إعلانات

ولد ابريد الليل: البسكويت في تيشيت!

أربعاء, 14/01/2026 - 08:21

محمد المنى

 

في ذكرى وفاة السياسي والمفكر محمد يحظيه ولد ابريد الليل، تغمده الله بنعيم الجنة، ننشر هنا سيرتَه الذاتيةَ كما أوردتْها جريدةُ «الشعب» عشيةَ تعيينه وزيراً للإعلام في أول حكومة بعد انقلاب العاشر من يوليو 1978. ويتضح من هذه السيرة الرسمية أنه عمل مديراً ورئيسَ تحرير لجريدة «الشعب» نفسها خلال الفترة من عام 1967 إلى عام 1973، قبل أن يتفرغ بدايةً من ذلك العام للعمل في المجلس الوطني لـ«حزب الشعب الموريتاني» (مديراً للصياغة)، ليصبح عضواً في المجلس الوطني بدايةً من عام 1975 وحتى عام 1978، أي تاريخ الإطاحة بنظام الحكم المدني على يد انقلاب «العاشر من يوليو» الذي كان ولد ابريد الليل عضواً في جناحه المدني بقيادة الوزير شيخنا ولد محمد لغظف ومعه ممد ولد أحمد وأحمد الوافي وبحام ولد محمد لغظف.

لكن ولد ابريد الليل سرعان ما سيتعرَّض في ظل النظام الجديد لتجارب قاسية من الاعتقال والسجن والاتهام والتخوين والمحاكمات، وقد تحدَّث عن إحدى فترات اعتقاله في تِشيت، وعن الجوع الذي قاساه خلالها، كغيره من السجناء السياسيين الآخرين الموزَّعين آنذاك على عدة مدن وقرى في الداخل، لكن على نحو مليء بالإشارة والمجاز والكناية، أي الأسلوب الذي طالما مثَّل أحد أوجه براعة التعبير لدى المفكر والسياسي الراحل:

«في تلك الفترة بالذات كان داء الحفر (اسكوربيت) يعيث فساداً ويحصد الناسَ الأكثر هشاشةً ويهدد، قبل أي أحد، جميعَ السجناء في البلاد. حصلتُ على إغاثة مع سكان المدينة التاريخية التي كافحتُ، قبل ذلك، في أكتوبر 1978، إبان الجمعية العام لليونسكو في باريس، من أجل أن تُدمج في التراث العالمي للبشرية، الشيء الذي حصل فعلا لها هي وتوائمها المعروفات. أما وجباتي فقد تحسّنت، لكن عليك أن لا تغتر: لم أُصبحْ بعدُ سابحاً في الرخاء. ما حصلتُ عليه هو (كييسات) صغيرة تحتوي على دقيق يمَكّن مِن صنع شربة خفيفة، وكذلك على علب بسكويت مشبعة بالفيتامينات، والكل هدية من الهلال الأحمر.

المحدَّد اليومي للنفقة المخصصة لدرجتي من السجناء، أي كبار المجرمين، كان قدره أربعين أوقية.. يبدو أن مخصَّص السجناء السياسيين كان مائتي أوقية. المشرفون على المعتقل الانفرادي كانوا بدرجة من البراعة تمكنهم مِن أن يوفروا لي وجبتين يومياً: عند منتصف النهار الأرز والفاصوليا (آدلكان)، وفي المساء كسكس القمح الأميركي المُتَبَّل فقط بالملح ولكن بسخاء».

ومن مفارقات السياسة وعجائب صروفها أن الفقيد الرمز محمد يحظيه ولد بريد الليل لم يتعرّض للسجن والتنكيل والتشريد والإدلاء بالشهادة ضد رفاقه تحت الإكراه الجسدي، إلا في عهد الحكم العسكري الذي كان منظِّراً لأغلب مراحله. أما في عهد نظام المختار ولد داداه الذي كان يحكم بالحزب الواحد (الصيغة المعمول بها في كل الجمهوريات العربية الثورية آنذاك)، فإن عدم عضوية ولد ابريد الليل في «حزب الشعب»، بدايةً، لم تحرمه من نيل وظيفة بمجرد التخرج من الجامعة، كما لم يمنعه انتماؤه الأيديولوجي المعلن، والانتقادات التي كان يوجهها علناً لكثير من سياسات النظام وقراراته ومواقفه (وفي اجتماعات رسمية أحياناً)، من الاستمرار والترقي في وظائفه الحزبية والتنفيذية. بينما كانت آراؤه السياسية سبباً لبطالة ممتدة عاناها خلال العهود اللاحقة!

رحم الله كاتباً فريداً ومنظِّراً سياسياً عظيماً مثل ولد بريد الليل.

--------------------------------

ملاحظة: مصدر الصورة الأستاذ والباحث المهتم بأرشفة وحفظ وجمع الوثائق والآثار الثقافية والتاريخية الموريتانية، وصاحب «مكتبة الصحراء» التي لطالما مثلت وجهةً للباحثين الوطنيين والأجانب Ahmed Mahmoud Jemal Ahmedou