
أ.د. عبد الله السيد (*)
كنت وعدت في حلقة ماضية من حلقات هذا العنوان بالرجوع إليه، ثم طرأت أمور شخصية أبعدتني عن هذا الفضاء أياما وليالي.
واليوم هاتفني أحد الأصدقاء بضرورة الوفاء بذلك الوعد، فالتمست منه أن يستمع إلى ما في جعبتي عن الموضوع مشافهة، أو يصبر لعل الله يمن عليه هو وأمثاله بنعمة نسيان هذا الوعد، كما من علي بها، لكنه لم يتركني حتى أخذ مني عهدا بالكتابة.
وبما أن موضوع الماء هو حديث الساعة الآن في عاصمتنا العامرة بالأمل والإرادة فسأتناول الفساد بالتركيز عليه في حديث يجمع ماضي تجربة ذاتية، بحاضر معاناة جماعية؛ تحمل مؤشرات مؤلمة.
فقبل ثلاثين سنة من الآن عاد أحد أبناء هذا الوطن من غربة طلب العلم حاملا معه شهادة عليا؛ وفرحت به أسرته أيما فرح؛ فقد كانت تعلق عليه كبير الآمال في الخروج بها من واقع إلى آخر أفضل، وبعد أسابيع معها في إحدى مدن وطن، أنعم عليه بالاتساع، قرر التوجه إلى العاصمة لطرق أبواب العمل.
فوجئ بالانفجار العمراني الذي عرفته العاصمة بعده، وباتساع التفاوت بين أحيائها وساكنتها... وبعد شهر من "الكوس" بين الأحياء والمكاتب اتصل به كبير الأسرة ليعرف جديد بحثه عن العمل فأخبره بما يتطلبه ولوج الوظيفة العمومية آنذاك من شروط تتجاوز الشهادة والمؤهلات الشخصية، فأشار إليه أن يدرس مشروعا في القطاع الخاص، يكون رأس ماله في حدود ذمة معيل أسرة، وأعطاه الحدود القصوى التي يمكن أن يصلها رأس مال المشروع.
فكر المسكين في مشاريع كثيرة، وتبادر له في النهاية أن يعمل مشروعا لبيع الماء في الأحياء النائية... سأل عن ثمن السيارات التي تحمل صهاريج متوسطة فإذا بها غالية، تفوق، بكل تأكيد، ذمة مموله؛ لذلك عدل عنها إلى التفكير في الصهاريج المحمولة على الحمير، فعرف ثمنها، وراتب العامل، ورأى أنه يمكنه الحصول في طرف المدينة على مقرات للمشروع في أراض رخيصة غير مشرعة، وقابل بعض عمال شركة الماء والكهرباء فأفهموه أنه يستطيع الحصول على الماء الدائم شبه المجاني عن طريق وساطة أحد النافذين، أو بالتعامل مع أحد عمال الشركة المعروفين مقابل مبلغ شهري؛ شريطة أن يختار له العامل جهة مقر الشركة، وفعلا تفاهم مع أحد عمال الشركة على الجهة.
خلال أسبوع باتت صورة مشروع بيع الماء في نواكشوط واضحة، مرسومة على الورق، وكاد المشروع ينطلق لولا أن الممول سأل عن طبيعته، ولما عرفها أغراه بالسفر إليهم وترك نواكشوط.
وبعد الاستراحة من سفر طويل سأل الممول حامل الشهادة كيف تفكر في بيع الماء على الحمير وأنت صاحب شهادة عليا؟ فأقنعه بجدوائية المشروع ماديا، وبأنه إن كانت سمعته في البداية غير جميلة لدى بعض الأوساط التقليدية إلا أنه قد يتحول خلال فترة وجيزة إلى وسيلة نفوذ مالي واجتماعي داخل مجتمع في طور التشكل، وأنه بمجرد ما يقف المشروع على سوقه يمكنه أن يرفع سعر الماء بتوقيف ثلث الحمير عن العمل يوما أو يومين من أيام الحر، وعندها ستكون السلطات مضطرة لحواره، فيفرض عليها شروطه في التوظيف، وأن هذا النوع من الضغط أبلغ عنده من الضغوط بالقبيلة أو الفئة أو الحزب التي يتوظف بها أمثاله، وبين له ما اكتشفه أثناء دراسته لهذا المشروع من إهمال السلطات لهذا العنصر الحيوي، وغيابه في تفكيرها التنموي؛ لأن الشركة المسؤولة عن توفير خدمتي الماء والكهرباء يومئذ ينخرها الفساد وانعدام المسؤولية، وتفشي الرشوة...
