اترامب بين "فخ ثوسديدس" وبين خيار "اتشي"؟

اترامب بين "فخ ثوسديدس" وبين خيار "اتشي"؟

هنا الصين، السيد الرئيس اترامب

 

 

   توطئة:    

قلت في جُمَل سابقة: إن اترامب سيعود من زيارته للصين، إما حكيما؛ وإما رئيسا ل"أهل ما نسمو". وحسب نتائج الزيارة المعقدة يبدو أن الاحتمال الأخير كان هو الأقرب إلى الصواب. 

ويبدو -كذلك- أن استخدامي للتراث الذي أطرت به جُمَلي السابقة طبع فلسفة الزيارة بعمق، حيث استخدم الرئيس الصيني مفهوما تراثيا يونانيا قديما هو "فخ ثوسديدس". ويعني تاريخيا: حتمية الصراع بين اسبرطة الآفلة وأثينا الناهضة فيما قبل الميلاد. 

كما يعني عموما: أن أية قوة مسيطرة آذنت بالتراجع أمام قوة ناشئة يكون ذلك سببا في حرب حتمية بين القوتين. 

لذا أجزم بأن توقغي لم يكن نشازا وأنا استخدم التراث الموريتاني ب "أن يعود اترامب من الصين إما حكيما، وإما شيخا لأهل مانسمو"، حتى ولو كان ذلك موافقة غير مقصودة.   فكيف نقرأ نتائج زيارة اترامب لتشي، من خلال الرسائل المتبادلة بين الطرفين، ومؤشراتها، ونتائجها المتوقعة على البلدين، وعلى العالم؟    

 إجابة على هذا السؤال المركب سأقاسمكم تصوراتي من خلال ثلاثة مقالات:

المقال الأول، وهو هذا، سيكون ردا على سؤال: 

- بين السياق المتشاكس، والرسائل المشفرة؛ من كسب المبارزة الأولى في معركة الرعونة والكياسة؛ اترامب أم اتشي؟ 

وعنوان المقال هو: 

هنا الصين لا آميركا، من فضلك.     

المقال الثاني: 

سيكون ردا على سؤال: 

- من يكسب المعركة في المباراة بين الهواية الحربية، والخبرة الاقتصادية؟ 

وعنوانه: مكابرة القوة العسكرية المتنمرة، في وجه القوة الاقتصادية الناهضة، آميركا والصين نموذجا. 

   والمقال الثالث والأخير، سيكون ردا على السؤال:

 - لمن الغلبة السياسية الاستراتيجية في  العالم مستقبلا على المدى المتوسط من الإثنين: آميركا والصين؟ 

وعنوانه: بين نزعة الربح الأعمى عبر القوة، وبين المكاسب المتبصرة عبر الحنكة السياسية.   

وآمل أن يواكبني القراء الكرام في هذه المقالات دون إلزام لهم، 

ذلك لأن عالم مابعد طوفان الأقصى في غزة ومشتقاته الاستراتيجية يتشكل سحبا داهمة. 

وكما دخلت مضاعفات هذا الطوفان كل بيت على وجه الأرض حسرة وتعاطفا، فستدخل نتائجه السلبية أو الإيجابية إلى كل بيت على وجه المعمورة     

المقال الأول.  هنا الصين!!  

بين سياق التحولات الدولية العميقة، وطموحات الهيمنة الكونية يطرح سؤال: 

- بين السياق المتشاكس، والرسائل المشفرة؛ من كسب المبارزة الأولى في معركة الرعونة والكياسة؛ اترامب أم اتشي؟ 

        الطرح: 

في واقع الأمر هناك سياق من الأحداث المتلاحقة المتدحرجة، والمتسلسلة، التي أثارها حدث محوري بدأ محليا، وتحور إقليميا، وأصبح عالميا، وهو "طوفان الأقصى" الذي بدأ بسيل محدود في رقعة ضيقة من العالم هي الأراضي المحتلة في فلسطين، قتل على أثر هذا الخدث عدد من الإسرائيليين بأيدي المقاومة الفلسطينية والإس.رائيلية في جوار غزة. 

غزة التي انفجر غضب أهلها في غفلة من الجميع، بسبب ضغط الاحتلال وحصاره من جهة، وتناسي العرب والمسلمين والعالم للنكبة المتزايدة للشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، إضافة لديمومة الألم العميق للمظلومين الذي لو قسم على العالم لما تردد أحد منه في المشاركة بطوفان أعظم وأشمل.. 

