تعد "التواصلية" أصلا ركينا تؤدي به اللغة وظيفتها الأساسية، المتمثلة في "ربط الفرد بمجتمعه المحيط، ونقل المعاني والأفكار، والتفاعل ضمن سياقات الحياة اليومية والاجتماعية"، غير أن حصر اللغة في هذا الأصل فيه تحجير كبير وتحكم سافر؛ إذ تمثّل "الانزياحية" جزءا من الكينونة اللغوية، تتنفّس به الكلمة هواء المجاز، وتحلق به في سماوات الاستعارة وأجواز التورية.
وفي منزلة بين منزلتي التواصلية والانزياحية يقع "التشفير"، الذي يعرّف -اصطلاحا- بأنه "عملية تحويل البيانات القابلة للقراءة إلى رموز غير مفهومة؛ لحمايتها من المتطفلين؛ بحيث لا تمكن إعادتها إلى شكلها الأصلي إلا باستخدام مفتاح سري خاص"!
فطنة المرسل ونباهة المستقبِل
ولربط الفقرتين المتقدمتين بالعنوان أعلاه، تجدر الإشارة إلى أن الرسائل (المكتوبة) -كحال اللغة- تنقسم إلى مباشرة؛ يستوي في فهمها عامة القراء، ومشفّرة؛ لا يكشف غموضها إلا من أحاط فهما بمراد الكاتب، الذي يعتمد في صياغتها التعمية والتمويه!
أما النوع الأول فتدخل فيه الرسائل والبرقيات الشخصية العادية، التي لا يخشى على مضمونها الانكشاف، أو يؤتمن عليها حاملها.. وأما النوع الثاني (موضوع الأكتوبة) فتدخل تحته الرسائل ذات المضمون الحساس، أو المحتوى الخاص، أو ما في حكمها مما يرغب مرسله في إبقائه سرا بين اثنين، أو يرمي إلى حشره في خانة ضيقة وحصره في حيز متخصّص، وهي -في نسختها الشنقيطية- حالة تعمية وأداة تشفير، متأثرة ببيئتها العلمية.
وغالبا ما تكون فنون اللغة ومحفوظات الشعر مادة التشفير والتورية، كما لا تخلو المشفرات -عادة- من "ألعاب الذهن" اللغوية،
ليستأثر المرسل والمستقبل بمغزى الرسالة دون حاملها، الذي يجد نفسه -في أحسن الأحوال- آخر من يفهم!
مشفرات محظرية
ومن أبرز أمثلة الباب -في الثقافة الشنقيطية والوسط الموريتاني- رسائل التورية المتخصصة، التي كُتبت حرصا على التعمية أو حفظا للسرية، في حالات شخصية، أو مناسبات اجتماعية.. ومن ذلك رسالة العلّامة محمد بن حبيب الله اليعقوبي (المشهور بـ"المجيدري")، التي بعثها إلى والدته، بعد سفره إلى المغرب، وهو -حينئذ- ابن خمس عشرة سنة، وقد جعل الرسالة "مرفقا توضيحيا" يبين تفاصيل هدية بعث بها إلى أمه، ويحدد عناصرها (بعد "حلّ الأحجية" و"فك الشيفرة" طبعا!).
وتشمل الهدية: سلهاما (رداء تقليدي فضفاض مزدوج -رجالي/نسائي-، مشهور في بلاد المغرب العربي)، وزربية (تكون -عادة- بساطا من السجاد الفاخر).. ويبدو أن صاحبنا لم يجد رسولا ثقة يأتمنه على الهدية، ففكر في حل "تصل به الرسالة" دون أن يستطيع الرسول التنصّل من إبلاغها بنفسه، على الطريقة التي حمل بها خادما الزير سالم رسالته الشعرية:
من مبلغ الحيين أن مهلهلا؟
لله درّكما ودرّ أبيكما!..
