"كتاب قصير"... من أجل وطن اسمه: موريتانيا

"كتاب قصير"... من أجل وطن اسمه: موريتانيا

د. محمدُّ أحظانا

 

          المقدمة.       

ورد علي سؤال من صديق أحترمه، طلب مني الرد عليه من منطلق اهتمامي بتشكل الوعي الموريتاتي حول مفهوم الأمة ومتعلقاته. 

صيغة السؤال هي: - لماذا نلمس اعتزاز جميع الجاليات في الخارج بانتمائها لأوطانها، بينما نلاحظ ضعف هذا الاعتزاز والتردد في إبدائه علانية بالنسبة للجالية الموريتانية في الخارج؟     

***       

مدخل الكتاب:      

ينشأ الاعتزاز بالوطن والوعي بالانتماء إليه فطريا لدى أي إنسان سوي،  إذا تعلق بالمكان الذي ولد فيه وتربى وعاش. 

فإذا كان مستقرا تعلق الاعتزاز بمدينته أو مدنه المترابطة، وإذا كان مرتحلا تعلق بالحيز الذي يتحرك فيه جيئة وذهابا.

ولكي نفهم طبيعة اعتزاز الموريتاني بوطنه وانتمائه لأمته، سنحاول في هذا الكتاب القصير أن نجيب على أربعة أسئلة محورية نتبعها بالإجابة على خامس متولد منها. إجابات يمتزج فيها التشخيص والتعليل والوصف والاستقراء الجزئي، والاستناج وتصور بعض الحلول:      

السؤال الأول: -ماهي العلاقة بين الإنسان الموريتاني وأرضه الحاضنة له تاريخيا، قبل نشوء الدولة الموحدة؟   

السؤال الثاني: ما أهم المراحل التي مر بها الوعي العمومي بالانتماء لأمة، أو شعب واحد في المرحلة الأميرية والاستعمارية؟  السؤال الثالث:  كيف تعاطت النخبة الوطنية بمختلف مشاربها الفكرية والمذهبية مع مفهوم الانتماء للوطن الموريتاني بعد نشأة الدولة الوطنية؟ 

السؤال الرابع: - ما الحصيلة التي يعكسها الواقع النفسي المعنوي والمحسوس على الوعي العمومي والشخصي للإنسان الموريتاني اليوم، في شأن اعتزازه بالانتماء إلى أمة ووطن موحدين؟ 

   الفصل الأول: أبحار خاطف في تاريخ التشكل

السؤال: ماهي طبيعة العلاقة التاريخية بين الإنسان الموريتاني وأرضه، قبل نشوء الدولة الموحدة؟     ينشأ الاعتزاز بالوطن والانتماء للأمة من ألفة تنمو مع الإنسان فطريا، تعززها التربية، والوعي بالمصلحة الذاتية و المشتركة في أربع حاجات لدى هذا الإنسان: -الإيواء؛ 

-المعاش؛ 

-الحماية؛ 

-إشباع خاصة التعود والألفة.

 تعزز هذه العوامل: 

-ندرة البدائل عن الوطن، -ترسيخ المنظومة الاجتماعية للارتباط بعموم الأرض تملكا واستخداما؛ 

-والإحساس بالترابط المشترك مع المساكنين في الحيز المكاني و الإطار الزماني. 

فماذا أفرز التراكم التاريخي الموريتاني من هذه الثوابت وتوابعها؟    

نلاحظ أن الشعب الموريتاني، هو الشعب الوحيد الذي انتقل -تاريخيا- تحت وطأة الندرة المعنوية والمادية، من المدنية إلى البداوة، في غالبه، خلافا لقواعد العمران المعروفة. 

كان ذلك نتيجة واقع مركب، منه: اعتماد المجموعة البشرية  غالبا على تنمية الحيوان في وسط صحراوي أو شبه صحراوي، مما تطلب رحلة شتاء وصيف (مكونتا البظان والفلان).

 أما (إيمراگن و الولوف والسنونكي) فمالوا إلى التقري غير المعماري (الأخصاص والأعرشة) لاعتمادهم على الفلاحة والصيد النهري والبحري، وكان لديهم استقرار في أحوازهم.  

وبالتالي لم ينشأ من العمران سوى ما هاجر أغلب سكانه من مدن قديمة في الشمال و الشرق. تعد على أصابع اليد (القصور). 

هذا الواقع التاريخي خفف الارتباط النسبي بأرض معينة ذات حدود كالمدن بالنسبة لغالبية السكان الموريتانيين.  

