لا تسير الأوضاع في الجارة الشرقية مالي بالشكل الذى يرضى سكان البلاد ، أو الجوار الإقليمي على الإطلاق منذ انقلاب العقيد "آسمى كويتا" في الثامن عشر من أغشت 2020، ودخول الطغمة العسكرية الحاكمة في صراع مفتوح مع المجتمع الدولي، والجوار الإقليمي، والنخب السياسية والمدنية في الداخل ، وجنوحها المضطرد إلى العنف اللفظي في مواجهة الآخر، والانكماش على الذات، كلما أحست بالضعف أمام المجموعات المسلحة في الشمال، أو تضاعفت كلفة الحياة اليومية للماليين ، بفعل السياسات الشعبوية التي لجأ إليها العسكر من أجل تبرير الانقلاب على الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا ، والتكلفة الباهظة للحرب المفتوحة على أكثر من صعيد، بعدما تم الانقلاب على الشراكة مع بعض المجموعات التي اختارت منطق الحوار والتفاوض مع الحكومة المركزية، وأطيح بخيار التفاوض والحوار مع سكان الإقليم والجماعات المسلحة في الوسط والشمال والجنوب دون طرح البديل.
لم يكتف العسكري الطامح لتدمير بلاده بالتحكم في سير الأحداث وإدارة المشهد من موقع الرجل الثاني في السلطة، بل أطاح في الخامس والعشرين من مايو 2021 بالرئيس الانتقالي باه نداو، وحل حكومة "مختار وان"، وأعلن نفسه رئيسا للبلاد، بحكم من المحكمة الدستورية التي باتت ككل المؤسسات المالية لعبة بيد رجل مهوس بالسلطة، وغير قادر على القيام بالواجبات المناطة بالموقع الذى أنتزعه عنوة من الشعب المالي وقواه الحية، مستعينا بالشركات الأمنية العابرة للحدود ، وبعض قادة الجيش الذين شاركوه مرارة الهزيمة في "سفارى" أو تجربة الانقلاب الأول والثاني على الرئيس بوبكر كيتا، والرئيس الانتقالي "باه نداو".
لم يحتج العقيد "آسمى كويتا" لخوض أي معركة جديدة من أجل حمل أرفع النياشين داخل المنظومة العسكرية والأمنية بمالى، أو مغادرة الثكنة العسكرية التي قاد منها انقلابه الأول، فلا دورة تكوينية ولا مشاركة في أي دورة تدريبية خارج العاصمة باماكو، لقد تولى حسم معركة اللقب بنفسه مطلع أكتوبر 2024 مانحا نفسه رتبة جنرال، وبعدها بستة أشهر منحه نفسه كذلك الحق في قيادة البلاد لخمس سنوات جديدة دون الرجوع للشعب أو تنظيم أي انتخابات.
منطق الكبار
تصرفات أزعجت المنظومة الدولية بالكامل، ودفعت دول المنطقة إلى إعلان إجراءات قاسية تجاه باماكو، حيث فرضت المجموعة الاقتصادية لغرب افريقيا (إيكواس) حصارا اقتصاديا وماليا خانقا على مالي 2022، شمل إغلاق الحدود، وتجميد الأصول المالية، ووقف التعاملات التجارية، بغية كسر إرادة الجيش المالي وإجباره على تسليم السلطة للمدنيين.
غير أن الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزوانى رفض تجويع الشعب المالي الشقيق، أو تحطيم باماكو بإجراءات قاسية كتلك التي أعلنتها المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس)، وفتح المجال واسعا أمام الحركة التجارية بين باماكو نواكشوط، وتحملت موريتانيا ضغوط المجتمع الدولي بأسره لإنقاذ الشعب المالي من أفعال حكامه الجدد. وظلت مصرة على أن استقرار مالي وتماسكها أولى من احترام الإجراءات الدستورية، والحفاظ على كيان الدولة أمر لا تنازل عنه، وتجويع الشعب المالي بغية الإضرار بالضباط الذين صادروا رأيه أمر مرفوض، ولا يمكن القبول به أو المساهمة فيه بحال من الأحوال.
لم يكترث "آسمى كويتا" المغرور بقوة الشركاء الجدد بدعوات الإصلاح فى الداخل أو الضغوط القادمة من الخارج، فقد حل الأحزاب وسجن المعارضين وصادر الصحف وأغلق محطات الإذاعة ولاحق الأئمة، وعمد إلى قطع العلاقة مع "الإيكواس" يناير 2025، وصعد من حملاته العسكرية ضد مكونة "الفلان" ، مع استمرار الحرب المفتوح مع الأزواديين في الشمال.
إجراءات فاقمت الوضع الأمني بمالي، وعززت من لهيب الحرب الأهلية التي أجج أوارها التدخل العسكري الإفريقي الغربى 2011 وما صاحبه من قتل وتشريد وتدمير لمجموعات واسعة في الشمال دون تمييز أو فصل بين المسلح المقاتل، والراعي الذى يرعى غنمه داخل الأحراش والأودية، أو الفلاح الذى يكدح من أجل تأمين قوت أولاده.
