إعلانات

الكتابة عن ولد ابريد الليل: قراءة في فكر يتجاوز اللحظة

ثلاثاء, 13/01/2026 - 23:25

إن الكتابة عن محمد يحظيه ولد ابريد الليل لا تعني مجرد التعليق على نصوص متفرقة في الزمن والموضوعات، بل تعني إعادة تركيب فكر متصل، يعبر التاريخ الإفريقي، والدولة الموريتانية، والمدينة، والمدرسة، والسياسة، وحتى أبسط تفاصيل الحياة العامة. وأكثر ما يلفت النظر عند قراءة نصوصه في تسلسلها هو أنها لا تُكتب تحت ضغط الظرف أو الحدث، حتى حين تبدو مرتبطة بوقائع آنية. فكل مقال، في الحقيقة، ليس إلا جزءًا من تشخيص عام واحد: تشخيص أزمة عميقة، قديمة، بنيوية، لا تمثل الأحداث سوى مظاهرها السطحية.

في كتابه «الاستقلالات الإفريقية: بعد خمسين سنة، إفريقيا مثل فاوست»، يضع الإطار النظري لكل أعماله. فالاستقلال، عنده، ليس لحظة تأسيس، بل آلية مُبرمجة. وهو لا يتحدث عن «فشل» بمعناه الأخلاقي أو النفسي، بل عن برمجة تاريخية. الفكرة صادمة ومزعجة للسرديات الوطنية: ما مُنح من الخارج لا يمكن أن ينتج إلا شكلاً فارغًا. فالقانون الإطاري، واستفتاء 1958، والجماعة الفرنسية الإفريقية، تظهر في تحليله كأدوات هندسة إمبراطورية هدفها تحويل الهيمنة المباشرة إلى هيمنة وسيطة، اقتصادية وسياسية، لكنها لا تقل فعالية. وتحليله لحركة التجمع الديمقراطي الإفريقي (RDA) حاسم في هذا السياق، إذ يبين كيف جرى تفريغ مشروع إفريقي وحدوي من مضمونه عبر استقطاب قياداته، وتقديم الانعطافات التكتيكية على أنها حذر استراتيجي، ثم إدماج الحركة تدريجيًا في الجهاز الاستعماري الفرنسي. ليست هذه تصفية حساب، بل درس في هشاشة الحركات التاريخية عندما تنهار صرامتها الفكرية أمام إدارة التوازنات الآنية.

هذا النص التأسيسي يضيء بأثر رجعي جميع كتاباته الأخرى. فعندما يكتب عن موريتانيا، لا يعاملها كاستثناء منعزل، بل كحالة كاشفة. فالهامشية التاريخية للإقليم، وطابعه العسكري المطوّل، وانقطاع الصلة بين المقاومة المسلحة قبل 1934 والنخب السياسية بعد الحرب، كلها ـ في نظره ـ خلقت فراغًا رمزيًا عميقًا. الاستقلال الموريتاني وُلد بلا استمرارية معنوية: لا امتداد واعٍ للمقاومة، ولا تأسيس نظري حديث متماسك. وهذا ما يفسر، في تقديره، هشاشة الدولة المزمنة، والتردد الهوياتي، والعجز عن إنتاج رؤية جماعية طويلة المدى.

وتُكمل مقالاته عن نواكشوط هذا التحليل على مستوى آخر. فالمدينة عند ولد ابريد الليل ليست مجرد فضاء عمراني، بل تجسيد للفكر السياسي. عاصمة بلا مخطط توجيهي، ولا مركز ثقافي، ولا فضاءات عمومية محترمة، هي في نظره عرضٌ لدولة لم تُحسن ترتيب أولوياتها. وعندما يشتكي من غياب المكتبات ودور المعرفة، فهو لا ينتقد تأخرًا ثقافيًا مجردًا، بل يربط مباشرة بين تنظيم الفضاء العام وفقر النقاش العمومي. الفذارة، والفوضى، والضجيج، والعشوائية ليست ـ عنده ـ قدرًا صحراويًا، بل نتيجة تراكم تنازلات وقبول تدريجي بالرداءة كمعيار. وحتى مقترحاته العملية ـ كالمراحيض العمومية أو إلزام المحلات بتوفير مرافق صحية أو حماية الأرصفة ـ ليست تكنوقراطية، بل تنتمي إلى أنثروبولوجيا سياسية ترى أن كرامة الحياة اليومية شرط لكرامة المواطنة. قلمه يربط الصحي بالرمزي، والرصيف بالسيادة، والمرفق العمومي بالحضارة. ومن هنا يرى أن الفساد الأكبر ليس ماليًا فقط، بل فساد في الأشكال والذوق العام وتطبيع مع اللائق أخلاقيًا.

