
العربي الجديد
تتصدّر مصر والسعودية واجهة التطورات الإقليمية المرتبطة بسلامة الغذاء، بعدما امتدت واحدة من أوسع عمليات سحب منتجات حليب الأطفال في تاريخ شركة نستله إلى عشرات الدول حول العالم. وبين تحركات احترازية عاجلة من الهيئات الرقابية في القاهرة والرياض، وضغوط متزايدة على عملاق الصناعات الغذائية السويسري، تتكشف أبعاد أزمة عالمية تمسّ صحة الرضع وتضع أنظمة الرقابة الغذائية تحت اختبار حقيقي.
فقد أظهر إحصاء صادر عن شركة نستله، إلى جانب بيانات وطنية معنية بسلامة الغذاء، اتساع نطاق سحب بعض دفعات منتجات تغذية الرضع التابعة للشركة إلى خارج أوروبا، ليشمل دولاً في أفريقيا والأميركتين وآسيا، من بينها الصين والبرازيل وجنوب أفريقيا. ويأتي هذا التطور في ظل تحذيرات متصاعدة من احتمال تلوث بعض منتجات حليب الأطفال بمادة السيريوليد، وهي مادة سامة يمكن أن تسبب الغثيان والقيء، خصوصاً لدى الرضع.
ووفق البيانات المتاحة، لم يجر تأكيد تسجيل أي أمراض حتى الآن مرتبطة بهذه الدفعات، غير أن 37 دولة على الأقل، تشمل معظم الدول الأوروبية، إضافة إلى أستراليا والبرازيل والصين والمكسيك وجنوب أفريقيا، أصدرت تحذيرات صحية رسمية بشأن احتمال تلوث منتجات حليب الأطفال.
على الصعيد الإقليمي، أصدرت الهيئة العامة للغذاء والدواء في السعودية تحذيراً واضحاً من استهلاك منتجات حليب أطفال من إنتاج شركة نستله لعلامات "نان" (NAN) و"ألفامينو" (ALFAMINO) و"إس-26 غولد" (S-26 GOLD) و"إس-26 ألتيما" (S-26 ULTIMA). وأوضحت الهيئة أن هذا التحذير جاء بناءً على إبلاغ طوعي من الشركة يفيد بسحب عدد من منتجاتها لاحتمالية تلوثها بسم "سيريوليد" الذي تفرزه بكتيريا "باسيلس سيريوس"، والتي قد تشكل خطراً على صحة الرضع.
وأكدت الهيئة السعودية أن الإجراء يأتي في إطار سحب احترازي طوعي، وبعد تقييم المخاطر المحتملة، مشيرة إلى أن التعرض لهذه السموم قد يؤدي إلى أعراض صحية تشمل الغثيان والقيء المتكرر وآلام البطن، مع التأكيد على عدم تسجيل أي حالات مرضية حتى الآن. كما دعت المستهلكين إلى عدم استهلاك المنتجات المشمولة بالسحب والتخلص منها فوراً، موضحة أنها نسّقت مع الشركة لسحب المنتجات من الأسواق ومتابعة تنفيذ الإجراءات بشكل مباشر.
وفي مصر، أصدرت الهيئة القومية لسلامة الغذاء تحذيراً غذائياً مماثلاً بشأن تنفيذ سحب احترازي لعدد من دفعات منتجات حليب الأطفال من إنتاج شركة نستله السويسرية، وذلك عقب إخطار رسمي من فرع الشركة في مصر حول تنفيذ سحب طوعي لهذه الدفعات. وشمل التحذير تفاصيل دقيقة تتعلق بأسماء المنتجات، وأرقام التشغيل، والكميات المباعة، وتواريخ الإنتاج والانتهاء، وأسباب السحب الاحترازي.
وأوضحت الهيئة المصرية أن السحب جاء على خلفية رصد آثار لمادة "سيريوليد" الناتجة عن بكتيريا "باسيلس سيريوس" في أحد المكونات الأولية، وهو زيت حمض الأراكيدونيك المستخدم في التصنيع، مشيرة إلى أن هذه المادة قد تؤدي، في حال التعرض لها، إلى الغثيان والقيء الشديد، لا سيما لدى الأطفال. ونفذت الهيئة سحباً احترازياً فورياً للدفعات المعنية اعتباراً من السابع من يناير/كانون الثاني 2026، مع متابعة الإجراءات بالتنسيق الكامل مع شركة "نستله مصر".
وشددت الهيئة القومية لسلامة الغذاء على إلزام الموردين والموزعين بالوقف الفوري لتداول المنتجات التي تحمل أرقام التشغيلات المحددة، داعية المستهلكين إلى التحقق من بيانات العبوة، والتوقف فوراً عن استخدام أي منتج تنطبق عليه المواصفات، والتخلص منه بطريقة آمنة، مؤكدة أن الإجراء احترازي واستباقي يهدف إلى حماية صحة وسلامة المستهلكين، وخصوصاً الأطفال.
وتعكس التحركات المتزامنة في مصر والسعودية حجم القلق الإقليمي من تداعيات الأزمة العالمية، في وقت تواصل فيه الجهات الرقابية حول العالم مراقبة تطورات واحدة من أوسع عمليات سحب المنتجات الغذائية في السنوات الأخيرة، وسط تساؤلات متزايدة حول سلاسل التوريد، ومعايير السلامة، وقدرة الشركات الكبرى على احتواء المخاطر قبل وصولها إلى المستهلكين الأكثر هشاشة.
دولياً، أشارت وزارة الصحة البرازيلية إلى أن السحب إجراء وقائي جاء بعد اكتشاف المادة السامة في منتجات منشؤها هولندا، فيما أوضحت نستله في أستراليا أن الدفعات المسحوبة هناك صُنعت في سويسرا، بينما أكدت نستله في الصين سحب دفعات مستوردة من أوروبا.
وفي جنوب أفريقيا، ذكرت اللجنة الوطنية للمستهلكين أن حليب الأطفال من علامة "نان" الذي شمله السحب أُنتج في يونيو/حزيران 2025، وتمتد صلاحيته لنحو 18 شهراً، مضيفة أنه جرى تصديره أيضاً إلى ناميبيا وإسواتيني. كما أعلنت وزارة الصحة النمساوية أن عملية السحب شملت أكثر من 800 منتج من أكثر من عشرة مصانع، ووصفتها بأنها الأكبر في تاريخ شركة نستله، في وقت لم يتمكن فيه متحدث باسم الشركة من تأكيد هذا الرقم.
وتزامنت الأزمة مع ضغوط مالية وإدارية متزايدة على نستله، المصنّعة لعلامات شهيرة مثل "كيت كات" و"نسكافيه"، وعلى رئيسها التنفيذي الجديد فيليب نافراتيل، الذي يسعى إلى إنعاش النمو، عبر مراجعة محفظة الشركة بعد فترة من الاضطرابات الإدارية، إذ تراجعت أسهم الشركة بنحو 5.7% خلال الأسبوع الجاري.

