إعلانات

الجيش السنغالي على أعتاب مرحلة جديدة.. نحو "الاستقلال التسليحي"

أربعاء, 14/01/2026 - 05:58

محمد عبده/ الميادين نت

نفذت البحرية السنغالية مؤخراً تجربة ناجحة تتم للمرة الأولى في هذه الدولة الأفريقية لإطلاق الصاروخ البحري الأوروبي الصنع "MARTE MK2/N"، وهي خطوة غير مسبوقة بالنسبة إلى سلاح البحرية في السنغال، لم تمثل فقط إشارة لافتة إلى بدء تحول استراتيجي في دور هذا السلاح، من مجرد أداء مهام الدورية والمراقبة الساحلية، إلى بدء امتلاك قدرات "بحرية المياه الزرقاء"، سواء كانت هجومية أو دفاعية، بل مثلت أيضاً نقطة بداية لتعديلات جذرية على الأسس التي تؤطر تسليح وتدريب ودور القوات المسلحة السنغالية ككل.

بشكل عام، تعد السنغال على المستوى العسكري والأمني نموذجاً أفريقياً جديراً بالملاحظة والتنويه، إذ حافظت على استقرارها الداخلي - رغم وقوعها جغرافياً ضمن ما يعرف بـ"حزام الانقلابات الأفريقي"، وقرب حدودها مع دول تشهد أنشطة مسلحة مثل دولة مالي - ولم تشهد أية هزات امنية رئيسية، ناهيك بتفاديها أي اضطرابات سياسية داخلية قد تؤثر في أمنها، واقتصرت التحديات الداخلية على المستوى الأمني على مواجهة التمرد الانفصالي الذي يشهده إقليم "كازامانس" جنوبي البلاد، والذي تراجعت حدته بشكل كبير منذ عام 2015، وخصوصاً بعد توقيع اتفاقين للسلام بين الحكومة والفصائل المتمردة الرئيسية عام 2022 ومطلع عام 2025.

واقع القوات المسلحة السنغالية

رغم تواضع قدرات الجيش السنغالي - مقارنة بدول أفريقية أخرى - فقد يمثل في جانب كبير منه قوة عسكرية محترفة هي الأهم في منطقة غرب أفريقيا، تركز بشكل أساسي على مهام الأمن الداخلي، بجانب انخراط لافت ومستمر في عمليات حفظ السلام على المستوى الدولي. يحتل الجيش السنغالي المرتبة 124 بين 145 دولة يشملها مؤشر "جلوبال فاير باور"، ويتراوح تعداد القوة البشرية العاملة في الجيش السنغالي بين 15 و17 ألف جندي، موزعة بين 4 أفرع رئيسية هي القوات البرية والجوية والبحرية والدرك، تعمل ضمن 7 مناطق عسكرية رئيسية.

تبلغ الميزانية الدفاعية للسنغال لعام 2025 نحو 465 مليون دولار، ويمكن من خلال الأرقام السابقة - مقارنة بدول أفريقية أخرى مثل موريتانيا أو مالي - فهم أن القدرات العسكرية للسنغال قد تبدو محدودة على المستوى العددي أو الكمي، لكنها في الوقت نفسه تتسم بمستويات كبيرة من الاحترافية الميدانية والتجانس العرقي الذي حافظ على تماسك الجيش السنغالي خلال العقود الأخيرة بشكل أكبر من دول أفريقية أخرى مجاورة. يضاف إلى ذلك ملاحظة حرص داكار على المشاركة في معظم عمليات حفظ السلام في أفريقيا، بما في ذلك بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي ودارفور والكونغو وجمهورية أفريقيا الوسطى ولبنان، ما ساهم بشكل كبير في تعزيز خبرات القوات المسلحة السنغالية على المستوى العملياتي واللوجيستي.

تسليحياً، ترتبط السنغال بعلاقات طويلة الأمد مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وألمانيا والبرازيل وجنوب أفريقيا والسويد وكوريا الجنوبية والصين وأوكرانيا و"إسرائيل"، كما ترتبط بشراكات استراتيجية على المستوى العسكري مع الولايات المتحدة وفرنسا وحلف الناتو، وتتلقى من هذه الدول مساعدات عسكرية ومنحاً تدريبية بشكل منتظم. وقد بدا أن هذا المسار التسليحي المتنوع قد يشهد اختلالاً نتيجة التطورات الهامة التي طرأت على علاقة السنغال بفرنسا، إذ تأثرت هذه العلاقة سلبياً - منذ إطاحة الرئيس السنغالي السابق ماكي سال عام 2024، والذي كان يُعتبر أحد أقرب حلفاء فرنسا في غرب أفريقيا - ومنذ ذلك التوقيت اتخذت الحكومة السنغالية موقفًا أكثر انتقادًا تجاه باريس، دون أن تُدير ظهرها تمامًا لها.

