحيط الذي يخدع باسمه، فلا شيء فيه هادئ. "بدأت دقات قلبي تتصاعد. ما خفت طوال الرحلة كما تملكني خوف الموت ساعتها. يعرج بك الموج عروجا نحو السماء، وتحس أن السماء والبحر صارا شيئا واحدا، وأنت بينهما نقطة". فجأة استوى البحر حتى صار "كالزجاج"، أملس يمشون عليه كأنهم على جليد، حسب وصف القنديل. يسير المركب بسرعة جنونية، ثم يتوقف حين يفرغ خزان الوقود، فيتناول الطاقم أحد الجوالين في مؤخر القارب، ويعيدون تزويده بالوقود.

جلس في وسط القارب وعد ذلك من حظه، إذ وُضع ثلاثة آخرون في مقدمة مكشوفة مرتفعة يتلقون رذاذ الموج وأذاه. ثم طُلب متطوع ليعود إلى مؤخرة القارب ليعدّل وزناً اختل مع فراغ عبوات الوقود. "لم أبادر. ثم وجدت الجميع متخشبا مكانه، فرفعت يدي. ما كانت بطولة؛ فكرت أني لا أفضل الغرق على الرجوع لمكان لا أعرف عنه شيئا". وما إن استقر في المؤخرة حتى بدا له المكان أفضل مما توقع.

طوال ساعات الإبحار كان يقتصد في تناول التمر، ولأنه بدوي كان توزيعه على من حوله داخلا في الخطة الاقتصادية. "كنت أناولهم تمرة تمرة على فترات، وأضع في فمي واحدة دون أن أشرب الماء، حفظا للماء وتفاديا للحاجة إلى ما لا سبيل له في عرض المحيط".

"التمرة الواحدة"، قال وفي صوته زهو المخطِّط الذي نجحت خطته، "كنت أمصها ساعة. ما آكلها، أمصها. تعطيك طاقة وما تعطّشك. هذا أحسن مخطط أعددته في حياتي، ونجح فعلاً". نظر الأب إليه عندها نظرة ساخرة، وهو يستعيد – كما خُيّل إليّ – خططا كثيرة لم يكن يوافق عليها، لكنه ربّى ابنه على الحرية والمسؤولية.

"كان القنديل يمص التمرة الواحدة لساعة كاملة، بحثا عن الطاقة وتفاديا للعطش"

اللاتينيون كرماء، يخلطونك بهم بسرعة. في القارب عرضوا عليه ما يتعاطونه ليبقى مستيقظا فرفض، واكتفى بعصير من ثلاجتهم. وكان على المتن شاب غلبه مفعول ما تعاطاه فنام نوما ثقيلا على حافة خطرة، فبقيت عينا القنديل عليه طوال الليل، خوفا من أن يتدحرج إلى الماء ولا يلتفت إليه أحد.

ثم جاءت اللحظة المرعبة حين لاحت أضواء عابرة في الظلام، فتوتر الطاقم وأمسكوا بأسلحتهم استعدادا لاشتباك محتمل. "ما إن اقتربت حتى صرخت في جماعتي وانبطحت، نزّلوا رؤوسكم تحت حافة القارب! لكن الضوء لم يقع علينا وتجاوَزَنا، فانطلقت ضحكات الطاقم على صرختي اليتيمة التي جاءت في غير وقتها".

"كانوا يضحكون"، قال وعلى وجهه شيء من فخر الناجي. "بس أنا كنت أعرف: الرصاص ما يفرق بين اللي ضحك واللي خاف".

في هذا البحر -كما تناقلت مجموعته من روايات الطريق- مات في دفعات سابقة موريتانيان وتشاديون وأصيب آخرون، ووقع إطلاق نار بين العصابات حين داهمت إحداها مجموعة كانت تسير مع مهرّب لم يدفع للكارتل حقه.

