المختار السالم شاعر يكتب من غيم الذاكرة

المختار السالم شاعر يكتب من غيم الذاكرة

جعفر بن كباد

شاعر موريتاني

 

 

ثمة كتب تصدر لتضاف إلى قائمة الإصدارات، وثمة كتب تأتي وفيها شيء من روح صاحبها، كأنها ثمرة سنوات طويلة من العيش في اللغة ومصاحبة الكتابة. وأحسب أن كتاب الشاعر المختار السالم أحمد سالم «لقد كان لهذا الماء مزن.. إلى حين من الشعر» من هذا الصنف الأخير.

ليس  العميد المختار السالم شاعرا يمر على اللغة مرورا عابرا فهو يقيم فيها ويشاكسها ويستخرج من مفرداتها ما قد لا ينتبه إليه القارئ من النظرة الأولى. ولعل أجمل ما في تجربته أنها لا تعرف السكون. كلما ظننت أنك عرفت طريقته في الكتابة فتح لك طريقا آخر، وكلما ألفت موسيقاه باغتك بإيقاع جديد.

وهذا الإصدار الثالث والعشرون من أعماله ليس مجرد رقم يضاف إلى سجل طويل، بل هو دليل على نفس أدبي لا يتعب، وعلى مثابرة لا تكاد ترى لها مثيلا في زمن أصبحت فيه الكتابة عند كثيرين نزوة عابرة. أما المختار السالم فقد جعل منها مشروع حياة.

والكتاب يلفت النظر أيضا إلى ذلك اللون الذي اختار له المؤلف عنوان السرديات أو النثر الشعري. وهو لون يقع في المسافة الجميلة بين الشعر والسرد، فلا هو قصيدة تتخلى عن شكلها لتصبح نثرا، ولا هو نثر يكتفي بأن يستعير من الشعر بعض زينته. إنه كتابة تتكئ على الحكاية دون أن تستسلم لها، وتستفيد من الشعر دون أن تتحول إلى قصيدة مألوفة. فيها الصورة والحكاية والذاكرة والإيحاء، وفيها ذلك الإيقاع الخفي الذي يجعل العبارة تُقرأ أحيانا كما لو كانت تُنشد.

وهنا تكمن مغامرة المختار السالم. إنه لا يريد أن يروي لنا الأشياء كما تقع، بل كما يمكن للخيال أن يعيد خلقها. يأخذ من الواقع مادته ثم يترك للغة أن تفعل فعلها، فيصبح الحجر أكثر من حجر، والضباب أكثر من ضباب والاسم المندثر بابا إلى ذاكرة كاملة.

يكفي أن نتأمل بعض عناوين نصوص الكتاب مثل «روح أرجوانية» و«الشناقطة المنجمون بالموسيقى» و«الأسماء المندثرة» و«صوت الدمية في الضباب» و«في الحجارة المكتظة بالشرر» ندرك أن صاحبها لا يكتب بعين واحدة. هناك شاعر يرى وسارد يتذكر ومثقف يتأمل وإنسان مأخوذ بما تتركه الحياة في الروح من ندوب وأسئلة.

وما يبعث على الإعجاب في تجربة المختار السالم أن كثرة الإنتاج لم تأت على حساب المغامرة. فالإصدار الثالث والعشرون كان يمكن أن يكون مناسبة للاطمئنان إلى ما سبق لكنه اختار أن يواصل الحفر في أرض الأدب وأن يغامر في منطقة لم تستقر لها بعد حدود واضحة.

وهذا في رأيي هو معنى الكاتب الحقيقي. ليس الذي يكرر نفسه بإتقان وإنما الذي يظل قادرا على أن يفاجئ نفسه وقارئه معا.

هنيئا للعميد المختار السالم بهذا الإصدار الجديد وهنيئا للأدب الموريتاني بكاتب لا يكتفي بأن يكتب ما يعرف وإنما يذهب كل مرة ليكتشف ما يمكن أن تفعله اللغة حين يمنحها صاحبها حريتها.

«لقد كان لهذا الماء مزن» عنوان يشي بشيء من الكتاب كله. فالماء حياة والمزن وعد بالمطر  والشعر في النهاية ماء آخر تسقي به الأرواح عطشها.

ولعل المختار السالم قد أراد لنا هذه المرة أن ننتظر المطر قليلا

فالمزن الذي في كتابه ليس في السماء وحدها.