وقد أنهى الجيش الفرنسي في تموز/يوليو 2025 وجوده العسكري في السنغال، عبر تسليم آخر منشأتين عسكريتين له إلى السلطات المحلية، بموجب اتفاقية إطارية تم التوصل إليها نهاية عام ٢٠٢٤ لإنهاء الوجود العسكري الفرنسي تدريجيًا في السنغال، والذي دام نحو 65 عاماً، ضمن سياق أكبر غادرت فيه القوات الفرنسية دولاً أخرى في نطاق غرب أفريقيا. هذا الاختلال ربما تحرص داكار على ألا يتحول إلى قطيعة دائمة مع باريس، في ظل تضمين السلاح الفرنسي الصنع ضمن قطاعات عدة بقواتها المسلحة، لكن هذا الأمر تضمن مؤشرات أكبر على دخول لاعب إقليمي آخر لمحاولة سد الفراغ الذي أحدثه الرحيل الفرنسي عن السنغال، دون أن يكون هذا الدخول مماثلاً في أساليبه وتكتيكاته للأساليب الفرنسية السابقة التي غلب عليها الطابع "الاستعماري".

أنقرة مجدداً على الخط الأفريقي عسكرياً

مطلع عام 2018، بدأ الجيش السنغالي للمرة الأولى بتسلم أسلحة ومعدات عسكرية تركية، إذ تسلم 25 عربة مقاومة للألغام الأرضية من نوع "Ejder"، وأعداداً أخرى من عربات "Katmerciler" المدرعة، ورشاشات "knt-67"، وهو الأمر الذي ظهر في البداية كمحاولة تركية - تكررت في دول أفريقية عدة - للترويج للسلاح التركي، ووضعه في خضم التجربة الميدانية بالميدان الأفريقي، لكن اتضح بعد ذلك أن التوجهات التركية في السنغال ربما تتضمن نموذجاً "أكثر نوعية" للتعاون العسكري مع هذا البلد الأفريقي.

أطلقت عمليات التمهيد لهذه التوجهات في آذار/مارس 2025، حين نشرت صحيفة "ماتان ليبر" التوغولية أن السنغال، تحت إشراف صندوق النقد الدولي، وقّعت عقدًا لتوريد الأسلحة بقيمة 317 مليون يورو مع شركة "آي سي يابي ياتيريم" التركية، في صفقة قياسية بالنسبة إلى تاريخ التسليح السنغالي، تشمل عمليات تحديث متعددة الاتجاهات للقوات المسلحة السنغالية، يتم من خلالها توفير أنظمة بحرية وجوية جديدة، منها طائرتان للدورية البحرية من نوع "Casa C295"، ومروحيتان من نوع "Leonardo AW139"، وسفينة دعم لوجيستي وزورق إنزال برمائي، وعشرات المدرعات من عدة أنواع مختلفة، أهمها مدرعات "Cobra-2"، وأسلحة خفيفة ومتوسطة.

يجدر بالذكر أن أهمية هذا العقد لا تكمن فقط في أنه يعتبر أهم مؤشر على تصاعد العلاقات بين أنقرة وداكار، وخصوصاً على المستوى العسكري، بل ترتبط أيضاً بحقيقة أنه يعتبر تحولاً لافتاً عن الاتفاقات المماثلة السابقة، التي أبرمها الجيش السنغالي مع شركات وسيطة لتجارة الأسلحة، وعلى رأسها شركة "إيه دي تريد بلجيكا" الإسرائيلية، وبالتالي يعتبر هذا العقد في حذ ذاته موجهاً بشكل مباشر إلى التوجهات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة نحو التوسع في تسويق الأسلحة والذخائر بالسوق الأفريقية.

هذا العقد تم تعزيزه بشكل سريع خلال الأشهر التالية عبر سلسلة من الاتفاقات الثنائية بين أنقرة وداكار، منها اتفاقية للتعاون المالي العسكري بين حكومتي كلا البلدين، تم توقيعها مطلع آب/أغسطس 2025، وأحدثها كان مذكرة تفاهم تم توقيعها في تشرين الأول/أكتوبر 2025، لتوفير التدريب والدعم في مجال البحث والإنقاذ والمراقبة البحرية للقوات المسلحة السنغالية، وهي مذكرة تم تفعيلها بشكل فوري عبر إطلاق عمليات تدريب لأفراد البحرية السنغالية، تحت إشراف ضباط أتراك، على أساليب الملاحة البحرية وعمليات البحث والإنقاذ فوق المجال الجوي.

رغم هذه التحركات السنغالية نحو تركيا في المجال العسكري، فإن العلاقات بين داكار وواشنطن تبقى جزءاً مهماً من التوجهات العسكرية السنغالية، إذ استضافت السنغال خلال شهري نيسان/أبريل وأيار/مايو 2025 تدريبات "الأسد الأفريقي" بمشاركة أكثر من 10,000 جندي من أكثر من 50 دولة، بما فيها الولايات المتحدة وهولندا وساحل العاج وموريتانيا. وسبق أن وقعت داكار مع واشنطن مطلع عام 2017 اتفاقاً للتعاون يقضي بتسهيل نشر القوات الأميركية لمواجهة الأزمات الإنسانية والكوارث الطبيعية والهجمات الإرهابية.

