إعلانات

السلامة الرقمية وفلسفة التواصل الاجتماعي

أحد, 04/01/2026 - 20:26

د. السيد ولد أباه

 

على غرار تشريعاتها الرائدة، أصدرت حكومة دولة الإمارات مؤخراً مرسوماً قانونياً غير مسبوق عربياً يضمن السلامةَ الرقميةَ ويحمي الأطفالَ مِن التجاوزات التي يمكن أن تتولد عن الولوج المبكر لشبكات التواصل الاجتماعي. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي في العصر الرقمي الجديد غيّرت نوعياً السياقَ الثقافي للمجتمعات، بل إنها أثرت جوهرياً في المعنى الأنتربولوجي للإنسان الحديث.
صحيح أن لهذه الشبكات جوانب إيجابية لا تُنكر، مثل تحرير القول العمومي وانتقال الأفكار والمعلومات والربط بين أركان العالم وتقريب الأفراد إلى بعضهم البعض، لكن مفعولَها الحقيقي يتجاوز جوهرياً هذه الأبعاد.
لقد استخدم العديدُ من الباحثين المعاصرين، في ضبط ظاهرة التواصل الاجتماعي الراهنة، عبارةَ عالِم التحليل النفسي الفرنسي الشهير جاك لاكان «الحميمية المنكشفة» L'extimité التي تعني حملَ بعض الجوانب الحميمية قصدياً إلى المجال العمومي. ووفق لاكان، يحتاج الإنسان في نموه النفسي وصحته العقلية إلى اعتراف الآخر (رمزية المرآة) بما يتم من خلال نقل بعض جوانبه الحميمية إلى الخارج لتلقي قبول الغير وإعجابه.
وطبّق عالم النفس سرج تيسرون هذه المقولة على ظاهرة التواصل الاجتماعي الحالية، مبيناً أنها تتعلق برهانات صياغة الهوية وصناعة صورة الذات لدى الآخر، وتهدف إلى توطيد غايات الاندماج الاجتماعي ونَيل قبولِ واعترافِ الغير.
ما يحدث هنا هو تقويض القسمة التقليدية بين الحميمي الخاص والعمومي الكوني، وبين سلطة الإكراه وسلطة الإغراء، بين الواقع والمتخيل، وبين الحقيقي والظاهر.
الحداثة القانونية قامت، كما هو معروف، على حماية الحقوق الخاصة من قهر القوة العمومية، بحيث يتم ضمان الحقوق الفردية من تفكير وتعبير وممارسة شخصية، إلى حد أن دور الدولة يتلخص في الغالب في أداء دور الحَكم العادل والمنصف بين إرادات حرة. ما يتم من خلال شبكات التواصل الاجتماعي هو خروج الجوانب الحميمية للأفراد من دائرة الخصوصية إلى المجال العمومي الذي هو في أصله ميدان التواضعات والتوافقات الإجرائية العامة. وليست المدونة القانونية القائمة مزودة بالحلول المناسبة لهذا التغير الجوهري.
وبخصوص مفهوم السلطة ذاته، يتعين التذكير بأطروحة ميشال فوكو حول الانتقال من معيار الإكراه التحكمي إلى الضبط بواسطة الإغراء والرغبة، وهي الظاهرة التي بلغت مداها في العصر الرقمي الجديد، حيث أصبح الفردُ نفسُه أداةً طوعيةً للتحكم في رغباته ووعيه واختياراته، يساهم إرادياً في ترويضه ورقابته دون أن يشعر بالعنف أو الضغط الخارجي. ومن هنا التحدي الكبير المطروح على الدولة الليبرالية التي تعاني من اختلال مسار تشكل الوعي الفردي الحر، وتمارس أعتى سلطات الوصاية والضبط من خلال التحكم الرخو وحجاب الحرية والتكشف.وسائل التواصل الاجتماعي الحالية ألغت في الوقت نفسه ثنائيةَ الواقع والخيال التي صاغت لمدة قرون طويلة نمط الثقافة الإنسانية، من خلال استكشاف أفق جديد هو المجال الافتراضي الذي لا ينتمي لأي من البعدين. والافتراضي، كما يعرفه بول فيرليو، هو نتاج اختزال العالَم في الصورة المرئية، بحيث يتحول الحاضر الواقعي إلى زمن مصطنع ويتحول الحضورُ الطبيعي إلى حضور مشهدي وتتحول التجربة الحية إلى نمط من الإثارة الشعورية.
في العالم الافتراضي يغيب الجسد ويضعف الإدراك الحسي ويختفي المكان في أبعاده الهندسية المعروفة ويتحول إلى مجرد مسافة غير متعينة. ومن هنا ندرك كيف يفضي العالم الافتراضي إلى تقويض الواقع وتحريف الحقيقة والتلاعب بالمعلومات، بما ينعكس سلباً على السياق التداولي للديمقراطية التعددية، حيث يتغلب الانطباع اللحظي على الفكرة والتصور البرهاني ويجري تعويض العالم بالصورة التمثلية له.
لقد قامت الفلسفة تاريخياً على التمييز بين الظاهر والوجود، بما يعني أن الواقع مستقل عن نمط إدراكنا المباشر له، وأن الحقيقة من حيث هي يقين اقتناعي راسخ تختلف عن الرأي السائد والوهم المنتشر.
ومع العصر الرقمي الجديد، لم يعد من الممكن التمييز بين الظاهر والوجود، ومن هنا اختفى مفهومُ الحقيقة نفسُه، وبدأ الحديث عن عالم ما بعد الحقيقة. ويعني مفهوم ما بعد الحقيقة post - truth تعويضَ الظواهر الموضوعية بالاعتقادات الشخصية والسرديات الهوياتية والانطباعات الشعورية السريعة. في كتابه «الحقيقة والتحقق»، يبين الفيلسوف البريطاني برنارد وليامز أن كل مجتمع يقوم على أخلاقيات الحقيقة كما تتجسد في الثقة في الكلام العمومي التي بدونها يتحلل النظام الاجتماعي. وعندما تنهار الحقيقة، يتحطم الإطار التواصلي بين البشر وتتشكل السلطة الاستبدادية المهيمنة بالإكراه والتحكم ولا تبقى إلا النجاعة البلاغية التي لا تستند لأي مرجعية دلالية ثابتة.
خلاصة القول، إن الثقافة البشرية التي وضعت سابقاً آلياتٍ فاعلةً لضبط الكلام العمومي بحاجة اليوم إلى بلورة النظم القانونية والإجرائية الكفيلة بالاستفادة الإيجابية من الثورة الرقمية الحالية وكبح مخاطرها، ومن هنا أهمية المرسوم الاتحادي الإماراتي الأخير.

*أكاديمي موريتاني