فكانا كالباحث عن حتفه بظلفه؛ حيث فهمت ابنة أخيه اليمامة بنت كليب مقصده، وأكملت الشطرين، فإذا هما بيتان واضحان صريحان، يتضمنان أمرا جازما بقتل حاملي الرسالة المشفرة، فورا:
من مبلغ الحيين أن مهلهلا
أضحى قتيلا في الفلاة مجندلا؟
لله درّكما ودرّ أبيكما
لا يبرح العبدان حتى يقتلا!
أما رسالة المجيدري المشفرة (النثرية)، فقد وجد حاملها نفسَه أمام أم قابلت حدة ذكاء اليمامة وسرعة بديهتها بسعة معرفتها هي وتمكّن موسوعيتها، فاستغرقت -في فك شيفرة الرسالة- وقتا يناسب تشابك الإحالات وتعدّد وجوه التورية، التي يتطلب فكّ غامضها وحلّ عويصها حظا عظيما من الإحاطة بمحفوظات الشعر وقواعد اللغة، وقد جاء في نص الرسالة المشفرة: (سلام بزيادة لام ماءٍ إلى لامه، وإحدى خبر كأنّ في قوله: "تردّيت.." إلى آخر كلامه)!
ولما وصل الرسول دفع الرسالة إلى الأم، واحتفظ بالهدية لنفسه، فلما قرأت الكتاب، قالت له: هات السلهام، والزربية، فبهت الرجل، وسألها: من أين عرفت ذلك؟
فأجابته: من الرسالة! ثم بينت له المغزى، قائلة: أما قوله: (سلام بزيادة لامِ ماءٍ إلى لامه) فإنّ لام ماءٍ -أي: حرفه الثالث، حسب الاصطلاح الصرفي- هاء؛ فأصله مَوَه، فإذا أضيفت الهاء إلى لام سلام صارت سلـهـاما، وأمّا قوله: (وإحدى خبر كأن في قوله: ترديت.. إلى آخر كلامه)، فإني راجعت محفوظي من الشعر المبدوء بـ"ترديت"، فوجدت قول غيلان:
ترديت من ألوان نور كأنها
زرابي وانهلت عليك الرواعد
وخبر كأن هنا زرابي، وإحداها -أي مفردها- زربية!
المصباح السري!
ومن عجائب المكاتبات الشنقيطية، التي قد يبدو فكّ شيفرتها رياضة ذهنية -أو لعبة لغوية- أشبه بحل الكلمات المتقاطعة وتمرين القراءة بالمقلوب، رسالة العلامة مَمُّ بن عبد الحميد الجكني، التي بعث إلى أخته، خلال دراسته المحظرية، يخبرها باحتياجه إلى أداة إضاءة يستعين بها على المطالعة الليلية، بعدما آذاه ضوء النار الموقدة.
وكان قد أخبره شخص أن قريبا له قدم من السنغال بشمعدان (مصباح تراثي، عبارة عن حامل شموع، اسمه الشعبي -في الثقافة الحسانية- "الحسكة")، فرغب في الحصول عليه؛ لأمانه على عينيه، اللتين أجهدهما طول السهر مع التعرض المباشر للهيب النار وشررها المتطاير، فانتهز فرصة سفر زميل له إلى حيهم البعيد، فحمّله تحيته وسلامه إلى أخته، وسلمه ورقة يوصلها إليها، كتب فيها:
"مرسله يحيي مدة وجود نهار، الأوائل، ملتمسا منها ضد مقلوب ما قبل النون من قول الشاعر:
تمل ظنون الآيسين ولا أرى
ملالا لدينا منك قبل ولا بعد"
فلما وصل الرسول سألته الأخت عن حال أخيها، فطمأنها عليه، وسلمها الرسالة، فلما قرأتها فهمت محتواها المشفر، وعلمت أن أخاها يطلب منها أن تستعير له المصباح المذكور، من امرأة من الحي اسمها ميمونة، وقد استدلت على ذلك بالحروف الأولى من كلمات الرسالة:
مـ ـرسله/ يـ ـحيي/ مـ ـدة/ وجود/ نـ ـهار، فعلمت أنه ترخيم اسم ميمونة (م.ي.م.و.ن)، وعرفت أن كلمة "الأوائل" إشارة إلى بدايات الكلمات الخمس، مع حذف التاء؛ لأنها تسقط في حالة الترخيم، وأما "مقلوب ما قبل النون" فقد أشار به إلى بداية بيت الشاعر جميل بن معمر (جميل بثينة)، المذكور في نص الرسالة: تمل ظنون الآيسين… فما قبل النون (الأولى) "تمل ظـ"، ومقلوبها -أي قراءتها من الشمال إلى اليمين- "ظلمة"، وضد الظلمة هو الضوء.
