سعيد يقطين
كاتب مغربي
إن أهم الموسوعات العربية ظهرت في الحقبة التي يسميها المؤرخون «عصر الانحطاط». لا اختلاف في أن مقارنة هذا العصر سياسيا بما عرف في عصر الازدهار العباسي، لا غبار عليها، لكنه على المستوى الثقافي عرف ازدهارا مختلفا عما عهدناه. ويحق لنا اعتباره عصر الموسوعات بامتياز. ويكفي أن نذكر «نهاية الأرب» و”لسان العرب” وغيرهما للدلالة على ذلك.
لقد تشكلت هذه الموسوعات في مختلف الاختصاصات نتيجة التطور والتراكم المعرفي اللذين عرفتهما الثقافة العربية ـ الإسلامية، من جهة. ومن جهة أخرى لتجميع ما تفرق من أدبيات، وجعلها متاحة للجميع، وحفظها بفعل ما طرأ من تحولات سياسية تهدد الوجود العربي والثقافي، لذلك اعتبرت هذه الموسوعات بمثابة «التخزين» الثقافي، كمقابل وامتداد لمرحلة «التدوين»، التي تم فيها تقييد الذاكرة الجماعية في مختلف أصناف القول، في بديات تطور الدولة، وانتقالها إلى مرحلة الكتابة.
استنتجت في «قال الراوي» (1997)، أن السيرة الشعبية موسوعة سردية، ونص ثقافي، فموسوعيتها تكمن في أنها استوعبت كل أنواع السرد العربي، وثقافيةُ نصِّها تتجلى في كونها تمثلت كل المعارف التي كانت سائدة، وقد جمعت كل ذلك في بنية نصية كبرى يمكن عدها، من أهم النصوص السردية العربية جماليا ودلاليا. ولا يكاد نص سردي عربي، بما فيه الليالي، أن يكون في مستوى ما حققته على أصعدة شتى. إنها موسوعة سردية عملت على تجميع تركيبي للسرد العربي، بينما الليالي ظلت «خزانة سردية» تضم أشتاتا من الحكايات والقصص. ولعل ما يعطي للسيرة، هو الخاصية المميزة، كونها مارست التجميع التركيبي باعتماد الحبكة التاريخية في بنيتها الكبرى، من منظور شعبي، يختلف عما تقدمه الأدبيات الكلاسيكية التابعة للمؤسسة، والثقافة العالمة، فكانت بذلك كل سيرة شعبية حلقة من حلقات تسلسل، وتطور تاريخي من فترة ما قبل الإسلام، إلى عصر المماليك. يدل انطلاقها مما قبل الإسلام على أنها تعتبر أن للعرب تاريخا عريقا، وجاء الإسلام ممهدا لحقبة جديدة في تاريخ البشرية. وأن وقوفها عند حد عصر الظاهر بيبرس، الذي انتصر في معاركه على أعداء المنطقة العربية الإسلامية، أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، إيذان بنهاية تاريخ ظل فيه الصراع على أشده بين العرب وغيرهم من الأمم المجاورة، التي كانت تعمل على إخضاع المنطقة لنفوذها، والهيمنة عليها، ولاسيما المغول (عين جالوت) والصليبيين (الاستيلاء على إنطاكية الصليبية).
إن البعد التاريخي للسرد في السيرة الشعبية، وهي تغطي مساحة واسعة من الوجود العربي ـ الإسلامي من منظور الراوي الشعبي، أكسبها طابعا متميزا عن الكتابة التاريخية الرسمية. فجاء سردها التاريخي مزيجا من الواقع المعيش في أحواله ووقائعه المشهودة، والمؤرخة بالخيال الإبداعي المتشبع بالمتخيل الشعبي في تصوره للعالم، ورؤيته لتعقيداته. فكانت بذلك السرد الذي يغطي التاريخ بمسحة محملة بكل الآمال والأحلام، والانتصارات والخيبات التي ظل الإنسان العربي يعاني منها في حياته الواقعية والخيالية. وبهذا نالت مكانتها وحظوتها في الخيال الشعبي العربي، من جهة، وخصوصيتها في تاريخ السرد العربي، من جهة ثانية.
