عبد الله السيد
قد يتبادر إلى الذهن أني أقصد من وراء هذا العنوان كلاما؛ يتعلق بالمجتمع بنيات وشرائح. والحقيقة أني قصدت من ورائه واقع تعليمنا في مراحل ما قبل الجامعة.
وذلك أننا نقوم بتمييز سلبي؛ بمنحنا الفرصة لقلة من التلاميذ بالتكوين الجيد، عن طريق مؤسسات التميز الإعدادية والثانوية، ومثيلاتها التي يشرف عليها الجيش الوطني، مقابل أكثرية لا تتوفر لها نفس الظروف.
صحيح أن ذلك يتم وفق معايير التفوق، ولكن لا يمكن أن يستمر لتكون المخرجات كل سنة نجاح أقلية مقابل رسوب أكثرية، وتصبح الموارد والطاقات التي أنفقناها في تعليم الأكثرية لم تعطنا مردود نجاح يلائم حجمها.
لذلك لابد للقائمين على العملية التعليمية من التساؤل عن الأسباب التي تجعل الأكثرية لا تنجح؟ أو التساؤل عم يتوفر لمدارس التميز والمدارس العسكرية ولا يتوفر للغالبية؟ وهل يمكن توفيره كلا أو بعضا للغالبية حتى نرفع نسبة النحاج، ونقضي على ظاهرة التسرب المدرسي، وعندها نتمكن من تحقيق تمييز إيجابي؛ نستفيد فيه تجربة التميز لتعميمها أكثر على مؤسساتنا.
قد يقال لي إن وزارة المالية لا يمكنها تعميم العلاوة التي تمنح للمعلمين والأساتذة في مدارس التميز، وإن الحكومة لا تستطيع توفير أقسام داخلية كما يفعل الجيش. وهذا وجيه في ظاهره ولكن حين تفكر الحكومة في الإنفاق الكبير على أغلبية المدارس، وتقارنه بالمخرجات القليلة ستجد أنها تخسر الكثير، كما أن زيادة الاستثمار في التعليم للدرجة التي تتحول فيها جميع مؤسساته إلى مرتبة الظروف المتوفرة الآن في مدارس التميز، وتحسن مدارس التميز عن ظروفها الآن هو التمييز الإبجابي الذي ينبغي على الحكومة أن تطمح إليه بحلول العام الدراسي المقبل.
وأرى أن مفتاح ذلك الفصل بين التعليم العمومي والتعليم الخصوصي. أو اضطلاع الحكومة بالتعليم ما قبل الجامعي، وتأميم المدارس والثانويات الخصوصية؛ ليتاح ولوجها لأبناء الفقراء الذين يقيمون في حيزها الجغرافي.
وحقيقة فإن أي تمييز إيجابي لا ينطلق من التعليم لن يسهم في إسعاد أبناء الأرقاء السابقين، ولن يبني مجتمعا متصالحا مع ذاته، يشعر بانتمائه لوطن قابل للاستمرار.
وأتعجب كل العجب من نخبنا السياسية والثقافية والدينية، ومن برامج حكوماتنا، حين تستفيض في الحوار، وفي اسجلاب التمويل لمكافحة الفقر والتهميش وغيرهما، وتترك الواقع التعليمي يتآكل كل سنة من خلال ضعف مخرجات النجاح في الثانوية العامة وغيرها من المسابقات،؛ وبالتالي كثرة التسرب المدرسي، وبناء أجيال لا تربطها لحمة تكوين واحد.
