
د. خالد عبد الودود
دعونا نضع النقاط على الحروف، ونسمي الأشياء بمسمياتها بعيدا عن دبلوماسية المجاملات التي أرهقت كاهل الدولة، فمنذ فترة يثور اللغط بين الفينة والأخرى حول هوية القضاة، وتتعالى أصوات تندب حظ التنوع في سلك القضاء، متجاهلة - عن عمد أو سوء تقدير - حقائق ساطعة كالشمس في رابعة النهار. والحقيقة المرة التي يجب أن تقال: إن الحضور الطاغي لمكون اجتماعي معين في هذا القطاع ليس مؤامرة حيكت بليل، ولا هو إقصاء ممنهج بل هو نتاج طبيعي وتلقائي لمسار تاريخي طويل؛ شريحة عكفت لقرون على المتون والمحابر، فكان من طبائع العمران أن تتصدر المشهد حين يكون الفيصل هو العلم لا اللون.
يا سادة، مسابقة القضاء في بلادنا ليست نزهة ترفيهية، ولا هي توزيعات عرقية.. إنها معركة حقيقية ينهزم فيها الجهل وينتصر العلم، وهكذا فنحن نتحدث عن امتحان يغوص في أعماق القانون المدني، ويفكك مجزوءات القانون الجنائي وألغاز المسطرة المدنية والتجارية والإدارية، ويستنطق دقائق الفقه المالكي، وكل ذلك بلغة عربية جزلة لا تقبل اللحن، ومن هنا جاءت صعوبة هذه المسابقة التي جعلت رؤوسا كبيرة - من أبناء البيظان أنفسهم، ومن أبناء النافذين - تتطاير عند عتبتها. ولو كانت الأسئلة في "أمور أخرى" لربما تغيرت النتائج، لكنها في المعرفة القانونية، والقانون لا يجامل.
ثم إن المنطق يفرض نفسه؛ هل يعقل أن نلوم شخصا لا يهتم بكرة القدم، ولا يعرف قوانينها، إذا لم يتم استدعاؤه ليكون لاعبا في المنتخب الوطني الذي يغلب عليه لون واحد بحكم نجاحاته التي انتزعها بنفسه؟! وهل يقبل مني - وأنا الذي لا عهد لي بالبحر ولا بأهواله - أن أنافس أمهر الصيادين الذين قضوا أعمارهم في هذه المهمة؟ أو أن أدعي التهميش لأن فريق الرماية التقليدية لم يضمني إلى صفوفه وأنا لم أمسس بندقية قط؟ وهل من الإنصاف أن أزاحم أهل الحرف والصناعة التقليدية في دقة نقوشهم الجميلة وأنا لا أفرق بين المطرقة والسندان؟ خذوا مثالا أقرب: أنا شخصيا لا أتقن عزف التيدينيت ولا أعرف أمهارها ومقاماتها، فهل يقبل عقلا أن أقيم الدنيا ولا أقعدها محتجا على إقصائي الممنهج من مهرجان الموسيقى الموريتانية وأقول إن هذا فعل متعمد، في مقابل جهابذة الموسيقى الذين أفنوا أعمارهم وجهدهم في هذا المجال وأتقنوه أيما إتقان؟! إن إقحام الناس في ميادين لم يعدوا لها عدتها هو قمة العبث. العدالة هي أن تضع المناسب في المكان المناسب، لا أن توزع المناصب وكأنها ترضيات، لكن بالموازاة مع ذلك: من يحمل هذا الخطاب العنصري ضد الناجحين الساهرين على تكوين ذواتهم عليه أن يدعوا للتكوين والتأهيل والتوعية الموضوعية للمجتمع، لا دعوات شوفينية مقيتة، تستجدي ولا تنجز، تأخذ ولاتقف على أساس صلب.
ولكم في تاريخنا القريب عبرة؛ انظروا إلى نزاهة المغفور له محمدن ولد أباه ولد حامد حين ترأس اللجنة الوطنية للمسابقات، فقد نصح أقاربه بالتعفف عن المشاركة درءا للشبهات، وحين خالفوا نصيحته واغتروا بالنسب، سقطوا في الامتحان سقوطا مدويا، لأن الرجل -رحمه الله - جعل المعيار ورقة الإجابة فقط، لا ابن من أنت؟ ولا من أي جهة جئت؟.
وكفاكم من الظلم باسم العدالة والإنصاف! إنه لمن الجور البين أن تجلدوا جيلا لا ذنب له في مواريث التاريخ وتحاكموه بمنطق أمة قد خلت، وتعاقبوا كفاءات وطنية وتؤخروها فقط لأن لونها لا يخدم أجندة المحاصصة! أي عدالة عوراء هذه التي تقدم الأقل كفاءة وتؤخر الأجدر، بحثا عن توازن شكلي زائف؟ ومن أراد الدليل الدامغ، فليفتح عينيه على ما يجري في إدارتنا العمومية اليوم؛ تعيينات تفصلها الممارسة السياسية على مقاس التمييز الإيجابي المزعوم، حيث يزاح الموظف المتمكن ليحل محله من هو دونه بمراحل، لا لشيء إلا لنقول لقد حققنا التنوع. إنكم بذلك تزرعون الغبن في نفوس المستحقين، وتدمرون الإدارة بمعاول الإنصاف المقلوب والعدالة الظالمة.
إننا لا ننكر قسوة الماضي، ولكن ترميمه لا يكون بهدم الحاضر، ولا بتأزيم المستقبل، فالحل ليس في الكوتا، بل في السبورة، والمشكلة تكمن في الجذور لا في الفروع؛ في تلك العقلية الاجتماعية التي تنجب ولا تربي، وتستسهل ضياع المستقبل.. انظروا حولكم بصدق: ذلك الأب الذي يفتح مغسلة في ازويرات ويترك خلفه أبناء، ثم يرحل ليفتح ميشيلان في كرمسين مخلفا وراءه أطفالا آخرين، وينتهي به المطاف في النعمة ومعه مزيد من الضحايا..! هؤلاء الأطفال الذين ينشؤون بلا أب موجه، ولا تعليم يحصنهم، هم وقود الجريمة والتوتر الاجتماعي غدا.. هؤلاء هم من يحتاجون التمييز الإيجابي في المدارس والرعاية الاجتماعية، لا في قاعات المحاكم وهم لا يفقهون القانون!
ختاما، يمكنني القول إن المجتمعات الحية لا تتطور بالقفز على المراحل، والقانون الإداري في كل الدنيا يعرف المساواة بأنها مساواة في الفرص لا في النتائج، وهكذا فالطريق إلى المنصة يبدأ من الكتاب، ومن سهر الليالي، والتضحية، وليس عبر استجداء استثناءات عرقية تهين صاحبها قبل أن تضر وطنه.
اتركوا القضاء والإدارة للكفاءة، وعالجوا التعليم والتربية، وإلا فإنكم تحكمون على الدولة والمجتمع بالانتحار البطيء.