تتجلى لنا تاريخية السيرة الشعبية العربية، من خلال عملنا على تحقيب نصوصها إلى حقبتين كبيرتين: ما قبل الإسلام وما بعده. تمتد أولاهما من سيرة الملك سيف بن ذي يزن، وتنتهي بسيرة الزير سالم، مرورا بسيرتي حمزة البهلوان، وفيروز شاه. أما الحقبة الثانية فتبدأ من العصر الأموي وتنتهي بعصر المماليك، وتبدو لنا بجلاء من خلال سيرتي الأميرة ذات الهمة، وولدها عبد الوهاب، والظاهر بيبرس. في الحقبتين معا رصدت السيرة الشعبية من خلال حلقاتها المختلفة واقع العرب ذاتيا وداخليا، وموضوعيا وخارجيا. يبدو الداخلي في الصراعات التي ظلت قائمة بين العرب أنفسهم، سواء كانوا قبائل متناحرة قبل الإسلام (سيرة عنترة، والزير سالم)، وبعده من خلال سيرة بني هلال التي هي امتداد للزير سالم. أما الصراع الخارجي فكان قبل الإسلام بين العرب والإمبراطوريتين: الحبشية (سيرة الملك سيف)، والفارسية (سيرتا حمزة البهلوان، وفيروز شاه). وبعد الإسلام صار الصراع الخارجي مع الروم الصليبيين بصورة خاصة (سيرة ذات الهمة، والظاهر بيبرس).
إننا فعلا أمام موسوعة سردية تاريخية شعبية، حاولت تجميع الأحداث والوقائع، وتقديمها بصورة تعكس المتخيل الشعبي العربي في رصده للتطور من منظور يستفيد مما كتب تاريخيا، ومما صنف من معارف وعلوم، ولكن بطريقته الخاصة التي تراعي حساسياته ومواقفه من تلك الأحداث الكبرى في مختلف تجلياتها. يتحقق ذلك بجلاء ليس فقط في قراءته للأحداث (الأفعال) الخاصة ببعض القضايا الكبرى بطريقة مختلفة عما هو متداول في كتب التاريخ الرسمي، ولكن أيضا، في انتخابه لشخصيات (الفواعل) تاريخية واقعية أحيانا (الملك سيف، عنترة بن شداد، الظاهر بيرس)، أو شخصيات خيالية ذات رمزية عربية خالصة (الأمير حمزة، فاطمة بنت مظلوم).
إن الشخصيات البطولية التي انتقاها الراوي الشعبي لا علاقة لها بالخلفاء الذين كان حضورهم باهتا في السير المختلفة. لقد اختار شخصيات تمثل القيم العربية الأصيلة لما قبل الإسلام (الشجاعة والمروءة) ومثال عنترة خير مثال. والعدل والصلاح، ونصرة الإسلام والوطن بعد ظهوره (ذات الهمة، والظاهر). لم يفرق الراوي الشعبي بين هذه الشخصيات، حسب أصولها العرقية، أو هويتها القومية. فكان عنترة العبد الأسود، وعمر العيار، نظير أبي زيد الهلالي، وهم لا يختلفون عن بيبرس المملوك. وكما أبدى تفاعله مع شخصيات حبشية وفارسية ورومية، كانت تنتصر للقضايا التي تهم العرب والمسلمين، أدان أشد الإدانة عربا كانوا خونة، وفي خدمة مقاصد الصليبيين (عقبة شيخ الضلال).
ظل الترابط بين عوالم مختلف السير متصلا على جوانب متعددة، وبذلك تكتسب السيرة الشعبية فعلا طابعها الموسوعي السردي والتاريخي، إنها خلاصة تجربة ورؤية للتاريخ والسرد، وهي بذلك لا تختلف عن بقية الموسوعات العربية المختلفة، سواء من حيث قيمتها الفنية والجمالية أو المعرفية. فما مدى استفادة السرد العربي الحديث من تجربة سردية عربية متفردة في تاريخ السرد العالمي؟
