مناضل ومثقف "خارج عن المألوف"
ثمّة بعضُ الشخصيات، الحقيقيّة أو الخياليّة، التي تثبتها القراءة في أذهاننا حتى تغدو مرافقةً لنا في حلّنا وترحالنا، لاسيما تلك التي نتعلّق بها باعتبارها أنموذجاً للكفاح والنضال من أجل التحرّر من نير العبودية ومن نير الاستعمار.
وفي هذا السياق أذكر، على سبيل المثال لا الحصر، شخصيّة الأم في رواية مكسيم غوركي، التي التحقت بالنضال عندما تأكّدت أنّ ابنها كان على حق في مطالبته بتغيير الأوضاع المهلكة والمميتة، وكذلك شخصيّة البطل في “الأيّام” لطه حسين، من خلال تحدّيه وقهره للظلام والظالمين، ليُحقّق مجدا تُوِّج بعمادة الأدب العربي، وأذكر أيضا بطل همنغواي في روايته الشهيرة “العجوز والبحر”.
ثمّة، في المقابل، شخصيّات أخرى سلبيّة مؤذية للآخرين، على نحو ما نجده في قصّة جيلالي خلاص المُضمَّنة في مجموعته “خريف رجل المدينة”. فلقد استغلّ البطل وضعه السياسي ليأتي على الأخضر واليابس، وراح يُفكّر في المنكر الذي قام به وهو يحتضر في حادث سيارة. ولقد انطلق جيلالي خلاص، في هذه القصة، من الواقع الجزائري، مستشرفا مستقبل البلاد إذا بقيت بين أيدي مجموعة من الوصوليين.
مصطفى كاتب يعود إليه الفضل في ترسيخ ثقافة المسرح في الجزائر والسينما، خاصة بحكم المسؤوليات التي تقلّدها
شخصية رمزية
في المقابل ثمّة حكايات شعبيّة أخرى تتمحور حول البطل الشجاع المغوار الذي يواجه الشر وينتصر عليه، بفضل قوّته وصبره وإيمانه بقدرته على محق الباطل. إلى ذلك يأتي تأثير السينما في الذاكرة الشخصية والاجتماعية، حيث لا زلت، شخصيا، أتذكر تأثير المبدع مصطفى كاتب في فيلم “الأفيون والعصا”، الذي قام بإخراجه أحمد راشدي عام 1969. وهذا الفيلم هو قصّة مستوحاة من رواية الكاتب الجزائري مولود معمري، الذي تطرّق فيها إلى ثورة التحرير الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي.
لقد سعى المخرج إلى دمج الجانب التاريخي والاجتماعي والسياسي والفني، مستحضرا الكثير من الرموز، مما جعل هذا الفيلم يُشكّل إحدى كلاسيكيات السينما الجزائرية. وهو فيلم ساهمت فيه مجموعة من الممثلين، من ضمنهم مصطفى كاتب، الذي لعب دور المجاهد الذي ينتقل لزيارة مجاهدين آخرين يدافعون، من قمم الجبال، عن كرامة الوطن. ولقد كان يرتدي برنوسا جزائريا أبيض اللون، والتحق بهم ليحدثهم عن مسار الثورة التي تشبّث بها الجزائريون في كل مدينة وقرية، وليحثّهم على ضرورة الدفاع عن كرامتهم.
ولقد ذكّرني دوره هذا بطفولتي في قريتنا الجبليّة، وبالمجاهدين الذين كانوا يمرّون قاصدين سكانها لأخذ قسطٍ من الراحة، ولتناول وجبة بسيطة متكوّنة من “الفطير” والقهوة، أو ما توفّر من أكلٍ لشدّ رمقهم ومواصلة توغّلهم في الجبال لمواصلة الكفاح
فيلم "الأفيون والعصا" دمج الجانب التاريخي والاجتماعي والسياسي والفني، مما جعله يُشكّل إحدى كلاسيكيات السينما الجزائرية
كنّا، كجيل خرج لتوّه من الاستقلال، ننتقل من مدينة إلى أخرى لمشاهدة هذا الفيلم، ونتبادل الحديث حول أحداثه، كلٌّ من وجهة نظره. وكنت كثيرا ما أحدّثهم عن دور مصطفى كاتب. وكنّا، كلّما أُتيحت لنا الفرصة ووجدنا قاعة سينمائية، نذهب لمشاهدة نفس الفيلم مرّات عدّة. وفي كل مرة كنّا نتداول أخبار ذلك الفيلم وأحداثه، علاوة على أننا كنّا نتناقش، فيما بيننا، في أمور لم ننتبه إليها في المرّات السابقة. إلى ذلك، كان حلم الالتقاء بتلك الشخصيات يراودنا كثيرا، ولكنه كان صعب المنال، إن لم أقل مستحيلا، خاصة بالنسبة إلينا نحن أبناء القرى النائية أو المدن الداخلية الفقيرة.