فأدركت أنه يطلب مصباحا يستضيء به ليلا، بدلا من إشعال النار. ومن عادة نوابغ المحاظر الشنقيطية أن يستعينوا على قضاء حوائجهم بالتشفير، فيما كبر من الأغراض أو صغر؛ لأن في ذلك حفظا للخصوصية، وحدا من المباشرية، إذا وقعت الرسالة في يد متطفل أو فضولي!
أقصر رسالة في التاريخ!
ومن المراسلات الشنقيطية التي يُدخلها الإيجاز في باب التشفير، مع ترك الكاتب الاسترسال, ودخوله في الموضوع مباشرة، بدون مقدمة ولا شرح، المراسلة التي جرت بين عبيد بن سيد أحمد بن الإمام المجلسي وابن عمه اجكاني بن الشيخ بن الإمام.
وكان اجكاني قد وعد ابن عمه أن يمنحه ناقة (حلوبا)، فأراد عبيد أن يذكره بوعده، مكتفيا بوجيز الإشارة، فبعث إليه رسالة لم يزد فيها على كتابة حرف الفاء "ف"، فلما وصلت الرسالة اجكاني بعث الناقة إلى عبيد، وأعاد إليه الرسالة بعد وضع نقطة فوق تلك الفاء، لتتحول إلى قاف، وقد فهم اجكاني الرسالة المشفرة، التي لم تكن مجرد حرف؛ بل كانت فعل أمر من الوفاء: "فِ"، أي: أنجز وعدك، وامنحني الناقة.
ومع أن حرف الهجاء هو أصغر وحدة في بناء الكلمة، فقد كان جواب اجكاني أشد إيجازا وأكثر اختصارا؛ إذ لم يزد على نقطة واحدة، غيرت المعنى ونقلته من سياق المطالبة بالوفاء إلى الأمر بالمحافظة على الناقة والعناية بها (قِ فعل أمر من الوقاية).
وليس ذلك من باب الإكرام المستحق للإبل فقط؛ بل فيه -أيضا- إشارة بليغة إلى أنّ القيام على ناقة شائلة وحفظها، تحت قسوة الظروف البيئية المحيطة -فوق حالتها البيولوجية الخاصة- أمر في غاية الصعوبة والمشقة، فانتقالها من يد المعطي -عن طيب نفس- أمر يسير عليه، وحفظها -في تلك الظروف- شاق على المستلِم؛ لما يلحق ذمته من مكابدة وعَناء!
وإذا كانت الرسالة التي أبرق بها الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو مستفسرا جهة النشر عن مبيعات رواية "البؤساء" التي أرسلها للنشر عام 1862، إذا كانت رسالته جاءت على شكل علامة استفهام "?" (فقط)، وصنفت أقصر رسالة في التاريخ، مع جواب الناشر، الذي بعث إليه رسالة -عبر التلغراف- عبارة عن علامة تعجّب "!".. فإن رسالة اجكاني الشنقيطي أحق منهما بذلك اللقب؛ إذ لم تزد على نقطة كتابية واحدة!
أما رسالة فيكتور وجوابها فكلتاهما علامة ترقيم مكونة من مقطعين (ثانيهما نقطة) وليس فيهما حرف واحد! وقد قصد هوغو أن يسأل هل حققت روايته ربحا ماديا؟، وأما الناشر فقد أراد إخبار الكاتب بتحقيق الرواية إنجازا باهرا، وإحرازها نسبة مبيعات مرتفعة. فأين رسالة فيكتور وجواب ناشره من رسالة اجكاني في الاختصار والتشفير؟!