طريق البحر اختارته أغلبية المجموعة رغم تحذيرات المهرّبين أنفسهم. (الجزيرة - صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)طريق البحر اختارته أغلبية المجموعة رغم تحذيرات المهربين أنفسهم (الجزيرة – صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

"ماما"

بلغوا سواحل المكسيك ليلًا، ونُقلوا في مركبات صغيرة إلى قرية ساحلية، وهي القرية ذاتها التي كانت في روايات تناقلتها المجموعة مسرحا لإطلاق نار قُتل فيه سائق ومهاجر موريتاني عند النقطة نفسها على الشاطئ قبل أيام، فتسري في أجسادهم رعشة خوف وهم يجتازون تلك الطريق.

وصلوا بيتا على شكل حرف "U" تديره امرأة يسمونها "ماما": هي المسؤولة عنه، وهي التي توزع الطعام، وهي – على حد تعبيره – "اللي تقتل وتحيي". سبق القنديل ورفيق له إلى غرفة في الزاوية، وجدا أنها المكان الأنسب للنوم، فوضعا حقائبهما فيها، ثم انصرفا إلى الحمام. حين عادا وجدا شابين تشاديين بالغرفة، وقد توسّدا مكانهما ورميا حقائبهما.

"دخلنا في مشادّة، وفجأة رفعتُ يدي وملأتها من الريح ونزلت بها على خد التشادي. تجمّد في مكانه وجاء أصحابه فحالوا بيننا. قلت له وأنا مُغضَب: خذ المكان؛ أنت رجل دنيء لا تثمر فيه الصحبة". كان يزعجه أن رفيق رحلة لم يفكر إلا في متعة عابرة متجاهلاً أسبقية غيره في عالم لا ينجو فيه أحد وحده.

ثم تصاعدت الأصوات من طرف البيت. تشادي يصيح: "أخذوا فلوسي! المال اللي خبّيته، اللي جمعته عائلتي. راح". توجهت الأنظار نحو القنديل كأنه متهم، وجاءت ماما مع حراسها فطوّقوهم، ورفع أحدهم المسدس في وجهه.

"استجمعت شجاعتي وصرخت في وجهه: اقتلني إن شئت، لكني ما سرقت في حياتي". وأغمض عينيه.

ثم جاء الصوت من ورائه.

كان صوت صاحب المال المسروق نفسه، ذلك التشادي الذي لم يكن بينه وبين القنديل ود ولا صحبة. قال للرجل المُشهِر سلاحه: لسنا على وفاق معه، لكن مثله لا يمكن أن يسرق. فخفض رجل العصابة مسدسه ببطء.

وبعد بحث طويل تبيّن أن السارق مهاجر آخر، وتقاسم المال مع أحد رجال العصابة الموكل بتنقلاتهم ليسكته بعد أن اطلع على سرقته. ضُرب الرجلان، وأعادوا المال لصاحبه. أمرت "الماما" أن يُعلّق رجل العصابة المتعاون مع السارق، ويُجلد أمام الجميع. أما المهاجر فقالوا له: لا علاقة لنا بك بعد اليوم، دبّر أمرك وحدك. العقاب في هذا العالم هو الطرد من مظلة الشركة.

مكسيكو سيتي

ركب المهاجرون الحافلات مرة أخيرة إلى العاصمة. في مكسيكو سيتي تنتهي مهمة بيدرو ورجاله عند باب معيّن. أوقفوهم في نُزُل متواضع وأغلقوا عليهم الباب وقالوا كلمتهم الأخيرة: "لا أحد يراقبكم بعد الآن. هذه حدودنا معكم. وصلتم مكسيكو سيتي، وهذا هو الاتفاق".

يتصل القنديل بمكتب السفريات بموريتانيا ليبدأ فصلاً جديدًا بطله محام. يصنع محام رسمي في المكسيك ملفا للمهاجر يزعم فيه أن له جلسة قضائية في تيخوانا، المدينة الحدودية مع كاليفورنيا، ليصير ذلك عذرًا قانونيًا تركب به طائرة داخلية تختصر طريق البرَّ الطويل إلى ثلاث ساعات. وفي انتظار الترتيبات جلس القنديل في مقاهي المدينة يشرب القهوة "ويمارس الحياة"، منتحلا صفة سائح عابر، كان قد تعلّم أن أنجح تمويه أن تبدو عاديًا تمامًا، أن تجلس في وسط القاعة لا في زواياها.