علماً أن السنغال تستضيف بشكل دائم نحو 40 عسكرياً أمريكياً يعملون ضمن القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا. وسبق أن استخدم الجيش الأمريكي عام 2014 الأراضي السنغالية كنقطة انطلاق لنقل قواته والعاملين في المجال الإغاثي إلى دول غرب أفريقيا لمكافحة تفشي فيروس إيبولا، ناهيك بإجراء الجيش الأميركي عبر قوة المهام الجنوبية الأوروبية التابعة للقيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا - (SETAF-AF) - دورات تدريبية مستمرة لضباط الصف في الجيش السنغالي، كان آخرها في نيسان/أبريل الماضي.

بدء الخطوة الأولى نحو توسيع قاعدة التصنيع العسكري في السنغال

يضاف إلى ما سبق من مؤشرات ما يرتبط بالخطوات النوعية التي شرعت بها السنغال في ما يتعلق بالتصنيع العسكري منذ الإعلان أواخر 2024 عن بدء مساعٍ حثيثة نحو "السيادة التكنولوجية والصناعية للقوات المسلحة السنغالية". ففي تموز/يوليو 2025، أعلنت الحكومة السنغالية عن اتفاقية مع مجموعة مرسيدس-بنز للشاحنات الألمانية لإنشاء مصنع لتجميع المركبات العسكرية في داكار.

وقد تم تعزيز هذه الخطوة بأخرى في منتصف كانون الأول/ديسمبر 2025 بافتتاح أول مصنع لجمع المركبات العسكرية في المنطقة الصناعية الدولية في مدينة "ديامنياديو". تدير هذا المصنع شركة الصناعات العسكرية السنغالية "إيسيفيم" بالتعاون مع مجموعة "كيا" الكورية الجنوبية، وهو يعد بمنزلة نقطة تحول استراتيجية على مستوى التسليح السنغالي، إذ يستهدف إنتاج 1000 مركبة سنويًا، على رأسها الشاحنات العسكرية "KM-450" ذات المنشأ الكوري الجنوبي.

هذه الخطوات النوعية - مقارنة بالواقع السابق للجيش السنغالي - تم تأطيرها بتعيين لافت في كانون الأول/ديسمبر 2025، لنائب الأدميرال، عمر واد، رئيسًا لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة السنغالية، خلفًا للجنرال مباي سيسي، على أن يتولى المنصب بشكل رسمي في شباط/فبراير المقبل. الجانب اللافت في هذا الأمر يرتبط بأن هذه هي المرة الأولى التي يتولى فيها ضابط بحري قيادة رئاسة الأركان العامة في الجيش السنغالي، حيث تولى سابقاً رئاسة أركان البحرية السنغالية في الأول من آذار/مارس 2020، قبل أن يُستدعى إلى الهيئة العليا لتنسيق الأمن البحري والسلامة البحرية وحماية البيئة البحرية، حيث شغل منصب الأمين العام لمدة 13 شهرًا، ثم ترأس اللجنة الوطنية لإدارة الحدود، وهو دورٌ أتاح له اكتساب خبرة واسعة في التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية المختلفة.

إذاً، بالنظر إلى ما سبق، يمكن القول إن الجيش السنغالي بات على اعتاب مرحلة جديدة كلياً على مستوى مصادر التسليح وعمليات التصنيع العسكري، من خلالها يتحول تدريجياً من مكافحة التمرد وحفظ الأمن الداخلي إلى مكافحة التهديدات العابرة للحدود مثل القرصنة والتهريب، مع الاحتفاظ بتركيز إضافي على مواجهة عمليات التهريب والتنقيب عن الذهب داخل الأراضي السنغالية. ومن أمثلة ذلك، عملية "حارس الشرق"، التي أطلقها الجيش السنغالي جواً وبحراً وبراً في شباط/فبراير 2024، في النطاق الشرقي المتاخم للحدود مع دولة مالي، بهدف تفكيك مواقع التنقيب غير الشرعية عن الذهب.

وعلى الرغم من أهمية هذا التحول، فإن تحديات كبيرة ستواجه الجيش السنغالي في المدى المنظور، منها غياب وجود قوة دبابات أساسية في الجيش السنغالي، وعدم وجود أية طائرات مقاتلة في سلاحه الجوي، الذي يتألف من 40 طائرة فقط، من بينها 5 طائرات نقل و20 مروحية، إلى جانب استمرار اعتناق استراتيجية "الدوريات الساحلية" لسلاح البحرية السنغالي، الذي تتألف قوته الضاربة من ستة زوارق للدورية الساحلية، دون امتلاك أية غواصات أو فرقاطات. تضاف إلى ذلك المخصصات المالية المتواضعة المخصصة للدفاع، وهي جميعها تحديات تفرض على داكار تسريع تحولاتها الحالية في اتجاه التصنيع العسكري المحلي، وكذا توسيع هامش الصفقات العسكرية النوعية المبرمة مع الدول الرئيسية في العالم، بما يساهم في رفع مستوى تموضع الجيش السنغالي، وخصوصاً في ظل الموقف الاستراتيجي والأمني المتغير في نطاق غرب أفريقيا.