وفي نصه الكبير عن أمريكا اللاتينية، يبين أن التاريخ لا يُسحق بالقوة وحدها، بل كذلك عبر «الاقتصاد الأخلاقي»: إقناع الشعوب بأن الفقر قدر طبيعي، وأن التفكك حتمي، وأن الدولة يجب خصخصتها، وأن الدين مصير لا مهرب منه. لذلك يركز على الليبرالية الجديدة وصندوق النقد والمديونية غير الشرعية ومناطق التبادل الحر باعتبارها أدوات هيمنة مغطاة بلغة ناعمة. قوته الأسلوبية تكمن في فضح المستور: كشف العنف خلف اللياقة، والإكراه خلف العقد، والمصادرة خلف الإصلاح. وعندما يورد العبارة الصادمة «خذوا المال حيث يوجد: في جيوب الفقراء»، فإنه يريد تعرية الحقيقة العارية للنظام، لا مجرد إثارة الانتباه. ثم يرصّ تصريحات منظّرين وقادة سياسيين كأدلة إدانة: الهيمنة ليست حادثًا، بل نظرية متكاملة.

ومن هنا يظهر مفهومه الجميل: «رياح الأسفل». فالرياح القادمة من الأعلى هي الأوامر والضغوط والاتفاقات الجائرة، أما رياح الأسفل فهي الحركات الشعبية التي تكف عن القبول. أمريكا اللاتينية، في نظره، تعلمت نحوًا جديدًا: نحو الرفض. فرؤساء يفرون بالمروحيات ليسوا مجرد مشهد درامي، بل علامة على نظام فقد شرعيته الاجتماعية. التكامل البوليفاري، وبتروكاريبي، وتيليسور، والدساتير التشاركية، والاستفتاءات العزلية، والتعاونيات، والأطباء الكوبيون في الأحياء الفقيرة… ليست قائمة إنجازات، بل نموذجًا مضادًا جوهره إعادة الدولة إلى خدمة الشعب بدل إخضاع الشعب للسوق. ومعادلته الشهيرة: «السياسة محرك، والعدالة الاجتماعية راية، والاقتصاد سكة، والثقافة وقود» ليست شعارًا بل ترتيبًا للقيم.

وهذا المنطق نفسه يحكم كتاباته عن الجامعة والتعليم والمنح. فالتعليم ليس قطاعًا تقنيًا بل شرط استمرار الأمة. ضعف المنح، والفوضى الإدارية، وعدم انتظام الحقوق مؤشرات على دولة لا تؤمن بالمستقبل. وهو لا يندب، بل يحلل ويفكك ويفضح رمزية القرارات.

وفي نصه «تجنب العار» تبلغ فكرته ذروة القلق الوجودي: إذ يرى أن الانتقال السياسي تحول إلى وهم جماعي غذّاه الخوف من الصراع الفكري. ويحلل الإجماع بوصفه مرضًا وطنيًا، ويحمّل المثقفين مسؤولية الانسحاب وترك المجال للشعوذة السياسية. الديمقراطية عنده تقوم على الاختلاف لا على الإجماع المصطنع.

مجمل كتاباته تشكل عملاً صارمًا، وطنيًا وعالميًا في آن واحد. لم يسعَ إلى الإغراء، بل إلى الثبات على الحقيقة. لغته ليست للزينة، بل للبقاء. جملة كثيفة، ترفض السرعة، وتقاوم النسيان والتبسيط الذي يخدم دائمًا الأقوياء. ولذلك، بعد ست سنوات من رحيله، ليست الضرورة في الاحتفاء به فى منزل رفيقه الوفي دفالي ولد الشين، بل في إعادة قراءته وإدخاله في الدورة الحية للأفكار، لأن أمة تُهمل مفكريها الكبار توقّع بصمت عقد فقرها الفكري.

وافارساه أيدري القبر من فيه

رحمات ربي تترا على روحه الطاهرة.

 

محمد ولد الشريف الشريف

ترجمة: أقلام