عبد الرحمن النحوي
يَنْصَحُ العُقَلَاءُ وَالفُقَهَاءُ وَالصَّالِحُونَ وَالجِدِّيُّونَ وَكِبَارُ السِّنِّ وَطُلَّابُ العِلْمِ وَالْحَمَادِنَةُ والثقَلَاء بِتَجَاوُزِ هَذِهِ السُّطُورِ.
——————
هَحْ انْتَ مَارِگْ مَعْدَنَـهَ
مَانَـكْ گَاطِعْ "هَحِّ" امْنْ اجْدِرْ
وَلَانَـكْ لَاهِ تَكْبَرْ عَنْهَ
وَلَانَـكْ عَنْهَ لَاهِ تَسْغِرْ
أَرَادَ "بِنْجَامِينْ جُونْسُونْ" ذَاتَ لَيْلَةٍ أَنْ يَرْثِيَ "وِيلْيَامْ شِكْسْبِيرْ" فَأَطْرَقَ مَلِيّاً ثُمَّ قَالَ: «لَمْ يَكُنْ لِعَصْرٍ وَاحِدٍ، بَلْ كَانَ لِكُلِّ الأَزْمِنَةِ».
تَتِيهُ بِمَرْآهُ العُصُورُ جَلَالَةً == وَتَحْسِدُ أُولَاهَا عَلَيْهِ الأَوَاخِرَا
وَبَيْنَ "بُذُورِ الكِتَّانِ" وَ"حُقُولِ الذَّرَةِ" عَلَى نَهْرِ بَارَانَا: اجْتَمَعَ سَحَرَةُ العَالَمِ في ليلةٍ ماطرةٍ منْ عَامَ سَبْعَةٍ وَثَمَانِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ وَأَلْفٍ، فَضَرَبُوا ضُلُوعَهُمْ، وَتَرَنَّمُوا بِأَهَازِيجِهِمْ، وَأَلْقَوْا عِصِيَّهُمْ؛ فَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ، ربطُوهُ فِي القَدَمِ اليُسْرَى لِرَضِيعٍ يُسَمَّى لِيُونِيلْ أَنْدِرِيسْ مِيسِّي.
وَإنَّ لِهَذَا الفَتَى لَسِحْراً يُؤْثَرُ! سكبتْه عرافةٌ بابلِيةٌ عَلَى مِـبْخَرَةِ سِحْرٍ مَطْمُوسٍ؛ عَلَى يَدِ كَاهِنٍ مَجْنُونٍ قَطَفَ زَهْرَةَ الـخُلْدِ فَجَفَّتْ عُرُوقُهُ وذبلَت أنفاسُه.
إنَّمَا ليونِيلْ ميسِّي قَصِيدَةٌ لَمْ تُكْتَبْ، وَزَهْرَةٌ لَمْ تُقْطَفْ، وَحَرْفٌ لَمْ يُرْقَمْ، وَنَبْعٌ لَمْ يَنْضَبْ، وَنَغْمَةٌ بَدِيعَةٌ فِي نَوَاحِي "بيگِ عَظَّالْ" لَمْ يَصِلْهَا عَقْلُ "انْوَفَّلْ" وَلَا إِبْدَاعُ "وَلْدْ عَوَّهْ".
إِذَا رَدَّدَتْ أَلْفَاظُهُ اللَّحْنَ مُعْرَبَاً == أَعَادَتْ لَنَا أَقْدَامُهُ اللَّحْنَ مُعْجَمَا
نَهَضَ هَذَا الفَتَى مِنْ صَبْوَتِهِ في رأْس هذا القرنِ؛ لِيَرْفَعَ حُرَّاسُ التَّارِيخِ أَقْلَامَهُمْ، وَلِيَقْذِفَ المُعَلِّقُونَ أَوْرَاقَهُمْ، وَلِيُفْسِدَ قَوَانِينَ الجَاذِبِيَّةِ، وَلِيَصِيرَ الكَامْبْنُو مَحْرَقَةً لِكِبْرِيَاءِ المُتَكَبِّرِينَ وَجَبَرُوتِ المُتَجَبِّرِينَ، وَمَسْرَحاً لِتَهَاوِي أَعْظَمِ المُدَافِعِينَ كَأَحْجَارِ الدُّومِينُو الصَّامِتَةِ.!
