إعلانات

"سلامٌ على ابنِ الطلبة"، من غير ترجمة

ثلاثاء, 06/01/2026 - 07:45

 

 

انشدت يوما عيش منت محمد أعل ولد اشويخ في مقام حرب ساخن وبديع جمعت فيه بين الشجو والترديد والترجيع: 
سلام على ابن الديد من غير ترجمه::
وديْدن على هذا ولو كنت مُـلْجَـمه 

لقد ابدع ولد الديد وتفنن وطوح وطوع في الاقاصي والرجال وساد وتسيد ونال قصب السبق فسارت الركبان بذكره ومحاسن صنعه.

وامحمدُ الطلبة اليعقوبي، ابنُ ديدٍ آخر في فنٍّ صعب المسلك، لا يتقنه إلا القليل ممن لا يعرفون التراجع. فتميّز وتفرّد، وحاز الريادة شعرًا ولغةً وفقهًا وتدوينًا، فكان صنوًا لابن الديد في فنه، وما أروعه من فن.

سلامٌ لا يماثله سلام، على صناجةِ تيرس، الذي كاد يكون أعشى زمانه أو سُحبانَ وائلِه، وحَكَمَ سوقَ عكاظه بلا منازع.

سلامٌ عليه ونحن نمرّ بين جنبات أرضٍ مرّت بها ركائبه ونُجُبُه، بتؤدةٍ وتأنٍّ، في أوج ربيع تلك الربوع؛ حيث كانت كل أكنافها تضمّ إما محيط الفيروزابادي، أو لسان ابن منظور كي يطيب المقام للصناجة الذي يمتنع ان يمضي قيلولته في بلد لا يوجد فيه القاموس المحيط أو لسان العرب. ويا له من سموٍّ في المنزلة، وعلوٍّ في الهمّة، ورفعةٍ في المقام والطموح. ولا غرو، فالداعي إلى مكارم الاخلاق ومحاسن العادات والشيم لا بد أن يبدأ فيها بنفسه، وهو القائل مخاطبًا بني جلدته:

آل يعقوبَ شمّروا للمعالي
واستعدّوا لما تجيءُ الليالي
وأعِدّوا لكُلِّ خطبٍ مُلمٍّ
عُدَّة من عَزازَةٍ ونوالِ
وتواصوا بالحَقِّ والصبرِ وابغوا
في العفافِ الغِنى على كلِّ حالِ
وامروا بالمعروفِ وانهوا عنِ المُن
كَر واسموا للمَكرُماتِ العوالي
والهُوَيني دعوا وللمجدِ فاسعوا
وصِعابِ العُلى بصَعبِ الفِعالِ

سلامٌ عليه وهو يسمو ويرتقي، ويصارع الفرقدين شموخًا، بقوله إنه يتمنى أن ينشد هو وحميد بن ثور الهلالي قصيدتيهما على أهل الجنة، ليحكموا أيهما أجمل.

يقول حميد:
أَلا هيّما مِمّا لَقيتُ وَهيّما
وَويحاً لِمَن لَم أَلقَ مِنهُن وَيحَما
أَأَسماءُ ما أَسماءُ لَيلَةَ أَدلَجَت
إِليَّ وأَصحابي بأَيٍّ وأيَّما

ويعارضها صناجتنا ب:
تأوَّبَهُ طيفُ الخيالِ بمَريما
فباتَ مُعَنّىً مُستجَنّاً مُتَيّما
تأوبَّهُ بعد الهجوعِ فهاضَهُ
فأبدى من التهيامِ ما كان جمجَما

نسأل الله أن يجعلنا من المحكمين ذلك اليوم في هاتين المعلقتين.

سلامٌ عليه، وانحناءةٌ تليق بقدسية المعلّم، لمكارم الأخلاق والشرف العليّ قبل غيرها من واجبٍ ومستحبٍّ ومرغَّبٍ فيه ومنهيٍّ عنه.

