تعليق على المؤتمر الصحفي للرئيس

تعليق على المؤتمر الصحفي للرئيس

عبد الرحمن أحمد سالم

 

 

لا أظن أني تابعت لقاءً سياسيًا، مهما كان صاحبه أو موضوعه، أكثر من الدقائق الخمس الأولى.

ولا أظن أني دونت - أو سأدون - في الشأن السياسي في حياتي.

تابعت الليلة ثلاث ساعات متتالية (ربما لم ترمش عيني) للقاء جمع بين رجل موريتاني وضيوفه البالغين أكثر من أربعين شخصًا.

أحجمت أن أدون.

لكني تصالحت مع ذاتي واتبعت ما أملاه علي ضميري، وقررت أن أدون وأنا تحت تأثير اللقاء.

لن أدون عن المحتوى وما أثير من أسئلة وأجوبة، فقد قامت الرائعة أبدًا (بلوار ميديا) بعمل مهني وجبار سيمكنكم من العودة إلى تفاصيل الموضوع.

لكني سأدون عن الرجل الموريتاني هذا.

التقيت الرجل في فترتين مختلفتين. حين كان شيخًا على العسكر، وكنت وقتها أنجز فيلمًا وثائقيًا لمؤسسته، والتقيته حين كان يحضر لإعلان ترشحه، فقد كنت المنظم والمنفذ الفني لحفل الإعلان في ملعب شيخه ولد بيديه.

والتقيته هذا المساء، وجلسنا معًا لمدة ثلاث ساعات. لم يكن يفصل بيننا سوى الأشعة الخضراء المنبعثة من شاشة الكمبيوتر الذي كنت أشاهده منه.

كانت انطباعاتي التي تركها الرجل خلال اللقاءات السابقة أنه رجل خلوق، ومستمع مهذب، وموظف يسجل الملاحظات، وإنسان توافقي بعيد من الصدامية.

أما الليلة فقد اكتشفت أبعادًا أعمق في هذا الرجل.

بغض النظر عن تمكنه من معلوماته، وأمانته حين تكون المعلومة غير مكتملة لديه، فهو لا يجد أي حرج في طلب تصحيح معلومة، وتلك، لعمري، شيم عهدناها في مشايخنا ومعلمينا في المحاظر.

كان الرجل يتملص في كل مرة من عباءة السياسي المقلقة له، ليعود إلى ذاته الصادقة وهو يصيغ أجوبته بكل أريحية وصدق، ويحاول إزاحة كل مظاهر (الرسميات) ليشعر ضيوفه بقربه منهم. وإن أحس بالميكروفون يبعده من ضيوفه، يزيحه كمن يريد أن يقول: دعني، فأنا جزء منهم.

كان الرجل وقورًا ومؤدبًا مع كل ضيوفه الذين لا شك أنه يكبرهم سنًا. فكان، وهو يرد عليهم، تحس أنه يحاول ألا يجرح شعور ولا كبرياء أي منهم.

كان الرجل على السجية يضحك مما يضحك بكل سلاسة، ويعلق على نفسه دون أن يغتابها أو يقع في السوقية، حتى كادت تختلط علي الأدوار بينه وبين العزيز الغالي تقي الله الأدهم (أمير المجلس).

كان الرجل بسيطًا في المظهر، عميقًا ومريحًا في المعنى والمحتوى. دراعة مما يلبس عامة الناس، وقلم، ودفتر ملاحظات، وكأس من الزجاج يسكب بنفسه لنفسه كلما احتاج رشفة ماء.

هذا الرجل صادق مع ذاته.

متصالح مع واقعه.

واثق من رؤيته.

قريب من القلب.

أتمنى أن ألتقيه يومًا حين يفرج الله كربه ويخرجه من المكان الذي يتواجد فيه حاليًا.

أعني الرجل.

ولا أعني الرئيس.

واعي ما أعنيه.