تصدير الأزمة والإساءة للجوار
ردة الفعل العنيفة من المقاتلين الإسلاميين في الشمال، وتصعيد المقاومة المسلحة من طرف الحركات الأزوادية المكافحة من أجل الاستقلال، وتراجع الظهير الدولي، بعد انسحاب الفرنسيين وتوتر العلاقة مع الأمريكيين والدخول في حرب مفتوحة مع الإكواس، وتفاقم الأوضاع المعيشية للسكان، وارتفاع الكلفة المالية للشركات الأمنية الخاصة التي أستعان بها " آسمى كويتا" ورفاقه، كلها أمور دفعت بالجيش المالي وقادته إلى البحث عن مخرج لتخفيف الضغوط الداخلية والبحث عن شرعية للحرب المفتوحة دون نتائج تذكر والأموال المهدورة من أجل تأمين حكم لم يجلب للشعب المالي سوى الدمار والخراب. لقد بدى الحل الأقرب إليه هو افتعال حروب خارجية، والعمل من أجل جر جواره إلى أتون الجحيم الذي باتت مالي تحترق به من الغرب إلى الشرق ومن الشمال إلى الجنوب، مع تقطيع أوصالها من قبل المسلحين الإسلاميين، وخنق الحركة التجارية داخلها بشكل غير مسبوق، وإجبار بعض مجالسها المحلية على تقديم البيعة لحركة ماسينا، وفرض الحجاب في الباصات من أجل الحصول على الأمان، بعدما بات مفتاح حركة النقل بيد "محمد كوفا" ورفاقه، واختفى الجيش من المدن الرئيسية في الشمال، وتعطلت حركة الإمداد بالبنزين من مجمل المحاور.
لقد عمد " آسمى كويتا" إلى افتعال أزمة مع الجزائر كلفته فخر الصناعات التركية التي كان يستعرضها في وجوه خصومه في الداخل، ومنحت معارضيه الأزواديين فرصة التحرك على الحدود بأمان، بعدما غاصت مركبات الجيش المالي والمرتزقة الروس في وحل الرمال المتحركة بإقليم أزواد.
وقد عمدت الطغمة العسكرية ببماكو أكثر من مرة إلى استفزاز الحكومة الموريتانية، وارتكاب المجازر في حق بعض مواطنيها، وإغلاق متاجر الموريتانيين في مالي دون مبرر، ومنع حركة الانتجاع بين البلدين، والعربدة في القرى الحدودية، وتكثيف الجرائم البشعة بحق المدنيين الماليين المسالمين. وهو ما شكل ضغطا غير مسبوق على الدولة الموريتانية والمناطق الحدودية على وجه الخصوص، التي أخذت على نفسها التزاما أخلاقيا باستضافة كل فار من جحيم الحرب في جمهورية مالي، بغض النظر عن لونه أو مسكنه، أو انتمائه العرقي، أو معتقده، رغم التكلفة المالية الباهظة، والمخاطر الأمنية المحتملة.
ومع ذلك ظلت نواكشوط وفية لمنطق حسن الجوار، متمسكة بالعلاقة القديمة مع الماليين رغم ما أحدثوه من فجور. تراقب الوضع في الداخل المالي عن كثب، وتحمى حدودها المشتركة مع مالي بشكل صارم، وتستقبل ضيوفها بصدر رحب، مع تأمين حركة النقل والبضائع عبر الحدود بشكل مستمر.
تدرك موريتانيا أن مالي قد تغيرت بالفعل، وأن النخبة العسكرية الحاكمة تخلت عن مجمل قواعد حسن الجوار والعيش المشترك، لكنها لاتزال قادرة على حماية التزامها التاريخي تجاه شعب شقيق ، مزقته الحرب الأهلية، وفرقته القوى الأجنبية، وعبثت بانسجام مكوناته أطماع الساسة ولهيب الحروب المستمرة منذ نصف قرن أو يزيد.
صمت الواثقين
من داخل مكتبه بالقصر الرئاسي يتابع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزوانى أوضاع الحرب الدائرة في الجوار، ويرصد ويحلل سلوك الحكام الجدد للدولة المالية، يهاتف تارة زعيم الطغمة كلما تجاوز حدود اللياقة، ويذكر خصومه بفارق القوة والجاهزية في بعض الأحيان، ويلجم قواته المتمركزة على الحدود عن أي احتكاك عسكرى، ويمنح قادة الجيش من المال والصلاحيات ما يعزز أمن البلاد ويضمن التفوق العسكرى والأمنى على الجار المندفع نحو المزيد من التسلح، والباحث عن خصم يشغل به شعبه المنهك بفعل الفقر والبطالة والحروب.
وفى قيادة الأركان العامة للجيوش يجلس قائد أركان الجيوش الفريق محمد فال ولد الرايس، وهو يتابع بشكل يومى تطورات الوضع الميدانى بالمنطقة، ويرقب حركة الطيران المسير على الحدود المشتركة مع جمهورية مالى ، ويتفقد من وقت لآخر تمركز قواته على الميدان، بعدما أعاد هيكلة الوحدات القتالية بشكل يتلائم مع التطورات الأخيرة، زاده الخبرة الإدارية، والثقة من المنظومة العسكرية التي يدير، وأخذه بالاحتياطات اللازمة لمواجهة أي طارئ، مع تطوير وتحديث الترسانة العسكرية للجيش بما يتلائم والتحديات الأمنية الراهنة.
يدرك صناع القرار في موريتانيا بشكل واضح أن جمهورية مالي في الوقت الراهن دولة بلا رأس، وأن الحكمة في الطرف الآخر تكاد تكون تحت الصفر، ولكنهم في المقابل يدركون أن المحافظة على العلاقات التاريخية مع الشعب المالي تحتاج للمزيد من الصبر والتحمل وخلق الأعذار للطرف الآخر، ما لم تنتهك قواعد الاشتباك المعمول بها، أو تتجاوز كتائب الجيش المالي خط الحدود المرسوم منذ استقلال البلدين عن فرنسا، أو يقدم العقيد " آسمى كويتا" على خطوة انتحارية قد تكلفه الكثير.
سيد أحمد ولد باب
مدير موقع زهرة شنقيط
