إعلانات

عن الأطروحات التي تدعو لإعادة النظر في وضعية محمية حوض أرغين

ثلاثاء, 06/01/2026 - 10:20

سيد احمد بنزا

 

طالعنا مؤخراً بعض الأطروحات التي تدعو لإعادة النظر في وضعية محمية حوض أرغين، بحجة تحويلها إلى قطب صناعي أو ميناء للمياه العميقة. ورغم أن هذه الدعوات قد تنطلق من دافع وطني غيور، إلا أن هنالك مجموعة من المعطيات العلمية والجيولوجية التي تستوجب التوضيح، لأن تنمية هذه المنطقة بالمعنى الإنشائي التقليدي قد تعني ببساطة إعدام الثروة السمكية الموريتانية للأبد.

أولاً: فكرة "موانئ المياه العميقة" في حوض أرغين. من الناحية الفنية، يعد حوض أرغين أقل الأماكن صلاحية لإنشاء موانئ عميقة في موريتانيا، وذلك للأسباب جيومورفولوجية منها ضحالة المياه و طبيعة الأرض. يتميز الحوض بمساحات شاسعة من المياه الضحلة التي لا يتجاوز عمقها في مناطق كثيرة المترين أو الثلاثة. بناء ميناء مياه عميقة هناك سيتطلب عمليات تجريف (dragage) خيالية ومستمرة، وهو أمر غير جدوى اقتصادياً ومستحيل بيئياً. كما انه عكساً لما يُشاع بأنها أرض صلبة، فإن منطقة الحوض محاطة بسباخ طينية هشة وغير مستقرة. بناء مدن أو منشآت ثقيلة فوق هذه السباخ يتطلب تكاليف هندسية باهظة جداً، وتظل عرضة لمخاطر الانزلاقات والملوحة العالية التي تأكل الأساسات.

ثانياً: المحمية هي "الرئة" التي يتنفس منها الصيد الوطني. يعتقد البعض أن منع الصيد الصناعي في المحمية هو "هدر" للفرص، والحقيقة هي أن المحمية هي المصنع الذي ينتج الأسماك لبقية السواحل. تُعد المحمية أكبر منطقة حضانة طبيعية للأسماك في غرب إفريقيا. بفضل غابات الأعشاب البحرية، تجد الأسماك بيئة آمنة لوضع بيضها ونمو صغارها.كما ان الأسماك التي نصطادها اليوم في نواذيبو و نواكشوط و في الجنوب هي في الغالب قادمة من حوض أرغين. أي نشاط صناعي أو تلوث في هذه المنطقة سيعني توقف عملية تجديد الثروة السمكية، مما سيؤدي لانهيار قطاع الصيد في البلاد خلال سنوات قليلة.

ثالثاً: التوازن البيئي والطيور المهاجرة

حماية الطيور المهاجرة (أكثر من 2 مليون طير سنوياً) ليست ترفاً بيئياً، بل هي جزء من دورة حياة بيولوجية معقدة. تساهم أسراب الطيور هذه في تخصيب المياه بفضل فضلاتها الغنية بالمعادن، مما يساعد على نمو العوالق النباتية التي تتغذى عليها الأسماك.كما تعمل المحمية كحاجز طبيعي ضد التغيرات المناخية وتآكل الشواطئ، وهي صمام أمان بيئي للمنطقة بأكملها.

لم يكن إنشاء المحمية في 1976 بتوصية من الخبراء المتخصصين استغفالاً لموريتانيا، بل كان رؤية عبقرية. في الوقت الذي تدمر فيه دول أخرى سواحلها بالزحف العمراني، تمتلك موريتانيا اليوم "بنكاً بيولوجياً" عالمياً.

أما الحديث عن الوجود التاريخي للبرتغاليين، فقد كان لأغراض مراقبة وتجارة بسيطة بسفن خشبية صغيرة لا تحتاج لأعماق، ولا يمكن قياس ذلك بمتطلبات السفن العملاقة في القرن الحادي والعشرين.

إن الاستثمار الحقيقي في محمية حوض أرغين ليس في الإسمنت والموانئ، بل في السياحة البيئية المسؤولة، وفي تعزيز دورها كخزان استراتيجي للثروة السمكية الموريتانية. إن الحفاظ على محمية حوض أرغين هو القرار الأكثر وطنية، لأنه يحمي حق الأجيال القادمة في ثروة سمكية متجددة وبيئة نظيفة.

سيد احمد موريس بنزا

05/01/2026