الإنسان والفنان المطّلع
مع مرور السنوات، وحينما انتقلت إلى باريس، تم عرض فيلم “الأفيون والعصا” في بعض قاعات السينما الفرنسية، وهو الأمر الذي أثار الكثير من الجدل في الأوساط السياسية، وقد غذّت الصحافة وبعض الحركات السياسية المتطرفة هذا الجدل، منها بالأخص تلك التي كان أصحابها لا يزال يراودهم “حلم” العودة إلى الجزائر وكأنّها من ضمن “ملكياتهم”.
ولقد تعرّفت، في نهاية سبعينات القرن الماضي، على أخي وصديقي الراحل عبدالعالي رزاقي، ابن الشهيد الذي ضحّى مثل الكثيرين من أجل استقلال البلاد، والذي يبدو كما لو أنّه ترك رسالة لابنه لمواصلة الكفاح.
لقد كان عبدالعالي مسؤولاً عن الأنشطة الثقافية، وقدّم مجهودات متميّزة في هذا الإطار. ولم أكن أعرف أن عمله كان على علاقة وثيقة بمصطفى كاتب، إلا حينما فاتحته ذات يوم في موضوع دراستي، حينما كنت أعدّ شهادة في “علم المكتبات والتوثيق”.
لقد كانت تلك الشهادة تخوّل لي الاستفادة من منحة، فطلب مني القدوم إلى الجزائر، وبعدها زرنا مكتب المنح الكائن في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في حسين داي آنذاك، وكان عبدالحق برارحي وزيرا لها. وحين دخولنا الوزارة، التقينا بمصطفى كاتب، فاندهشت للأمر، وبدأت أسأل نفسي إن كنت في حلم أم في حقيقة، إذ وجدت نفسي أمام تلك الشخصية التي فتنتني منذ صغري، ورحت أتابع حديثه مع عبدالعالي رزاقي حول الواقع الثقافي العربي والعالمي بكثير من التواضع والثقة في الذات.
لقد عرّفني به الصديق عبدالعالي رزاقي، وأخبره بأنني أعيش في فرنسا، وأنني أدرس علم المكتبات والتوثيق وأعدّ لدبلوم الدراسات العليا في السوربون حول رضا حوحو، وأنني أتمنّى أن أحصل على منحة. وبالفعل، لم يتردّد هذا الرجل النبيل لحظة في مساعدتي، حيث تواصل مع أحد زملائه الذي زوّدني بملف ملأته في مكتبه، وأعدته إلى المكتب المختص مصحوبا بالوثائق والشهادات المطلوبة التي كانت بحوزتي.
غادرت المبنى مسرورا، بل فخورا بهذا اللقاء. ولم، ولن، أنسَ جميل هذا الرجل النبيل والإنسان الطيب، إذ جاءتني الموافقة لاحقاً بعد عدة أسابيع، وتمكّنت من متابعة دراستي دون الحاجة إلى مواصلة عملي كحارس في بنك في جادة الشانزليزيه.
لم يتوقف دور الفنان عند التمثيل بل كان يقود حراكا ثقافيا في الجزائر ما بعد الاستقلال بروح مناضل
بعد حصولي على شهادة في علم المكتبات والتوثيق في بداية الثمانينات، عدت إلى الوزارة، وزرت مصطفى كاتب، وأبديت له رغبتي في إيجاد وظيفة في الجزائر عملاً ببنود المنحة التي وقّعتها. وأتذكّر أنّه دلّني على مدرسة علم المكتبات بمعهد الفنون الجميلة في العاصمة، ثم صارحته بأنني لم أعثر على سكن، لا عند الأصدقاء ولا عن طريق بعض المعارف، لكنني مستعد لاحترام الوثيقة الموقّعة.