- أما الأمن بمعناه الواسع فكان خاضعا لعاملين: 

عامل الوفرة المعاشية؛ وعامل الندرة الطبيعية. وعلى أضواء هذين العالمين ساد الأمن، بالمعنى الأوسع؛ أو عدم الأمن. مما أوهن الارتباط بالمكان أو الحيز المحدود.  وكان هذا من أسباب انعدام تسمية موحدة للأرض الموريتانية فعرفت بصفة أهلها الغالبة: اللثام: أرض الملثمين. أو بالقبائل: صنهاجة وحسان؛ والفئات الاجتماعية؛ و الإمارات الحسانية والصنهاجية لاحقا؛ أو بالمناسبات: مناسبة نازلة الوقف المكي، و الإقليم "الشنقيطي" الذي  يأتي منه الركب الحجي.   

وعندما حل الاستعمار مطلع القرن العشرين جاء باسم روماني لايصدق على الأرض وإنما على بعض بلدان المغرب العربي قبل الميلاد. فتميع الانتماء بغموض وتراوح الاسم بين واحد محبب لحمولته الدينية،  وآخر مستغرَب، لاقترانه بالاستعمار. 

ولأن الاستعمار قرر عدم إعمار الأرض بعد مقتل رائده اكزافيي كبولاني (ت:1905 في تجگجه) لم تنشأ مدن مترابطة في عهده كما المستعمرات المجاورة، وإنما  استحكامات وقلاع أمنية وإدارية.  

وزاد التميع وجود عاصمة نهرية استعمارية هي (اندر). تبنى كثيرون مبدأ الهجرة عن أرض الكفر، ودليل ذلك كثير ومنه گاف الأمير سيد ولد محمد لحبيب قبيل هجرته شمالا: لكنت ابجيش للجهاد* نبذل جهد فيه او كاف* ويل ماريت يسو زاد* انگاف وانتم امگاف*. 

كان الارتباط باندر العاصمة ضعيفا جدا، مع معظم الأقاليم المترامية في فترة الاستعمار مما غيب وحدة الشعور بالانتماء الموحد. كللت هذه المرحلة بإعلان دولة الاستقلال في خيمة من الشَّعَر. ومرت عليها خمس سنوات وسكانها لم يتجاوزوا الألفي  ساكن أغلبهم يسكن الخيام وينفر من الدور. 

وبالتالي لم ينشأ وعي جديد بالعاصمة الموحدة، وهو وعي ضروري لتوليد مفهوم الوطن الواحد. فكان "الوطن" مقتصرا على أرض القبيلة، أو القرية على مدى عقود. 

-فماذا بعد؟ 

 الفصل الثاني: 

محطات على درب التشكل 

السؤال: ما أهم المراحل التي مر بها الوعي النخبوي و العمومي بالانتماء لأمة، أو شعب واحد؟         

 بذلت السلطة الجديدة على يد الرئيس المؤسس المرحوم المختار ولد داداه جهدا إعلاميا وسياسيا وإداريا وإجرائيا، وتربويا.. في دمج الأبعاد الوطنية المحدودة من خلال: - -تحرير قانون واحد- 

-تشكيل إدارة واحدة

-إنشاء إذاعة واحدة

-تشكيل جيش واحد وأمن واحد.

-سن  منهج تربوي تعليمي واحد.

-تأسيس حزب واحد.

-بلد واحد له حدود من كل الجهات [لحْدادة]

-إصدار بطاقة هوية موحدة

-اعتماد إدارة إقليمية واحدة.

- تعيين برلمان واحد، وحكومة واحدة، وقضاء واحد،، واختيار اسم واحد، وعاصمة واحدةو علم ونشيد وطني.. 

وقد واجهت هذه الخطوات عوائق من  معارضة نظيرة من ضمنها الأمراء والحركات النزوعة إلى الانضواء في السودان الغربي جنوبا وشرقا، أو إلى المغرب شمالا. 

وهو وضع أربك الوعي المشكل لوعي راسخ بالانتماء لوطن جديد عرفته الحكومة بأنه "همزة وصل"، في درج تجاذبات وأطماع لانهاية لها. فاغترب الولاء للبلد، أو أصبح الوعي به جزء من عنوان أكبر يسكن الجوار الجغرافي إلى حين. فكيف تطورت الأمور؟  

 الفصل الثالث: أداء النخبة الموريتانية في استنبات الانتماء

 السؤال: كيف تعاطت النخبة الوطنية بمختلف مشاربها الفكرية والمذهبية مع مبدأ الانتماء للوطن الموريتاني بعد تأسيس الدولة وخروجها من صعوبات المخاض و الميلاد الصعبين؟  

ثمة واقع جديد فرضه المكون السكاني الأول للعاصمة الجديدة، ترتب على نقل عاصمة البلاد من مدينة [اندر] إلى سهب نواكشوط، وهو أن أغلبية سكان العاصمة "الرسميين"، الموظفين وأسرهم، كانوا وافدين من سكان اندر، الناطقين بالفرنسية أو اللغات الوطنية، لأن الإدارة كانت مفرنسة ومن القوميات الأفريقية أساسا، وكان هذا التشكيل البشري الوافد من ضرورات الدولة الناشئة في فراغ حر من العمران. 