ولما لاحظ الممول جدية حامل الشهادة على المضي في هذا المشروع أغراه بالعودة إلى الخارج لاستكمال دراساته، ولم يهدأ للأسرة بال حتى ودعته عائدا إلى الغربة.
تذكرت قصة مشروع هذا المسكين، فرأيت أن ثلاثة عقود مرت على تسلسل أحداثها في مخيلته لم تستطع محو كل مسوغاتها من واقعنا المعيش؛ ذلك أن صهاريج الماء التي تجرها الحمير ما تزال تجوب الأحياء حاملة هذه المادة الحيوية إلى المنازل، وهي تعكس لوحات متعددة من ألم الضمير؛ حين يتأمل ظروف العامل، أو يتحسس ألم الدابة، أو يفكر في نظافة المادة، فصحة المستهلك، أو يتدبر مدى حضور عنصر الماء في آليات التفكير التنموي للسلطات العمومية والمحلية...
هكذا يمكن للشركة صادقة أن تعتذر لزبنائها بأن انقطاع الماء خارج عن إرادتها؛ لأنها لم تفكر أبدا أن يكون لعاصمة كبيرة مخزون يوم أو يومين من مادة حيوية كالماء، ولا أن يكون ذلك متوفرًا لمدينة من مدننا الداخلية...
طيلة عقود من الزمن يباع الماء في عاصمتنا بربح خيالي؛ فالمتر المكعب تبيعه الشركة بسعر تفضيلي للحنفيات العمومية، وتبيعه تلك بهامش ربح معقول، ويبيعه الموزع البسيط الذي يستخدم الدواب بهامش ربح يتجاوز الضعف في أيام الشتاء ويصل الضعفين في أيام الحر، بينما يبيعه الموزع صاحب الصهاريج الكبيرة والمتوسطة بهامش ربح يصل خمسة عشر ضعفا.
وبالتالي لم نتمكن بعد من الوصول إلى الحد البسيط من مقومات الحياة الضرورية، وهو أن يشرب كل بيت من حنفيته، ليسهم ذلك في التخفيف من حدة الأمراض الناتجة عن تلوث المياه، ولا أن نوفر استمرار خدمتي الماء والكهرباء والاتصالات؛ لأن هذه الخدمات تقوم بها شركات تأسست من أول يوم على الفساد.
إن الانقطاعات التي عرفتها هذه السنة على مستوى الماء والكهرباء والاتصالات، والزيادة الكبيرة في فاتورة الماء والكهرباء ينبغي أن تأخذ باهتمام السلطات العمومية؛ لأنها تمس صميم أمن المواطن واستقراره، فإن كانت تتم عشوائيا ونتيجة للإهمال فهذا خطير، وإن كانت نتيجة للتستر على بؤر فساد في اقتناء المعدات والوسائل فذلك أكثر خطورة، وإن كانت بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية في استمرار هذه الخدمات الضرورية فهذا يمثل أكبر تحد يواجه المجتمع.
_ نعم لجعل خدمتي الماء والكهرباء جزء من الخدمات الاستراتيجية التي ترعاها الأجهزة العسكرية والأمنية، وتخطط لانسياب استمرارها في جميع المدن والقرى والأرياف وفي كل الأوقات والظروف.
_ نعم لقيام شركة اتصال وطنية عامة لا تتبع لاتصالات دولة أجنبية؛ لأن ذلك يمثل اليوم الجزء الأكبر من السيادة الوطنية والأمن القومي.
(*) مثقف وأكاديمي موريتاني كبير ومدير بيت الشعر في نواكشوط