أتذكّر أنّه طلب مني الجلوس على كرسي إلى جانب مكتبه، وسألني إن كنت لا أزال محتفظا بغرفتي في الحي الجامعي. أجبته بنعم، وأنني تركت فيها أحد الأصدقاء، ثم نصحني قائلاً إنه من المستحسن أن أعود إلى باريس لمواصلة دراستي أو البحث عن عمل هناك.
شعرت بأنني أمام إنسان شهم، وزاد تقديري واحترامي له، لاسيما وأنه قدّم لي نصيحة لا تُقدّر بثمن حينما علم بأنني مهتم بالبحث، ولذلك نصحني بالعودة إلى باريس إلى أن أعثر على سكن لائق في الجزائر. وهذا موقف إنساني رائع، وسيظل محفورا في ذاكرتي لن أنساه أبدا.
وفي صيف سنة 1984 زارنا مصطفى كاتب في باريس رفقة الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم وممثلة المسرح الجزائرية صونيا مكيو. ولقد تزامنت تلك الزيارة مع إقامة معرض خصّصه مركز بوبورغ لمارك شاغال، المولود في روسيا والحاصل على الجنسية الفرنسية عام 1937، إذ ارتبط اسمه بالعديد من المدارس الفنية المهمة، وكان واحدا من أنجح فناني القرن العشرين.
في الواقع، لقد رسم لنفسه طريقا مهنيا متميّزا. ولم أتفاجأ باطلاع مصطفى كاتب ومعرفته الدقيقة لأهم مراحل هذا الفنان، وعندما لاحظ أنني لم أستوعب الرسومات المعروضة، بدأ يشرح لي أسرار بعضها، التي تحتوي على أحاسيس ومعطيات بالغة التعقيد، ولا يستطيع أيّ كان حل ألغازها، مما جعلني أنبهر بثقافته الواسعة، وكذلك بتواضعه واطلاعه الواسع على الفن المعاصر عربيا وعالميا.
إنّه يُعبّر عن تواضع الكبار الواثقين من أنفسهم، مما جعلني أستوعب بعض مرامي رسومات شاغال، وأقدّر أكثر فأكثر مكانته ودوره الذي يعود إليه الفضل في ترسيخ ثقافة المسرح في الجزائر والسينما، وذلك بحكم المسؤوليات التي تقلّدها عن جدارة واستحقاق.
شخصية نضالية
دوره في فيلم "الأفيون والعصا" أيقوني خالد
لقد ظلّت ذكرى مصطفى كاتب محفورة في ذاكرتي، وعندما ذهبت إلى “أرشيف ما وراء البحار” في إيكس أون بروفانس بالقرب من مرسيليا، كان ولا يزال يحدوني الأمل في إنجاز مشروع حول الكتّاب الجزائريين في الأرشيف، إذ صوّرت مجموعة من الملفات، ولم أستطع إنجاز ملف مصطفى كاتب. والمتصفّح لهذه الوثائق يُدرك دور هذا المناضل والمثقف “الخارج عن المألوف”، على نحو ما تؤكّده وثيقة أرسلتها الشرطة الفرنسية إلى مسؤوليها أثناء متابعته له، وكنت قد قدّمتها في مداخلة سابقة في المسرح الوطني الجزائري.
ترجّل مصطفى كاتب من هذه الدنيا يوم الثامن والعشرين من أكتوبر 1988 بمدينة مرسيليا. ولقد كان لهذا الحدث رمزٌ مزدوج، إن صحّ التعبير، لأن وفاته تزامنت مع رحيل ابن عمّه الروائي والمسرحي كاتب ياسين في نفس اليوم ونفس السنة بمدينة غرونوبل. هذا من جهة، ومن جهة ثانية حضرت “نجمة” إلى مطار مرسيليا وهي تتوسط التابوتين يوم نقلهما في مفتتح نوفمبر إلى الجزائر. وفي هذا الإطار تقول الأديبة يمنى العيد: “يوم وفاته، عادت نجمة امرأة من لحم ودم…” (القدس العربي، 1 يونيو 2019).
لقد رحل كاتب ياسين عن عمر يناهز الستين سنة ودُفن في مقبرة العالية، أمّا مصطفى كاتب فقد توفّي وعمره تسع وستون سنة، بعد أن ساهم في بعث الحركة الثقافية والمسرحية والسينمائية في الجزائر، وهو يُعدّ من بين أهم الشخصيات الثقافية والنضالية.
كاتب جزائري