"الناس تختبئ في الزوايا وتتحرك بارتياب فتنكشف"، قال بحكمة مجرب. "أنا كنت أقعد في أكثر الأماكن انكشافا؛ لا أحد يشك في قاعد في مقهى يشرب قهوته ويراقب المارة".

في مطار العاصمة كان جوازه يبدو طبيعيا، تزينه تأشيرات وأختام سفر حقيقية، بخلاف جوازات رفاقه "البيضاء" التي لا تحمل إلا ختما واحدا يفضحها. لكن ضابط الجوازات حصد الموريتانيين واحدا واحدا من أمام بوابة الصعود للطائرة: "أنت، أنت، أنت تعالوا إلى غرفة التحقيق". يبدو أن ترتيبات مكتب السفريات في موريتانيا لم تكن دقيقة في تحديد ساعة الصفر، فمن المعتاد أن يختاروا وقتًا يناوب فيه ضباط متعاونون يدفع المهربون لهم ثمن غفلتهم.

"ترتيبات مكتب السفريات في موريتانيا لم تكن دقيقة في تحديد ساعة الصفر، فمن المعتاد أن يختاروا وقتا يناوب فيه ضباط متعاونون يدفع المهربون لهم ثمن غفلتهم"

نُقلوا إلى سجن الهجرة في العاصمة، جرت العادة فيه أن تستخلص معلومات من السجين عن طرق التهريب، ثم يُعاد إلى أقصى جنوب البلاد في ولاية تاباسكو (نعم هي أرض الشطّة التي تعرف عزيزي القارئ) ويمنح 30 يوما لمغادرة البلاد. "قدموا لنا بطانيات حقيرة، تشبه القصدير، تلك البطانيات الرقيقة التي يُلف بها الناجون من البحر. ابتكر لها القنديل نظامًا يثبّتها به أثناء نومه، صيّرها ما يشبه الكفن يلتف فيه. وأصرّ عند المغادرة على أن يعدّ نقوده بنفسه أمام الحارس في قسم الأمانات كما فعل عند دخوله حتى لا يُسرق، وكلما احتدم بينه وبين الحرس خلاف، أخذ يردد "حقوق الإنسان"، تلك العبارة التي كانوا يلوّحون بها في وجوه المعتقلِين كأنها تعويذة.

اتصل بأمه من هناك. كان قد قرر ألا يعطيها الإحداثيات الصريحة لرحلته إلا حين يبلغ المطار ويركب الطائرة، حفظاً لقلبها. أخذ يطمئنها: نحن في ملجأ لـ"حقوق الإنسان"، آكلون شاربون، يومان فقط ثم نتحرك. لم يقل لها إنه في سجن. ولم تقل له إنها لم تنم.

"كنت أكلمها وأنا في الزنزانة"، قال لي، ولأول مرة بدا شيء من الانكسار في صوته. "أقول لها: أمورنا طيبة يا أمي. وهي تقول: ما ضربوك؟ وأنا أتضاحك وأقول لها: أبدا!. كان الاثنان يمثلان، كل يطمئن الآخر بكذبة يعرفها.

قبل المغادرة التقاه مسؤول يتكلم الإنجليزية بطلاقة وبعض العربية، وأخذ يطالبه بتسجيل كل معلوماته – منشأه، عمره، أسماء معارفه – وعرض عليه "حق اللجوء والحماية". كان الرجل في الحقيقة يجمع البيانات ويستدرج تفاصيل عن التهريب. سأله القنديل، مُظهرا التوبة والرغبة في التعاون: كم أنتظر للجوء؟ قيل له: 6 أشهر.

"ضحكت في سري"، قال. "6 أشهر؟ أنا ما جيت لهذا". كل ما كان يدور في رأسه وقتها: معاودة المحاولة.

ثم رُحّلوا في حافلة قطعت بهم نهارا كاملا في الاتجاه المعاكس، إلى تاباسكو في الجنوب. أُعيد القنديل إلى نقطة الصفر.