 هذا الواقع ولد لاحقا حساسية لدى هؤلاء السكان  من زحف بشري وثقافي ناطق بالحسانية والعربية، شكل حزاما متناميا من المخيمات يحيط بالمدينة، نشازا في تناغم الإدارة وطاقمها البشري في: الصحة، والبريد، وموظفي الإدارات الحكومية والإقليمية، والتعليم.. فكان هذا الزحف البدوي من [ناروگنار] مدعاة لتلك الحساسية المتزايدة بسبب المنافسة على الموارد الشحيحة، والتوجس الانفرانفوني من الثقافة العربية التي تطل برأسها من كل فج عميق على ثقافة المدينة الناشئة. وكان للمؤطرين الاستعماريين المصاحبين لهذه الإدارة الناشئة دور محوري في زرع بدور الاحتراب الاجتماعي، من مبدأ فرق تسد، ولو لاحقا عند الحاجة،  تنمية لهواجس الارتياب، التي تحورت لاحقا إلى احتكاك "قوموي" مؤسف بعنوان ثقافي، بين الوافدين  من جهة، وبين سكان البادية المحيطين بهم فعليا: (التعريب والفرنسة). 

كان الاحتكاك إذن؛ بعنوان ثقافي وتطبيق قوموي، فتلبدت سحبه وبعد ست سنوات من الاستقلال وقع الاستقطاب، بين الرافدين: رافد الانتماء والولاء الأفريقاني؛ مقابل رافد  الانتماء والولاء للفضاء العربي رغم صدوده.. عندها تفرقت السبل بأهل العاصمة وامتداداتها الداخلية: 

ومن هذا المخاض نشأت الحركة القومية الأفريقية؛ ونشأت الحركة القومية العربية. 

ونتيجة لحدة الاستقطاب نسي الطرفان أن وطنهما مشترك، وأن الأرض تسع الجميع،  شدت أبصار الولاء خارج البلد إما جنوبا وشرقا، وإما شمالا. 

كانت تلك هي النكبة الثانية في وجه الانتماء الفطري والمكتسب للوطن الموريتاني، كما كانت نكبة الشرخ التاريخي في الاسم مع الاستعمار الفرنسي من قبل. 

أما الدولة الناشئة فقد رفعت شعار "همزة الوصل" التي لا عبرة بها في حمأة التجاذب نحو مرجعيتين خارجيتين. أزمة الشعور بالانتماء إلى موريتانيا واجهت واقعا جديدا هو حل التضاد بين مكونتي الشعب الموريتاني. وكان من أبرز الحلول السياسية المؤثرة ما أتته حركة الكادحين اليسارية، التي تشكلت من القوميين العرب والقوميين الزنوج. وكان من المنطقي أن يكون هذا التصالح اليساري، المعارض للرؤية السائدة وللسلطة، سببا منطقيا لميلاد الإحساس العام بوحدة وطنية، ينجم عنه الإقتناع العميق بالانتماء للوطن الموريتاني الواحد. 

لكن هذه الحركة السرية الجماهيرية المنظمة تنظيما محكما، لم توفق في تسريب رؤيتها الوحدوية إلى عموم المواطنين لثلاثة أسباب كما أرى: 

1- كون الحركة تحمل شعار الأممية مبدأ لها. وتنتمي إلى أيديولوجيا اشتراكية. مما جعل سؤال الانتماء لموريتانيا مشمولا في رسالتها الأممية ككل. 

2- كونها حركة مطلبية اجتماعية وسياسية ذات توجه يساري رادكالي، تعمل على تغيير السلطة جماهيريا.. ممارخلخل ثقة و اطمئنان المواطن للسلطة الناشئة الموسومة ب (الرجعية عندها). 

3- نجاح السلطة في تشويه سمعة الحركة دينيا، لدى مستمعي الإذاعة الوطنية وحواشي الإدارات الإقليمية، و أقسام حزب الشعب المنتشرة في أنحاء الوطن، والشعب الذي تؤمن أغلبيته الصامتة ب، أو تخاف من الحكومة. 