جابت نُجُبُ هذا الفتى مختلف مواضعَ تيرس، واجتهد في تخليدها بشعرٍ رائقٍ، عذبٍ، سلسٍ، جزلٍ جميل، جعلنا نقف أمام كل موضعٍ منها وقفةَ إجلالٍ وإكبار تقديرا لما أحدثه في نفس شاعرنا من أثرٍ عميق حرّك أشجانه ولواعج حنينه، ففاض شعرًا فواحًا:

إنَّ لي بالدموعِ سبحًا طويلا
لا أذوقُ المنامَ إلّا قليلا
من هَوى خدلَةٍ متى تلقَ مرءاً
تأخُذِ القلبَ منهُ أخذاً وبيلا
لو غَدا بالجِبالِ ما بِفُؤادي
من هواها غَدَت كثيباً مهيلا

قرّب شاعرُنا صورة ما ينوء به من همٍّ ووجع، فصوّر شدّتهما تصويرًا بالغ الأثر، إذ جعل ما يقاسيه ثِقَلًا لو أصاب الجبال، على ما فيها من قوّة وصلابة، لتحوّلت عِهْنًا منفوشًا من شدّة الوقع وقاهر التأثير. شبّه بالجبال وصلابتها، وهو العارف بها تمام المعرفة، لدرجة أنه خلّد صغارها وكبارها، بل وأشباهها من الهضاب والمرتفعات والروابي، أو ما يسمّيه أهل الاختصاص بالنتوءات الصخرية في شعره. ولم يتوقف عند تيرس، بل جاوزها إلى آگشار مرورًا بآزفال فتيجريت، وفي تلك المواطن انهمرت دموعه سيلًا جارفا، فغدت سبحًا طويلًا، وكان فؤاده كثيبًا مهيلا.

صاحِ قِف واستَلِح على صحنِ جالِ
سبخَةِ النيشِ هل ترى من جمالِ
قِف تأمَّل فأنتَ أبصَرُ منّي
هل ترى من حدوجِ سُعدى التوالي
هل ترى من جمائِلٍ باكِراتٍ
من لوى الموجِ عامِداتِ الزِّفالِ
سالِكاتٍ من نقبِ زَلْيٍ علَيْها
كلُّ جيدانَةٍ خلوبِ الدلالِ

تمرّ نُجُبُنا بتيرس، وتمخر بنا هضابها وسهولها وأوديتها عبابَ الشجون المتلاطم، حيث كابد شاعرنا من هواها في يفاعٍ تكاد تَكِلّ برأسه نارُ العقول. ونسرف في الشجو، وندير الكأس مع الصناجة من موضعٍ إلى آخر:

ومرَّتْ على قلْبِ الظليمِ كأنها
خناطِيلُ زَوْزَتْ مِنْ نعام مُهَيّج
وأمْسى على كَرِّ المُزَيْرِيف منهمُ
لِكاكٌ كضوْضاءِ الحجِيج نعام المُعَجْعِج
ومنهمْ بأوْشالِ الثُّدِيّ منازِلٌ
وحَيٌّ على أوشالِ هَضْبِ الأُفَيْرِج
مَنازلُ قد كان السُّرُورُ مُحالِفي
بها هِيَ عِندي بيْن سَلْمى ومَنْعج

سلامٌ عليه، إذ يجزم بأنّ تيرس امتدادٌ للمشرق العربي، فيُلحق بها جبلي سَلْمى ومَنعِج الواقعين في شمال شرق الجزيرة العربية، شأنهما بالنسبة له شأن سائر مواضع تيرس، وهو بذلك يشير ضمنًا إلى قول رقاع بن قيس:

ألم تعلمي يا دارَ ملحاءَ أنه
إذا أجدبتْ أو كان خصبًا جنابُها
أحبُّ بلاد اللهِ ما بين منعج
إلى سلمى أن تصوب سحابُها
بلادٌ بها نيطتْ عليَّ تمائمي
وأولُ أرضٍ مسَّ جلدي ترابُها

ثم يحلّ بتلك الأرض الظلام، ونحن نقتفي مبتغًى لدى ابريبيرة، مدلِجَ مدلِجِ:

سَرى يخبِطُ الظلماءَ من بطنِ تيرسٍ
إليَّ لدى ابريبيرَ لم يتعَرَّجِ
فلَم أرَ مثلَ الهمِّ هَمًّا ولا أرى
كلَيلةِ مَسرى الطيفِ مدلجَ مُدلجِ

وكأن الليل في خدرٍ مقيتٍ في أقاص تربّعت بها الأظعان، في أكناف الدوكج، فالصُّوَى، فالبير، والفج، فمرتفعات تشله (گليبات تشله)، فمرتفعات الأجواد، فالسفح من أيك؛ وما أدراك ما أيك بالنسبة لصناجتنا، حيث يحنّ إلى الأظعان وقد بعُدَ المزار، فشطّ النوى، وتشظّت القلوب، واضمحلت النفوس والأفئدة.