تصميم خاص خريطة المكسيكخريطة المكسيك (الجزيرة)

العودة إلى الصفر.. ثم المحاولة الثانية

ما إن أثبت قدميه خارج الحافلة في تاباسكو حتى تواصل مع مهرّب يعيده إلى العاصمة بألف دولار. استقبلهم الرجل في فندق رديء، وسألهم: "جاهزون للعودة الآن؟" قال أصحابه: ننتظر الغد، لنرتاح قليلاً. قال القنديل: "ما خرجت من السجن لأرتاح في تاباسكو. سنرتاح بعد تجاوز الحدود لأمريكا". وأوصاهم المهرّب بالاستحمام -وأكّد مرتين – ووضع مزيل العرق: سيشحنهم في شاحنة تبن، والحرارة فيها عالية، وقال ساخراً "إن لم تقتلكم الحرارة ستقتلكم روائح بعضكم". انطلقوا قبل الفجر؛ تكوّم القنديل على حقيبته في ظهر الشاحنة وغلبته عيناه، فلم يستيقظ إلا على ضوضاء العاصمة.

عاد إلى الفندق نفسه، سألته موظفة الاستقبال التي ودعته المرة الماضية وداعًا أخيرًا عما حصلَ له، فأجابها بأن الشرطة المكسيكية قبضت عليه وسجنته. بدأت الموظفة ترفع صوتها باللعنات والشتائم للشرطة "ما أحقر تلك الكلاب الأمريكية، الأمريكان يدفعون لهم رواتبهم ليحرسوا أراضينا المحتلّة! تلك الأرض هي أرضنا التي احتلها الأمريكان. لو قبض عليك شرطي أمريكي لكان الأمر أكثر منطقيّة، كانت السيدة تتكلم بحماسة وغضب شديدين، فتحوّلت القصة الجانبية إلى مؤتمر يشارك فيه موظفو الفندق وبعض النزلاء والجميع يكرر استيائهم من السياسة الحدودية والأراضي المكسيكية المسلوبة." ينبع هذا الاحتقان الجمعي من مرارة تاريخية تعود إلى حرب (1846-1848) ومعاهدة "غوادالوبي هيدالغو"، التي تنازلت بموجبها المكسيك مجبرة عن نصف مساحتها الجغرافية تقريبا ــ بما يضم ولايات ككاليفورنيا وتكساس وأريزونا ــ لصالح واشنطن.

بعد أن استقر القنديل في غرفته وغسل عنه بقايا السفر في شاحنة التبن، اتصل بالوكالة في نواكشوط "وأشعل عليهم الخط نارا": لم تكن ترتيباتهم مع موظفي المطار دقيقة فأُلقي القبض عليه. لايَنوه واعتذروا وقطعوا له تذكرة بديلة مجانا – يبدو أن وكالات السفر في نواكشوط تعتني بتقييمات زبائنها من المهاجرين؛ فالسمعة الطيبة بوابة هذه السياحة المحرّمة. وأصرّ، بحساب من جرّب، أن يكون السفر في عطلة نهاية الأسبوع، فطاقم المطار لا يداوم بكامله فيها، ويرتخي التدقيق.

"الويكند عندهم"، قال بابتسامة خبيثة، "هو السُّكر. يوم مقدس لا بد من الشراب فيه، وقليل من يداوم. هذي الثغرة عبرنا منها إلى الحدود".

في المطار استتر خلف رجل مسن يتوكأ على عكازه، حتى بلغ ممر الطائرة المكتظ، وركب، ومر من الهجرة بملفه المرتب دون أن يُفتَّش جوازه. وخرج إلى المدرج وقلبه يخفق، ودخل الطائرة.

على ضفاف الحلم

على بُعد أمتار من الحلم الأمريكي تقع تيخوانا، تلمس سان دييغو كما يلمس الظمآن حافةَ الكأس. يفصلها عن كاليفورنيا سياج من الصلب، وتصلها بها أنفاق لا تُحصى. من هنا تُرى أضواء الضفة الأخرى ليلاً، قريبة حتى يظنها الحالم في متناول يده. وهذا القرب هو لعنتها وثروتها معا. بالنسبة للمهربين فتيخوانا هي الحدود الأغلى ثمنًا على الأرض من يملكها يملك آخر بوابة تفصل بضاعته عن أغنى سوق في الكوكب، ولذلك يُدفع ثمنها دما.