تشفير شفهي!
ولأن المحظرة الشنقيطية رمز الثقافة العالمة في موريتانيا، سأختم السرد بقصة طريفة، تحوي رسالة مشفرة، لكنها -هذه المرة- شفوية؛ لا مكتوبة.
فقد اتفق أن العلامة المختار بن بونا الجكني كان له تلميذ من عادته أن يبسط الطعام على أطراف الإناء، ولا يأكله حتى يبرد، وحدث أن قدم تلميذان جديدان، فأنزلهما الشيخ مع التلميذ في انتظار تسوية وضعية سكنهما وتعريفهما على المحظرة وعادات طلابها.
ويبدو أن التلميذ لم ينسق مع زميليه الجديدين، أو لعلهما لم يتفهما حالته؛ فكانا لا ينتظران الطعام حتى يبرد، ولا يرفعان يديهما حتى تفرغ الصحفة من جوانبها!. فلما طال عليه الوضع وتكررت الحادثة، انتهز فرصة جلوس الشيخ للتدريس، فسأله قائلا: يا شيخنا، أين يأتي هذا البيت شاهدا؟
طوى الجديدان ما قد كنت أنشره
وأنكرتني ذوات الأعين النجل!
ففهم الشيخ الرسالة المشفرة، وأدرك مراد التلميذ، فعمل بمقتضى الإشارة، وصرف التلميذين "الجديدين" إلى جماعة لا يضايقها أسلوبهما السريع، وأتاح للتلميذ المتراخي أخذ راحته في التمهل والاسترخاء..
ولا يخفى أن مراد التلميذ من البيت (الذي ينسب للشاعر العباسي أبي السعود المخزومي) إنما هو الشطر الأول؛ فهو محل الاستشهاد، وقد قصد الشاعر بـ"الجديدين": الليل والنهار، ذاكرا أن تعاقبهما أضعف حركته وأرهق نشاطه، وقد كنى عن فعل الزمن بالطي؛ لأنه نقض وتقويض، وعن نشاطه هو بالنشر؛ لأنه انطلاق وحيوية.
وأما التلميذ فقد قصد -ببساطة- أن زميليه (القادمين حديثا) كانا يسرعان في تناول الطعام الحار، الذي كان يبسطه على حافة الإناء!
محصلة
مما تقدم تبدو الرسائل المشفرة الشنقيطية -في الغالب- مسطورات مثقلة بالإحالات، مقتبسة من نور المحظرة، يشترك مرسلها ومستقبلها في حدة الفطنة وحضور الذهن، مع سعة الباع العلمي، وموسوعية الاطلاع المعرفي، وهي بذلك تقع في حدود مشتركة مع رسائل الأحاجي والألغاز، التي تستحد الأذهان وتشحذ الأفهام.
غير أن الأخيرة تدخل في باب المساجلة العلمية، المراد إفشاء مضمونها "التعليمي" -بمجرد انقضاء وقت الامتحان و"تسليم ورقة الإجابة"، أما "المشفرات" فمدارها على التورية والتكتم، ولا يراد لها -ولا لحلها- أن يتجاوز حيز المرسل والمستقبل (إلا إذا ارتفع موجب الإسرار، وزال سبب الكتمان).
وربما وجد القارئ -في بعض النماذج المتقدمة- رائحة التأثر بمدرسة الصناعة اللفظية والتلاعب اللغوي، على طريقة الحريري، التي وضع بها الخطب الخالية من التنقيط، ونظم الأبيات التي تقرأ من الجهتين، مغرقا في استعراض مهاراته اللغوية. ويبدو من رسالة عبيد وجواب اجكاني أن سطور التشفير قد تتقلص، حتى تبلغ الغاية في الاختصار، فتنضغط في حرف ونقطة!