ضغط اليأس الهائل.أوصل الحالة النفسية الفلسطينية إلى التشرب باليأس المطلق الصامت، من الخروج إلى بر الأمل. 

وإن انفجار اليأس يكون عادة اتشطاريا في نواة الصبر والتحمل على نموذج الانفجار الذري تماما، لاراد له. و ذا ما كان في فلسطين.

  ترتب على هذا الطوفان قتل حوالي 1200 شخص إسر.ئيلي، بسبب التقاطع الناري بين الطرفين أو بالاستهداف المباشر من المقاومة انتقاما، و من الجيش الإس.رائيلي بابروتوكول حنا بعل. هذا إضافة لأكثر من مائتي أسير إسرائيلي. وهو أكبر عد من الضحايا الإس.رائيليين في معركة واحدة منذ النشأة. ولو كانت هذه الخسائر في أي شعب من شعوب الأرض لكن الرد عليها ردا متكافئا أمر وارد، لكنها في الإس.رائيليين.

 أما المضاعفة الأخطر للحرب من هذه الخسائر فكانت أسطورة العجل المقدس غربيا، تمريغ الهيبة العسكرية للنتن..ياهو و "جيشه الذي لا يقهر، والأكثر أخلاقية في العالم". ولذا كانت ردة فعله بعيدة من التكافؤ، موغلة في التطرف والمبالغة في الوحشية، فدمر غزة بيتا بيتا، وقتل منها وجرح أكثر من 200 ألف بالسلاح، وقتل عشرات الآلاف جوعا، أكثر من ثلثيها أطفال ونساء وعجزة، في إبادة جماعية شاهدها العالم مباشرة ولم يشهد مثلها قط. 

ترتبت على هذه الإبادة حرب عالمية في قالب إقليمي هو  الشرق الأوسط، وقد اشتقت منها حروب متولدة، اثنتان منها بين إيران من جهة وآميركا وإسرائيل من جهة أخرى.  الحرب الأخيرة توقفت ولم يخب أوارها تماما، بعد أن تحولت إلى حرب استنزاف اقتصادي عالمي ثقيل لما أكدت أسلحة المهاجمين، نتيجة إقفال مضيق هرمز من إيران، وحصار أميركا لحصار هرمز.  

فإذا كان هذا هو السياق العام فما انعكاساتها وما نتائجها على زيارة اترامب للصين؟

انعكاسات ونتائج: 

1- لأنني تحدثت عن نتائج هذه الحروب ومضافاتها سابقا فلن أعود إلا إلى بعض النتائج التي تتحكم في السياق الحالي، وتؤثر تأثيرا زلزاليا في كل المتتاليات الجارية.   

ضمن سياق الانسداد غير المتوقع للآفاق في وجه اترامب، وإفلاس قوته العسكرية أمام الجميع: أصدقاء وأعداء، و إقراره صراحة  بجودة قرصنة النفط في أعالي البحار، "لمردوديتها المضمونة".  

و مع مرارة عدم هزيمة إيران وبقائها متماسكة متحدية على مرئى ومسمع من العالم، رغم قسوة الضربات عليها. إضافة إلى الخسائر الاقتصادية والسياسية تضخما، ومديونية فدرالية قياسية، وارتباكا قياديا، وارتجاج ثقة بين الجيش والإدارة، واختلالا أمنيا خطيرا للغاية إلى درجة تكرار محاولات اغتيال  اترامب.

وفقدان التأييد داخليا و فقدان الثقة عالميا.

و تلطخ السمعة أخلاقيا وشرفيا بالفضائح الإبستينية.

والتبعية العلنية المخجلة لمجرم حرب مطلوب للعدالة الدولية.

وعجز الرجل عن الخروج من أول حرب تدخلها آميركا تابعة لا قائدة في لجة من الفضائح والانتكاسات، والعجز عن الخروج من أي مأزق أدخل فيه رأسه. 

وخسارته لكل حلفائه حيث لم يبق لديه منهم إلا واحد. 

ثم خسارة قرينه هذا ل: سمعة القضاء على حزب الله، بعد خسارته لمظلومية الهولوكوست عالميا.

ووسمه بالإبادة الجماعية.