من تلك المدينة أعطى أهله، لأول مرة، إحداثياته صريحة: "وصلت تيخوانا. غدا أصبح في بلاد العم سام".

في أحد الفنادق التقى المهرب الأخير، كان رجلاً متوترًا يبدو أنه تحت تأثير مخدر. أخذهم بالسيارة وتوقف على مقربة من السياج الحدودي عند الأحراش وطلب أن يسيروا على أقدامهم، قال لهم: "امشوا حتى تصدموا بالسياج، ثم اجعلوه عن يساركم؛ بعد نحو كيلومتر ونصف ثمة فتحة صنعها مهرّب سابق تدخلون منها. حفظتكم السلامة، أرجو ألا أراكم ثانية". ثم حذّرهم تحذيره الأخير بإنجليزيته المكسورة: إن رأتكم شرطة الهجرة المكسيكية وأطلقت النار لتوقفكم فلا تتوقفوا. "الرصاص في الهواء"، أخبرهم المهرب، "يوقفك بس إذا خفت. من لا يخاف سيصل. الخوف هو اللي سيمنعك من أمريكا، لا الرصاص". وهكذا ودعهم.

"بالنسبة للمهربين تعد تيخوانا هي الحدود الأغلى ثمنا على الأرض"

عند السياج تلال من الحقائب الملقاة والأوراق المحروقة والملابس المطروحة؛ يتخفف المهاجرون من كل شيء يثقلهم. كان المشهد، كما وصفه، أقرب إلى مقبرة للأمتعة منه إلى سياج حدودي.

سار القنديل في أربعة، معه موريتاني وتونسيان. عند السياج توقف ورفع رأسه فرأى السلك الشائك يتوّج الجدار وقد تدلى منه حبل مغامر سابق لم يلتزم تعليمات المهرّبين. قال لأصحابه: سأدخل من هنا! صاحوا فيه: لكن المهرّب قال نمشي يميناً حتى ندخل من الشبك المثقوب! قال: "لا. أريد الدخول لهذه الأرض الآن. صبرت كثيراً، ولن أنتظر تعليمات أخرى". مرّر حقيبته بين القضبان – "ها قد وصلتِ لأرض الأحلام قبلي، فأحسني استقبالي"، قال لحقيبته التي صحبته طوال الرحلة- وأمسك الحبل وأخذ يصعد. عند القمة الشائكة خلع معطفه الجلدي بخفة وبسطه على الأسلاك، ومال مغادراً المكسيك داخلاً بلاد العم سام. كان الحبل في جهة واحدة، فأفلته للصاعد بعده، واعتنق أحد القضبان وهوى بسرعة ليقع على حقيبته التي كانت تنتظره بصبر. وتبعه البقية.

في حضرة الآلة الأمريكية

سار القنديل داخل الأرض الجديدة نحو اثنتي عشرة ساعة وقطع تلالا وسهولا. ورافقته امرأة مكسيكية معها طفل تطعمه حلوى الجيلاتين كل ساعة ليواصل المشي الطويل، كأنه عربة صغيرة تغذّى بالسكر كي لا تتوقف. بعد 13 ساعة من المشي وصلوا إلى تجمع لحرس الحدود الأمريكي.

اجلس "Sit down". ضابط يصرخ في وجهه، يصفه القنديل بسخرية مريرة: "رجل أبيض قصير يشبه جورج بوش. يتعامل بفظاظة واستفزاز. يركلك كأنك حيوان، أو كأنك ارتكبت جريمة".

"أعرف الإنجليزية جيّدًا، لكني اخترت أن ألعب دور الأبله فألقيت بجسدي على الأرض مستلقيًا على وجهي، والرجل يصيح بكل قوة: قلت لك اجلس".

"لماذا؟" سألته.