هذه العوامل الثلاثة أحدثت خللا في التواصل الآمن مع النخبتين: الحاكمة والمعارضة، أدى إلى عدم تنامي الشعور بالانتماء الوطني المحض والثقة الكافية، كما هو متوقع. 

وقد أدت تلبية مطالب الحركة لاحقا، وحرب الصحراء.. إلى قصر عمر التجربة الذي اتسمت به حركة الكادحين فكان انشطارها، وتجاذباتها شاغلان عن ترسيخ مبدأ المواطنة بالتربية السياسية الجماهيرية عبر الخلايا السرية، مما أحدث أزمة في تأثير خطابها الوحدوي التحرري جماهيريا، إلى درجة ولدت حركات أخرى مشتقة منها، تحمل بعض مطالبها مثل حركة الحر.. التي رفعت شعارا من شعارات الكادحين وهو "محاربة الرق"، حيث كان يقول الكادحون في بداية السبعينيات من القرن الماضي ينشدون:  

"ابذل جهدك* نبذل جهد* مان عبدك* مانك عبدي*"؛ 

وارتكس بعض المناضلين إلى حالة التناظر الأدلوجي السابق بردة سياسية مشهودة.

 في غمرة هذه التفاعلات عاد إشكال المرجعية الخارجية لينافس مبدأ الانتماء الوطني بقوة ارتجاع أشد، ومن آخر الأمثلة الكبرى على تأثير هذه الاهتزازت موقف أطراف الحركة من الحكومات الموريتانية على أساس موقفها من حرب الصحراء، حيث كان العامل الأدلوجي مؤثرا. مما شتت انتباه القواعد الجماهيرية للكادحين عن تنمية الاعتزاز الوطني وغمره بالعامل الإقليمي بعد الأممي. وخلاصة لذا: لم يكن الوقت كافيا لدى هذه الحركة بما يكفي لجعل الاعتزاز الوطني ثابتا في نفوس الأغلبية الصامتة من الشعب... 

أما الحركة الثانية التي كان من المتوقع أن تنجح في توحيد الانتماء الوطني لدى الشعب الموريتاني تمهيدا لتثبيت أقدام هذا الانتماء والشعور بالاعتزاز، بإشاعة عامل الوحدة الدينية، فهي حركة الإخوان المسلمين ومشتقاتها.

 لكن هذه الحركة عانت كسابقتها من الرؤية الأممية الكونية فلم تركز في خارطة تربيتها لمناضليها على وطن بعينه، وإنما على مطالب شرعية ودينية عامة في مجتمع يعاني من "الجاهلية الجديدة"، مع ترسيخحثيث لمفهوم الانتماء إلى الأمة الإسلامية الموحدة في دار الإسلام، لتطبيق شرع الله على كل أرض الله. فتراجع حضور الوطن الموريتاني في تربية هذه الحركة ومخاطبتها  لمناضليها لأهمية المبدأ الأممي الكلي عندها، باعتباره واجبا دينيا وطموحا سياسيا ذا أولوية كاملة.. 

من المهم هنا أن نذكّر بأن الحركات السرية أربع، وفيرها مشتق منها: القوميون العرب؛ 

القوميون الزنوج؛

الكادحون؛ 

والإسلاميون.

وهذه الحركات السرية هي التي كانت تقوم بتنشئة وتربية الإنسان لخلق قناعته بما تريده في بلادنا. 

أما السلطة والأحزاب فقد غيبت التربية الوطنية من تطبيقاتها العملية، وأصبحت تحشد الأصوات بأي وسيلة متاحة، مما غيب الرسالة الأساسية للاحزاب في ترسيخ الإحساس بالانتماء.  هذه الوضعية أنشأت أجيالا تهتم بنتائج السياسة انتخابيا دون أي عناية بتقويم الإنسان المناضل معارضة وأغلبية، فارتكس الارتباط بالمبادئ عموما وبالانتماء الوطني خصوصا، وتحولت كل الأحزاب ذات القاعدة إلى مصانع لإنتاج المصوتين بأي طريقة ناجعة. 

وأرى بالمناسبة،أن الفساد المشهود اجتماعيا وإداريا ولد في رحم هذا الضباب غير المحمود. فماهي المضاعفات؟       

الفصل الرابع

حصاد الهشيم

السؤال: ما الحصيلة التي يعكسها الواقع النفسي العمومي والشخصي للإنسان الموريتاني في مجال اعتزازه بالانتماء إلى أمة ووطن موحدين؟

(الجواب في الأفق المنظور).