وذُكرةِ أظعانٍ تربَّعنَ باللوى
لوى الموجِ فالخَبتَينِ من نعفِ دوكجِ
إلى البِئرِ فالحواء فالفُجِّ فالصُّوَى
صوى تشلَ فالأجوادِ فالسَفحِ من إج

هنا وقفتُ مشدوهًا، مذهولًا بحسن السبك، ورصانة اللفظ، وجودة التعبير، وجمال الموسيقى، حيث أودع الشاعر الحنين في سبعة مواضع مضغوطة في بيتٍ واحد:
(البير، والحواء، والفج، وگليبات تشل، وگلابة الأجواد أو اكد لجواد، فسفح أيك).

وسلامٌ عليه وهو يعترف بالسبق في تخليد موضع “لمعيلگين” للراعي لبيخاري ولد اجّ، ذلك الفتى الذي لم يكن شاعرًا في بداياته، بل كان راعيًا بسيطًا مشغوفًا بالشعر، يحلم أن يبلغ فيه مبلغ ابن الطلبة. وكان يردّد الأبيات، ويجترّ المعاني، ويشكو ضيق القريحة، حتى ساقته الأقدار إلى الولي الصالح البخاري ولد الفلالي، فشكا إليه حاله وسأله الدعاء، فدعا له دعوة صادقة، فانفتحت له مغاليق القول، وانحلّ عقد لسانه، فجاء الشعر على لسانه عذبًا بعد عُجمة.

وكان أول ما فاض به خاطره تخليده موضع “لمعيلگين”، فقال:

قف بربع لدى “المعلق” بالي
لعبت به لاعبات الشمال
لعبت به بكرة وعشيا
وعفا دمنتيه مرُّ الليالي

فلما بلغت الأبيات امحمد ولد الطلبة قال:
«يلالي الل اسبگني لبيخاري ولد اجّ لتخليد لمعيلگين».
وكان لبيخاري يقول عن نفسه إن أكبر معضلة يواجهها هي أن مايقول من شعر يقع خارج دائرة فهمه المتواضع.

سلامٌ على ابن الطلبة، وهو يُماري أحد أحفاد ديلول في تواضعٍ ووداعة، ويخلّده في شعرٍ جميل:

ألا فابشروا حي الرعاة الاكارم
بميلاد طفل من ذؤابة لادم
له عقل ديلول وجد جدوده
يعيش زمانا رحمة للبهائم

وهذان البيتان يذكرانني برثاء أحد المشائخ للفنانة فاطمة السالمة منت البُبّان:

ياروضة عند تِنْدَگصالة حُيِّيتِ
ومن أذى وقذًى في القبر نُجِّيتِ
ياذات صوت وصيت عند فقدهما
لم يبق في الحي من صوت ولا صيت

وقول امحمد أحمد يوره حين طلبه تلميذه عبد الكريم أن يقول فيه شعرًا:

حلفت برب الراقصات الى مِنىً
ورَبِّي بما تخفي الصدور عليم
لدَارٌ بها عبد الكريم كريمة
وبيتٌ به عبد الكريم كريم

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم

وفي ضواحي دومس والدوكج وزوك ولحمادة، وقفت الإحداثيات الجغرافية لتفيقنا من حلمنا، وتوقظنا من سُكرنا، بعد أن سقانا الصناجة صرخديات شعرية تدُبُّ دبيبا يخامر القلب والعقل والوجدان، فتستحيل المشاعر شلالا متدفقا غلابا، حط رحاله ب "عين بنتيلي" بلحمادة، حيث يبدأ سلامٌ آخر بنكهة الفخر والعزّة والإباء.

نودع ابن الطلبة اليعقوبي، ونودّع معه جزيرته العربية التي تسكنه بقدر ما يسكنها؛ جزيرةً لم تُفلِح الحدود في تمزيقها، ولم تنجح الأيادي السود في اقتسام روحها.
نودّعه وقد جالت نجائبنا بنواحي من تيرِسِهِ، حيث تشعّ الجبال شموخًا، فتُلقي في القلوب مَنَعَةً وصلابة، وتُذكي في النفوس جذوة الأصالة وعمق الانتماء إلى الصحراء.
تلك الصحراء التي صدق من قال إنها، إلى حدٍّ بعيد، مرآةٌ صادقة لصحراء الحجاز والجزيرة؛ الصحراء التي أنجبت النابغة، وامرأ القيس، وعلقمة، والحارث بن حلّزة، وطرفة، وعبيد،
وعنترة، وزهير.

وكما أنجبت تلك الصحراء شعراءها الأفذاذ، أنجبت صحراء تيرس أعشاها وميمونها:
امحمّد ابن الطلبة اليعقوبي،
عليه شآبيبُ رحمةِ الودودِ الكريم.

 

الشيخ محمد المامي ولد اسلام 
لحماده - 20-12-2025م
[email protected]