"إذا عرفوا أنك تعرف الإنجليزية سيستجوبونك، وسيصلون إلى المكان الذي جئت منه، وسيرسلونك على أول طائرة".

بعد كثير من الصراخ والتغابي حملوهم إلى مقر الاحتجاز.

حُبس القنديل في مقر احتجاز أمريكي في ظروف بالغة الصعوبة (الجزيرة - صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي)حُبس القنديل في مقر احتجاز أمريكي في ظروف بالغة الصعوبة (الجزيرة – صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

جردوهم من أغراضهم ثم أُودعوا ما يسمونه "الشينكو" أو "الثلاجة"، وهي زنازين شبه زجاجية باردة برودة قاسية، تضيئها أنوار كاشفة على مدار الساعة لا تنطفئ، حتى لا يفرّق المحتجز بين ليل ونهار، فيذوب إحساسه بالزمن.

"أربع وعشرون ساعة والضوء ما ينطفي. ما تعرف ليلك من نهارك. هذا اللي يكسر كثيرين فيتجاوبون مع المحقق".

لم يستطع الصلاة أياما، وتعمد ألا يعطي أي معلومة ولا يتفاعل، خوفا من أن يُحوَّل من مسار إجراء بسيط إلى تحقيق. أُعطى كل محتجز ملف فيه صورته وطوله ووزنه، وأول جلسة تسمى "جلسة الاستماع الكبرى"، وهذا الملف يعد سندا رسميا في قضية الإقامة، ليدخل به بصفة "مهاجر غير شرعي".

ثم رُكّبوا في حافلة إلى كاليفورنيا. وكان القنديل طوال هذا يراقب ويتعلم، وينصف من أنصفه: " أغلب الأمريكان لطفاء. إدارة الهجرة فيها المتعاطف وفيها الفظ الغليظ. لكن من يتعاون مع المحقق ويفشي أسراره يضطروه للتوقيع على الترحيل فيغادر، بعض المهاجرين أصحاب القضايا المؤثرة التي تخوّلهم للجوء، يُعد توقيعهم على الترحيل تنازلا عن القضية". تعرف على موريتاني قضى عدة أشهر في التنقل بين معتقلات إدارة الهجرة، ثم انتهى به المطاف على الطائرة عائدا لنواكشوط.

الكأس الثالث.. الحلاوة

ناولني القنديل الكأس الثالث وقد فاحت رائحة النعناع في الغرفة.

"عندما وصلت لكاليفورنيا تعرّفت على الأكسجين. كأننا ما كنا نتنفس من قبل في حياتنا"، قال واصفا هواءها.

في كاليفورنيا استعان بصومالي ليتصل بصديق مصري له جاء بطريقة شرعية للدراسة، كان في انتظاره لاستضافته تغدّيا في مطعم مكسيكي. بقي يردد في وصف كاليفورنيا: "جو عجيب، غريب، جميل".

بعد أيام توجه إلى نيويورك، لأن فرص قبول طلبات اللجوء فيها عالية، فهي "ولاية بُنيت للمهاجرين، وبأيديهم، ولها تاريخ مشرق معهم" وهو انطباع تسنده الأرقام: فمن بين 19 ألف قضية لجوء موريتانية كانت منظورة أمام محاكم الهجرة الأمريكية حتى أغسطس/آب 2025، يتركز أكثر من 5 آلاف في نيويورك وحدها. قدّم ملفه، وحصل على رقم الضمان الاجتماعي وتصريح العمل، فعمل في مرآب سيارات، ثم في الإنشاءات، ثم في مستودعات أمازون. وكان في المدن التي تنقّل بينها يرى عالما عربيا كاملا داخل العالم الأمريكي فيه "جاليات يمنية وعراقية ولبنانية موزعة على كل التخصصات: محاماة، طب، شرطة. تقدر تعيش عمرك من غير ما تتكلم إنجليزي".

كان قد بلغ قمة الحلم، لديه عمل وأوراق ومدينة تتسع للغرباء. كان الكأس في يده حلوا تماما. لكنه بدأ يلاحظ في القعر طعما آخر.

