إعلانات

*"الهوية أولًا: من دروس الأمم إلى مستقبل موريتانيا"الحديثة

ثلاثاء, 06/01/2026 - 21:08

الأستاذ السالك ولد أباه

محامي موريتاني

 

*تمهيد:*

في لحظة تاريخية دقيقة، تستعد البلاد لحوار وطني يعلّق عليه الجميع آمالًا عريضة لتسوية الاختلالات البنيوبة : السياسية والاجتماعية والاقتصادية والامنية والثقافية. غير أن أي إصلاح، ما لم ينطلق من *إقرار واضح بالهوية الوطنية للدولة*، سيظل دورانًا في الفراغ. ذلك أن *الهوية الموحدة هي شرط السيادة، وجذر المواطنة، وبوابة التنمية المستدامة*.

*1. من الواقع الديموغرافي إلى ضرورة الاعتراف:*

تُجمع الإحصاءات الرسمية والميدانية على أن الأغلبية الساحقة من سكان موريتانيا تنتمي إلى *الفضاء العربي المغاربى ثقافة ولسانًا*، وديانة دون أن يلغي ذلك تعدد المكونات الأخرى. وهذه الحقيقة السكانية يجب أن تُترجم إلى *إقرار دستوري عملي*، لالبس فيه يعزز مكانة اللغة العربية لغةً رسمية للدولة، لا فقط في النصوص بل في الواقع الإداري والتربوي والقانوني.

*2. الدستور مرجعية لا مساومة فيها:*

تنص *المادة السادسة من دستور 20 يوليو 1991* على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية، لكن البلاد فى السنوات الاخيرة شهدت نشاطا مكثفا لتحييد اللغة العربية سعيا لتراجع مكانتها الدستورية ومهادنة ناعمة لضغوط تبقى على*الفرنسية كلغة إدارة وتعامل رسمي*، في تجاهل تام للدستور وروح السيادة.

*3. دروس من محيطنا الإفريقي:*

بينما تُتهم العربية ظلمًا بأنها لغة إقصاء أو استعمار ثقافي، نشهد اليوم دولًا غير عربية تُعيد الاعتبار إليها باعتبارها *لغة دين وهوية حضارية*. ففي *السنغال* مثلًا، اختارت الدولة مؤخرًا الاعتراف بالعربية كلغة رسمية، واحلالها مكان لغة المستعمر رغم غالبية المكونات الإفريقية فيها، وهو ما تحقق بفضل نضال *البولار المعربين* وغيرهم من نخب الزوايا الصوفية، خلافًا لما نراه في موريتانيا، حيث تقف بعض مكوناتهم حجر عثرة في وجه التعريب.

*4. التجارب العالمية الكبرى:*

- *فرنسا*، التي يتغنّى بها بعض المدافعين عن "الفرنكفونية"، لم تسمح مطلقًا لأي من لغاتها الجهوية أن تزاحم الفرنسية في الشأن العام.

- *الصين*، التي تضم أكثر من خمسين قومية، رسّخت لغة الهان الصينية لغةً رسمية موحّدة، ولم تفتح الباب أمام تفتيت الهوية اللغوية.

- *بريطانيا*، رغم غناها بالتنوع الثقافي، أبقت الإنجليزية لغة الدولة المركزية.

- حتى *روسيا*، متعددة الأعراق واللغات، حافظت على الروسية كأداة وحدة وسيادة.

*5. الكارثة: حين تُفرَض الأحلام الطوباوية:*

من المفارقات المثيرة للحدل أن يُطلب من دولة بحجم موريتانيا، ذات المكوّن العربي الغالب، أن تذوّب هويتها تحت دعاوى التعدد، العرقى بينما لم تفعل ذلك أي من الدول المذكورة. والأسوأ من ذلك، أن بعض النخب *تخطط لتوطين الأجانب بطرق غير شرعية وطمس هوية الأغلبية، في ظل *دعم غربي جلي لا يُخفى*.

*6. وهم التعدد مقابل صرامة الهوية:*

إن محاولة *ترسيم لهجات شفوية* وكتابتها بحروف لاتينية لتزاحم العربية، لا تخدم سوى *تفكيك الوعي الجمعي الوطني خاصة وان السنغال ومالى المجاورتين لم تنطلق منهما اية مطالب لكتابة هذه اللهجات او دسترتها . والمجتمعات التي انشغلت بإرضاء كل مطالبة هوياتية، دون مرجعية موحدة، دخلت نفق الانقسام والتناحر، كما حدث في نماذج إفريقية عديدة. يضيق المقام عن حصرها

*خاتمة*

إن تعريب الإدارة والتعليم، وتثبيت العربية كلغة جامعة، لا يعني تهميش أي مكون، بل هو الضمان الوحيد لوحدة وطنية صلبة، وهو الرد الطبيعي على مشاريع التفكيك اللغوي والثقافي. أما السعي لإرضاء كل المطالب الثقافية المتعارضة، فهو طريق مفخخ، ينتهي غالبًا إلى الانقسام والضعف وفقدان السيادة.