102 شاعر يكتبون فلسطين: جوقة إنسانية ضد النسيان

102 شاعر يكتبون فلسطين: جوقة إنسانية ضد النسيان

الشعر محاولة لإعادة ترميم ما لا يرمم (لوحة للفنان عبدالله كنان)

 

الطيب ولد العروسي

قد لا ينقذ الشعر الذي يكتب عن فلسطين المحاصرة بآلة الإبادة والحرب والاحتلال أي فلسطيني جسديا، ولكنه قادر لا شك على توثيق سردياتهم ونقل حكاياتهم ومشاعرهم أبعد من الزمن الراهن، وهنا تكمن أهميته، إنه وثيقة ستتناقلها الأجيال وستكون حاسمة في ترسيخ الوعي بالاحتلال وجرائمه.

تفاعل كثير من الفنانين والمثقفين من مختلف أنحاء العالم مع القضية الفلسطينية، بوصفها قضية إنسانية قبل أن تكون سياسية، وقضية ضمير قبل أن تكون صراع حدود. وفي هذا السياق صدر كتاب جديد بعنوان “تعددية صوتية من أجل فلسطين: 102 شاعر”، تحت إشراف ميشال قصير، ومتّين جنكيز، وإيمانويل مالهاب.

وقد صدر الكتاب في باريس عن منشورات هارماتان، في 212 صفحة، مطلع شهر يناير 2026، ليشكّل إضافة نوعية إلى الأدب التضامني العالمي، “ويجسد لحظة ثقافية تتقاطع فيها الجغرافيا بالوجدان، واللغة بالعدالة”.

ألم إنساني مشترك

يضمّ هذا العمل الشعري نصوصًا لاثنين ومئة شاعر من إحدى وثلاثين دولة، وبثلاث عشرة لغة تمتد عبر قارات العالم. وهو رقم لا يعكس مجرد تنوع عددي، “بل يكشف عن تعددية ثقافية وروحية، إذ تتجاور في صفحاته لغات وخلفيات وتجارب مختلفة، تتوحد جميعها في حسّ إنساني مشترك”. ففلسطين في هذا الديوان المشترك، “ليست موضوعًا خارجيًا يُكتب عنه من مسافة، بل جرح إنساني مفتوح يجد صداه في ضمائر شعراء من الشرق والغرب، من الشمال والجنوب”.

قوة الشعر هنا أنه يمنح المعنى للأفعال الصغيرة والمنسية ويحولها إلى إشارات كبرى في سجل الكرامة الإنسانية

ويحمل عنوان الكتاب دلالة عميقة؛ فـ “التعددية الصوتية” لا تعني مجرد جمع قصائد في مجلد واحد، “بل تشير إلى تناغم أصوات متباينة تشكّل، معًا، ما يشبه الجوقة الإنسانية. كل شاعر يكتب من موقعه الثقافي واللغوي، لكنه ينخرط في خطاب جمعي يرفض العنف ويستنكر المجازر ويحتفي بالحياة”. وهكذا تتحول القصائد إلى جسور عابرة للحدود، تؤكد أن الألم الإنساني لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة كاملة كي تُفهم.

في أحد المقاطع المنتقاة من الديوان، تتجسد مأساة القصف في صورة مكثفة ومؤثرة: “عندما يُقصف منزلي،/ لا أطلب المستحيل،/ ولا أستجدي معجزة كاملة./ أطلب فقط رحمةً صغيرة بحجم إصبع./ اتركوا لأمي إصبعًا واحدًا…”.

يختصر هذا النداء البسيط “فداحة المأساة. فالشاعر لا يطلب النجاة الكاملة، ولا يستعطف العالم بمعجزة خارقة، بل يطلب ‘إصبعًا'”؛ رمزًا للقدرة على اللمس، على البحث، على ترتيب ما تبقى من الحياة وسط الركام. إنّ الصورة هنا تتجاوز بعدها الواقعي لتغدو استعارة كبرى عن الإنسان الذي يُجرّد من كل شيء، فلا يبقى له سوى أمل ضئيل يتشبث به.

 

القصائد تتحول إلى جسور عابرة للحدود

وتمضي النصوص في تصوير لحظة القصف بوصفها لحظة انكسار للزمن ذاته: “يتشقق الزمن كما تتشقق الجدران، وتتطاير السنوات في الهواء كزجاج نافذة”. فالدمار لا يقتصر على الحجر، بل يمتد إلى الذاكرة والتاريخ والطفولة. فضلا على البيت الذي كان مأوى يتحول إلى سؤال، “والغرفة التي كانت سريرًا للحلم تصير حفرةً للذاكرة”. وهنا يتجلى دور الشعر بوصفه محاولة لإعادة ترميم ما لا يُرمم، وحفظ ما يتعرض للمحو.