"العمل في أمريكا موجود. لكن نيويورك تحديداً المعيشة فيها باهظة. كل اللي تكسبه يروح على السكن والأكل. ما تقدر توفر شيئا. تلهث خلف الراتب، وما يبقى في يدك آخر الشهر إلا التعب".

"بدأ المناخ كله يتغير بعد تشديد قوانين الهجرة في الولايات المتحدة"

ثم بدأ المناخ كله يتغير من حوله بعد تشديد قوانين الهجرة في الولايات المتحدة. ولم يكن خوف القنديل انطباعا فرديا، بل حياة يومية داخل حملة وصف منفذوها أنفسهم تكتيكها بـ"الصدمة والترويع"، تشمل مداهمات لأماكن العمل والبيوت، واعتقالات قرب المدارس ودور العبادة بعد إلغاء سياسة "الأماكن الحساسة"، وتوجيهات من البيت الأبيض للوصول إلى 3 آلاف توقيف يوميًا، وتصريح لمسؤول الحدود توم هومان بأن البلاد سترى إنفاذا للقانون في أماكن العمل لم يشهد تاريخ الأمة مثله.

وثّقت المنظمات الحقوقية والمتابعات الصحفية نحو 380 ألف توقيف بين يناير/كانون الثاني 2025 وفبراير/شباط 2026، ونحو 73 ألف محتجز في وقت واحد في رقم قياسي، أكثر من 70% منهم بلا سابقة جنائية، كما تم تحويل مستودعات صناعية إلى مراكز احتجاز. وكانت أكبر مداهمة لموقع عمل مصنعَ بطاريات هيونداي في جورجيا في سبتمبر/أيلول 2025، بنحو 475 موقوفا.

أما الموت في الاحتجاز فبلغ في عام 2025 وحده 32 حالة. ثم واصل التسارع: وثّق تقرير لهيومن رايتس ووتش صدر في يونيو/حزيران 2026 وفاة 52 شخصاً في عهدة سلطات الهجرة منذ مطلع عام 2025، بمعدل وفاة كل تسعة أيام، وهو تسارع يفوق نسبيا نموَّ أعداد المحتجزين أنفسهم. ورصدت دراسات لمعهد بروكينغز انكماش الإنفاق وحركة المرور في الأحياء المهاجرة، وأن واحدا من كل ستة أمريكيين تجنّب الحركة في الأماكن العامة خوفا.

"داهموا أمازون"، قال واستعاد المشهد بتفصيله. "المدير طلع يقول: إدارة الهجرة في الخارج، من ليس لديه غرين كارد فليغادر فورا. الناس هربت بسياراتها ووقف العمل في لحظة. واتصل بي خالي وصوته يرتجف: الهجرة في المجمع السكني اللي أسكن فيه، قلت له وهم أيضا في أمازون حيث أعمل. أنا جايك حالا. علينا أن نغادر المدينة". كان القنديل قد انتقل إلى ميشيغان طلبا لرخص المعيشة، لكن نشاط دائرة الهجرة فيها كان فظيعًا.

ثم جاءت الضربة التي أجهضت مشروعه الأخير. كان يخطط لقيادة الشاحنات الكبيرة، حيث الرزق الوفير الذي يحلم به كثير من المهاجرين. لكن في 12 أغسطس/آب 2025 قام سائق هندي يحمل رخصة كاليفورنية لـ"غير المقيمين"، اسمه هارجندر سينغ، بالاستدارة على طريق سريع في فلوريدا، فقتل ثلاثة أشخاص ووُجهت له ثلاث تهم قتل بالمركبة، يتذكرهم القنديل "ثلاث فتيات صغيرات"؛ هكذا وصل الخبر إلى مسامع المهاجرين، والموثَّق أنهم ثلاثة أشخاص.