والعجز عن حماية شعبه، أو صون نفسه.

وتحوله إلى مكروه عالمي، وخاصة في حديقته الخلفية: الرأي العام العام الآميركي الذي يعتاش على حسابه.

كونه أصبح لعنة معدية على كل من يقترب منه. 

بدت حصيلة ورصيد الرئيس اترامب غير مقنعة وهو يقطع آلاف الميلو مترات نحو الصين متسلحا بجيش من التماسيح النهمة للمعادن النادرة، مخلفا وراءه أهل السياسة المحنكين  والخبراء المتخصصين.

فماذا وجد أمامه؟

 2- لا للطموح غير المشروع: رسائل غير متبادلة

 برأس مال كاسد، واحترام ضامر، وأرضية مرتجة الأركان دلف اترامب إلى الصين، وقد نصب له رئيسها اتشي مرآة عملاقة عند نهاية السجادة الحمراء، ليرى فيها صورة نفسه المهزوزة على حقيقتها. وترصّد له من ورائها ليريه كيف يواري سوأة الواقع الذي خلقه لنفسه. 

كانت رسائل المرآة الصينية العاكسة تترى على لسان حال اتشي، لتنعكس على صفحة وجه اترامب، وتفرغ شحنتها في لغة جسده غير الكتوم: 

- الرسالة الأولى من اتشي: أنا لن أستقبلك شخصيا لأنك مهزوم اقتصاديا وسياسيا، وأمنيا وعسكريا، وتكتيكيا واستراتيجيا؛ والمهزمون غير محببين في أرضنا.  

- الرسالة الثانية: 

هنا الصين لا آميركا، وأنا اتشي من يضبط الإيقاع هنا لا أنت السيد اترامب. وكل شيء هنا محسوب عليك من أبسط التفاتة إلى أقوى انفعال، 

أنا المهيمن هنا عليك لا أنت يا اترامب، فانس أنك أنت.  

- الرسالة الثالثة: 

باب السياسة موصد فخامك وجهك هنا، أما باب الاقتصاد التجاري والخدمي فتركته مواربا لك، إن شئت افتحه، وإن شئت أوصده في وجهك. سيان عندي. 

- الرسالة الرابعة: لدي عرض سخي لك، وهو أن لا نتبادل الإذن بالنهوض ببلدينا، فلن أنتظرك لتأذن لي بذلك؛ وإن شئت فكن إسبارطيا لأكون لك اتشاولينغ.. 

-الرسالة الخامسة

 لقد أريتك الشجرة/ الشجرتين ذواتي الجذعين المخلفين والأغصان والثمار منهما معا في الأعالى، لأقدم لك مثالا على إمكانية التعايش المتبادل والنتائج المشتركة، مع مراعاة الخصوصية لكل جذر.. حتى لا تسقط في فخ "ثوسديدس"" اليوناني، فهل لك أن تستجيب؟

- الرسالة السادسة

أنا الناهض وأنت المتردي رغم قوتك السابقة، فلا تنس أن المستقبل لي، كما كان الماضي لك. لذا ألتمس من فخامتك أن تقدر سخائي إن لم أرجح خيار الحرب لأنها خيارك الخاسر بالنسبة لك استراتيجيا، رغم قربها من نفسك ووخم أثرها عليك. 

أنبهكم صاحب السيادة أنني  كنت أتابع عن كثب الأخبار الواردة من غرب القارة الآسيوية.

- الرسالة السابعة

في كل الأحوال: كما أن: هنا الصين بما في الكلمة من معنى، كذلك أنا السيد هنا لا أنت يا صاحب الفخامة، 

فلا تختلط عليك مساحات الانضباط أمامي، والشطح أمام حلفائك السابقين... 

تلك هي رسائل اتشي لترامب فما رسائله المقابلة لتشي؟

رغم ولع اترامب بتوجيه الرسائل الفورية، والحضور الجسدي الطاغي فإنه أصيب بغياب بل تضاؤل جسدي ملحوظ، ولم يستطع -رغم كتيبة الصحافة المرافقة له- أن يوجه رسالة واحدة مقابلة للرئيس الصيني؛ بل اكتفي بكلمة:  (( و السلام)) كما يقول "لفْكاكْ الحكيم" بعد كل مداخلة في الفيسبوك.

وإلى لقاء إن شاء الله.