إِنَّ تِلْكَ الرُّبَى مَهَاوِي رِمَاحٍ == مُصْمِيَاتٍ وَمُنْتَدَى أَسْيَافِ
بَلَغَ هَذَا الفَتَى غَايَةَ كُرَةِ القَدَمِ، وَعَزَفَ سِمْفُونِيَّةَ الكَمَالِ فِي مَنَابِرِهَا، فَلَمْ يَتْرُكْ فِيهَا مَقَالاً لِقَائِلٍ، وَلَا مَجَالاً لِصَائِلٍ:
وَانْظُرْ إِلَى العَرَّابِ "غْوَارْدْيُولَا" وَهُوَ يَكَادُ يَصِفُهُ وَصْفَ غَيْلَانِ مَيَّةَ، وَانْظُرْ إِلَى "أَبِي اترَيكَه" وَقَدْ أَوْشَكَ أَنْ يَرْقُصَ طرباً، وَانْظُرْ إِلَى السَّاحِرِ "مَارَادُونَا" وَقَدْ رَآهُ فَاقَ فِي السِّحْرِ أَبَاهُ، وَانْظُرْ إِلَى الفَتَى "هَالَانْدَ" فِي العِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ يَصِفُ شَيْخَاً شَابَ فَوْدُهُ فَيَقُولُ: «مِيسِّي مَجْنُونٌ». وَهُوَ وَاللَّـهِ كَذَلِكَ، وَهُوَ واللَّـه أَحَقُّ بِقَوْلِ سَاحِرِ كِنْدَةَ:
أَنَا الطَّائِرُ المَحْكِيُّ وَالآخَرُ الصَّدَى.
يَقُولُونَ فِي أَرْوِقَةِ "لَامَاسِيَا" الهَادِئَةِ هُدُوءَ التِّيكِيتَاكَا وَالصَّاخِبَةِ صَخَبَ الكَتَلَانِ: إِنَّ في الدنْيا شَيْئاً لَا يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُ، وَلَا تَفْسِيرُهُ، ولَكنَّنا نَشْعُرُ بِهِ حينَ نرى ليونِيل مِيسي عَلى أرضِية المَلْعَب، فثمَّ من الجمَال ما لا يوصَف ولا يقرًأُ ولا يفْهَمُ.
وَإِنَّ أَجْمَلَ مَا قَالَ الشُّعَرَاءُ، قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ:
أَتَرَاهَا لِكَثْرَةِ العُشَّاقِ == تَحْسَبُ الدَّمْعَ خِلْقَةً فِي المَآقِي
وَإِنَّ سِحْرَ هَذَا الفَتَى لَأَجْمَلُ مِنْ هَذَا بِكَثِيرٍ!
ولىِنْ كانَ "دَارْوِينْ" حَلَّ مَحَلَّ "أَرِسْطُو".
و"آيْنْشْتَايْنْ" حَلَّ مَحَلَّ "نْيُوتْنْ".
و"المُتَنَبِّيَ" حَلَّ مَحَلَّ "امْرِئِ القَيْسِ".
فَإِنَّ هَذَا الفَتَى حَلَّ مَحَلَّ نَفْسِهِ، فَمَا رَأَى مِثْلَ نَفْسِهِ وَلَا رَأَى غَيْرُهُ مِثْلَهُ فِي فَنِّهِ.
مَضَتِ الدُّهُورُ وَمَا أَتَيْنَ بِمِثْلِهِ == وَلَقَدْ أَتَى فَعَجِزْنَ عَنْ نُظَرَائِهِ
وَلَوْ أنِّي اسْتَعَرْتُ يَرَاعَةَ "بِيكَاسُو"، وَمُونَالِيزَا "دَافِنْشِي"، وَأَدَبَ "شِكْسْبِيرْ"، وَإِعْجَازَ "أَبِي الطَّيِّبِ"، وَحَنْجَرَةَ "دِيمِي بِنْتِ آبَّ"، وَسِمْفُونِيَّاتِ "بِيتْهُوفِنْ"، وذكَاءَ "إيَاسٍ"؛ لَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَصِفَ ما يفعَلُه هذَا السَّاحِر!
فَحَيْثُمَا عَجَزَ الكَلَامُ.. تَكَلَّمَ مِيسِّي.
شَاعِرْ فِ الهَوْلْ امْعَاكْ اتْلَ == ايْعُودْ افْ زِرْ وْعُدْتْ افْ زِرْ
ذَاكْ الزِّرْ مِنَ الهَوْلْ اخْلَ == وْذَاكْ الزِّرْ مِنَ الهَوْلْ اعْمَرْ
وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى.