تلا الحادثَ أمر تنفيذي من ترمب يشترط إتقان الإنجليزية على السائقين، ثم أمر طوارئ من وزارة النقل الأمريكية في سبتمبر/أيلول 2025 يقصر رخص المهاجرين على حاملي تأشيرات عمل بعينها. وقد صار القانون منذ ذلك الحين قرارا نهائيا نافذا أصدرته إدارة سلامة النقل الفيدرالية في فبراير/شباط 2026، ورفضت محكمة الاستئناف الفيدرالية في واشنطن تجميده ريثما يُبتّ في الطعون، وتقدّر الوزارة نفسها أن نحو 194 ألف سائق سيفقدون تدريجيا أهلية تجديد رخصهم. باب رزق كامل أُغلق في وجه المهاجرين، ولم يُفتح بعد.

لم يكن خوف القنديل انطباعاً فردياً، بل حياةً يومية داخل حملةٍ وصف منفذوها أنفسهم تكتيكها بـ"الصدمة والترويع" (الجزيرة - صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي)لم يكن خوف القنديل انطباعا فرديا، بل حياة يومية داخل حملة وصفها منفذوها أنفسهم بـ"الصدمة والترويع" (الجزيرة – صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

"النهار اللي صار فيه الحادث قرأت الخبر وعرفت أن خطتي ماتت. حادث في طرف أمريكا أغلق رزقا في طرفها الثاني. قرار واحد، غيّر مصير آلاف لا ذنب لهم".

عودة البضاعة إلى عنوان المرسِل

"الحلم الأمريكي، الذي قطعت من أجله نصف الكرة الأرضية ودفعت فيه مالي وصحتي وكدت أدفع روحي، تبين أنه سراب بالنسبة لي". هكذا قال لي بمرارة.

"قضيتي عُلّقت تسمّرت حالتها "Pending"، ما تتقدم ولا تتأخر. شفت شبابا قضوا سنين ثم انتهوا في السجون ستة أشهر قبل ما يوقّعوا على الترحيل، ما كسبوا شيئا. والخوف الدائم من المداهمة، والمصاريف اللي تاكل كل اللي تكسبه. قلت: بس. خلاص".

حتى مايو/أيار 2026 كانت محاكم الهجرة الأمريكية تنوء بأكثر من 3.2 ملايين قضية منظورة، بينها نحو 2.3 مليون طلب لجوء ينتظر جلسة أو قرارا، ولا يحظى بمحامٍ عند صدور أوامر الترحيل إلا نحو ربع المهاجرين. ولمن يُرحَّل من الموريتانيين خصوصا وجه أشد صعوبة وثّقته منظمات حقوقية يشمل السجن شبه المحتم فور الوصول، واستجوابا قاسيا عن سنوات أمريكا. والأصعب، فقد ابتكرت آلة الترحيل نفسها طريقة أخرى للتعذيب، حيث وثّقت وكالات أمريكية في عام 2026 أوامر ترحيل بحق أكثر من 13 ألف طالب لجوء إلى "بلدان ثالثة" لا صلة لهم بها، بينهم موريتاني في ميشيغان قيل له إن وجهته هي أوغندا.

باع القنديل سيارته، وصفى حساباته، وعاد. عاد كما تُردّ السلعة إلى رفّها، بعد أن دارت نصف الأرض ولم تجد من يشتريها.

وضع الكأس على الصينية، وقام لاستقبال ضيوف آخرين جاؤوا يهنئون بالسلامة. ولم يكمل الجملة.

تركته في بيت أبيه، حيث الأم لا تزال تتلمس وجه ابنها كي تتأكد أنه ليس طيفا، والأب يصبّ لضيوف جدد كأسهم الأول. وفي الخارج كان ليل الدوحة ساخنا كنهارها ولكن مع رطوبة أعلى. وفي نواكشوط وفي غيرها، كان شباب آخرون تدور في رؤوسهم الفكرة ذاتها التي دارت في رأس القنديل عام 2022. وآلة الهجرة لا تزال تدور، تبتلع الحالمين واحدًا تلو الآخر، لا تعرف اسما ولا وجها ولا حلما، إنما أرقاما في الطريق وبضاعة رائجة.

أما هو، فكان قد عاد. حقيبته لا تزال في الزاوية، عليها أثر ملح من محيط بعيد، لم تُفتح بعد.

المصدر: الجزيرة