إن البحث الذي تقوم به الأم الفلسطينية في المقطع الشعري ليس “مجرد فعل فردي، بل هو صورة رمزية للمقاومة”. فهي تبحث في الركام عن أثر حياة، عن نفسٍ أخير، عن دفءٍ لم يبرد بعد. والبحث، كما يشير النص، هو شكلها الوحيد من أشكال المقاومة؛ “فحين يُحرم الإنسان من السلاح ومن القدرة على الدفاع، يصبح الإصرار على الحب والبحث والنداء فعل مقاومة أخلاقية”. ومن هنا تتجلى قوة الشعر: إنه يمنح المعنى للأفعال الصغيرة، ويحوّلها إلى إشارات كبرى في سجل الكرامة الإنسانية.

وثيقة ثقافية وأخلاقية

اجتمع الشعراء المشاركون في هذا الديوان لا ليضيفوا ضجيجًا إلى ضجيج العالم، بل ليصنعوا مساحة إنصات. مساحة إيقاظ الضمير الإنساني، لاسيما وأننا في زمن تتكاثر فيه الصور العنيفة والأخبار المتلاحقة، يصبح الإنصات فعلًا نادرًا. القصيدة هنا لا تنافس وسائل الإعلام في سرعة الخبر، “بل تعيد للحدث عمقه الإنساني، وتمنح الضحية اسمًا ووجهًا وصوتًا. إنها تحرر الإنسان من اختزاله في رقم أو عنوان عابر”، وتبين أن القضية الفلسطينية هي قضية إنسانية مشتركة.

إلى جانب ذلك، يؤكد الديوان أن الشعر ليس ترفًا لغويًا ولا زينةً بلاغية، بل هو “مستشعر الألم” ومرآة حضارية تلتقط ارتجاجات القلب البشري. “فالقصيدة لا توقف قنبلة، لكنها تفضحها؛ ولا تعيد بيتًا سقط، لكنها تحفظ صورته في الذاكرة الجماعية كي لا يُمحى”. وهنا تكمن قوة الأدب أو كما قال كاتب ياسين “الفن إما أن يكون بمثابة قنبلة أو لا يكون”، لذا فإن الشعر عنده قدرة على مقاومة النسيان، “وعلى تثبيت الرواية الإنسانية في وجه محاولات الطمس”.

تتنوع قصائد الكتاب بين الرثاء والاحتجاج، بين التأمل والغضب، بين الحزن والأمل. وتتجاور فيها صور الأمهات الثكالى، والأطفال المرتجفين، والآباء الذين يقفون عاجزين أمام الخراب. غير أن الخيط الناظم بينها جميعًا “هو الإصرار على الحياة. فحتى في أحلك اللحظات، يظل هناك صوت يعلن أن الكرامة يمكن أن تنبت في أقسى الأراضي، وأن الإنسان أكبر من ركامه”.

فلسطين في هذا الديوان المشترك، ليست موضوعا خارجيا يكتب عنه من مسافة، بل جرح إنساني مفتوح

إن التضامن الذي يعبّر عنه هذا العمل ليس شعارًا عابرًا، بل فعل حضور. “أن تكتب قصيدة من أجل شعب يرزح تحت القصف يعني أن ترفض الغياب الأخلاقي، وأن تؤكد أن المعاناة ليست شأنًا محليًا، بل مسؤولية إنسانية مشتركة”. فحين يرفع شاعر صوته في أقصى الأرض دفاعًا عن حياة إنسان في فلسطين، فإنه يعلن وحدة المصير الإنساني.

قد تبدو هذه المساهمة هشة أمام آلة الحرب، لكن هشاشتها الظاهرية “تخفي قوة معنوية عميقة. فالكلمة، وإن بدت ضعيفة، تملك قدرة على البقاء أطول من الرصاص. وهي تحفظ الذاكرة”، وتمنح الضحايا اعترافًا رمزيًا، وتبقي السؤال مفتوحًا في وجه الظلم والعتمة، خاصة في عالم غربي يعطي “دروسا” في الديمقراطية و”حقوق الإنسان”، لذا فالكتاب في جوهره رسالة تقول للفلسطينيين إنهم ليسوا وحدهم في هذا الليل الطويل، وإن أصواتًا بعيدة تحمل أسماءهم في قصائدها.

إن الأدب الذي يُكتب بأقلام هؤلاء الشعراء، أو باسم الضحايا، ليس مجرد نصوص عابرة، بل شهادة على زمن، ووعد بأن الإنسانية، مهما انكسرت، “قادرة على أن تعيد تعريف نفسها من جديد. وهكذا يغدو هذا الديوان وثيقة ثقافية وأخلاقية”، تسجل لحظة تضامن عالمي، وتؤكد أن الشعر ما زال قادرًا على أن يكون مساحة ضوء في عتمة العالم، وأن الكلمة، حين تنحاز إلى الإنسان، تصبح فعلًا من أفعال المقاومة النبيلة.  وبالتالي فالشعر لا يزال يُشير ويُدين ويلاحق بكلماته الطغاة والمستبدّين في أي مكان من العالم.

الطيب ولد العروسي

كاتب جزائري