د. محمد أحظانا
تسمية على مسماها
إذا كانت ثمة تسمية يمكن أن تنطبق على اليوم الحادي عشر من الحرب المجنونة في الشرق الأوسط فهي أنه يوم حصاد الحسابات الخاطئة.
- كيف ذلك؟
أولا: بالنسبة حسابات وردية
:
1- أخطأ اترامب في قياسه حالة إيران على حالة فنزويلا. ولذلك أسباب على ما يبدو لي:
- أن اترامب بنى حملته على تزييف شامل قام به قرينه النتن.. بشحنة طائرته من الأكاذيب ليقنعه ببساطة الحملة على إيران، حيث كان اعتقاده أن إيران ستنهار بقتل قيادتها.
- مصادفة هذه الأكذوبة صدى في نفس اترامب لنشوته بسكرة القوة، وإعجابه بنجاحه المدهش في فنزويلا. فصدق عليه قول المتنبي:
إنما تصدق المقالة في المر*
إ، إذا صادفت هوى في الفؤاد.
فصدق اترامب قرينه لذلك.
- سوء الفهم العميق الناجم عن الجهل المطبق بطبيعة الإنسان المشرقي الصلب أمام المس بكرامته واحتقاره، و هتك شرفه.
- التعاطي مع المبالغات باعتبارها وقائع في كل شيء يعني الثنائي اترا/هو الذي لا يقهر؛ مقابل إيران في نظرهما: التي هي دولة ضعيفة من العالم الثالث، كدمتها الحروب الدورية، وتعمها المظاهرات المطلبية، ولا تحتاج إلا لأربعة أيام من الضرب ليتهاوى نظامها لأنه ساقط حكما. ولا يمنعه إلا بعض مفوضيات الشرطة التي يمكن القضاء عليها بقصف شامل، قياسا على قصف شرطة غزة، كما فعل النتن..
- الفجاجة في تقدير ردة فعل الشعب الإيراني تجاه قتل مرجعه الديني وطاقمه الذي يحكم به، فقد تيقن اترامب وقرينه وصدق أن الشعب الإيراني لا ينتظر إلا ضربتهم ليهب هبة واحدة ويستقبل صواريخهم بالورود.
- عمى وصمم الرغبة الجارفة لدى اترامب في تلبية كل طلبات النتن.. ياهو فاستجاب له بحماس صبياني لتعجيل الحرب، دون الإعداد الكافي لها. ودراسة أهدافها ومضاعفاتها و جدواها، ومنهجها.. فكانت حربا ضد إرادة قواده العسكريين المهنيين (رئيس أركانه و أغلب فريقه) فماشَوْا نزقه دون اقتناع.
- الشعور الزائف بالأمان المطلق، والثقة في الهيبة، وأثرها على الأعداء، بحيث لن يجرؤ أحد على "أكبر قوة عالمية"؛ بل سيفزع منها كما فزعت منها فنزويلا، ويستسلم بمحرد الحشد العسكري قبل الحرب. ولذا استغرب اترامب علانية عدم استسلام إيران خوفا من حشده.
- التأكد من أن إيران يمكن أن تخدع ألف مرة وتعود عند الطلب إلى مائدة الاستسلام غير المشروط.
- الثقة الزائدة في العملاء وإخلاصهم -الذي لم يشفع لهم من القتل- و بناء الخطط على آرائهم ومعلوماتهم المبالغ فيها حول "أسلحة إيران الواهية"، وتفكك جيشها، قياسا على جيش فنزويلا، التي عقل عليها اترامب تعقل الأعمى لرؤية الفأر فأصبح بقيس به كل شيء. مع المبالغة في ضعب حزب الله..
ثانيا: هامش الخطأ في تقدير القوة الإيرانية وإصرارها على الصمود
كان هامش الخطأ في تقدير ردة الفعل الإيرانية أكبر من متنه، في وجهتين:
- وجهة ردة الفعل على إسرائ.يل وآميركا عسكريا بهذه الضراوة.
- وجهة ردة الفعل على الحيز الجغرافي المجاور.. وسوار القواعد الآميركية المحيط بإيران. فقد كانت ردة فعل غير متوقعة بل مستحيلة في نظر اترامب. غرورا وتزيينا من قرينه.
فماذا بعد؟
لقد انهارت كل هذه التوقعات المبالغ فيها وواجه الثنائي انفحارا في حقل الألغام العسكري والسياسي الذي تحرك إليه، ولم يبق في اليد إلا الارتباك وخيبة الأمل المشبعة بالمكابرة وعدم التصديق، خيبة الأمل في القوة الذاتية، والمجال، وردة الفعل، والأثر الاقتصادي الكارثي.
لذا لا غرابة إن كانت تصريحات اترامب متناقضة منذ البارحة كأنه يتكلم وهو نائم؛
ولا غرابة إن أصيب قرينه بالكمه، فالحسرة عظيمة، والخيبة طامة.
ولا غرابة -خاصة- كذلك إذا لم تصدقه الأسواق عالميا بعد تصريحه البارحة إذا هدأ فزعها ثانية بتصريح جديد بخصوص إيقاف الحرب؛ ف "كذبة واحدة تملأ مزودا، وكذبتان لا تضعان فيه حبة واحدة."
الخيبة من خطأ الحسابات الخاسرة، و الفزع من نتائجها.. ذلك هو حصاد اترامب وقرينه من حربهما المجنونة، فالحصاد من جنس البذور.
