إعلانات

مقال دومينيك دو فيلبان رئيس الوزراء الفرنسي السابق عن غزة

اثنين, 18/08/2025 - 00:41

دومينيك دو فيلبان

رئيس وزراء سابق في فرنسا

ترجمة:  ديديه البصيري 

إعلامي موريتاني

 

 

عندما أنظر إلى غزة اليوم، وأراقب ما يحدث فيها يومًا بعد يوم، لا بد لي من الاعتراف بالحقيقة المأساوية: ما يجري هناك ليس مجرد صراع، بل جريمة إبادة جماعية تُرتكب على مرأى ومسمع من العالم. تتعالى الأصوات وتتنوع لتكسر جدار الصمت، ومن بينها أصوات شجاعة تنبع من قلب المجتمع الإسرائيلي ذاته: مؤرخون مثل "عمير بارتوف" و"أموس غولدبرغ"، ومنظمات مثل "بتسيلم" و"أطباء من أجل حقوق الإنسان"، يُجاهرون بالحقيقة، ويُسمّون الأشياء بأسمائها. وأنا، إذ أُصغي لتلك الأصوات، لا أملك إلا أن أُبدي إعجابي العميق بجرأتها النادرة التي تقف في وجه التيار وتُصرّ على أن للضمير مكانًا حتى في أحلك اللحظات.
في لحظة تأمل حزينة، ونحن نُحيي ذكرى الإبادة الجماعية في "سريبرينيتسا"، تلك الفاجعة التي وقعت في يوليو 1995، حين اختفى أكثر من 8.000 رجل وشاب مسلم في البوسنة، وتشرّد نحو 30.000 إنسان قسرًا، أجدني أُدرك ما لم أكن أستوعبه من قبل: أن ما بدا لي يومًا ضربًا من المستحيل، صار اليوم واقعًا ملموسًا. أُدرك أن ليس الصمتُ والعَمى الإرادي والشلل الأخلاقي مجردَ هفوات بشرية عابرة، بل هي التربة السامة التي تنبت فيها أسنان الإبادة الجماعية. إنها الشروط التي تُمكّن الجريمة من أن تتكرّر، تحت أنظار عالمٍ يدّعي الرقي والحضارة.
فكيف نقبل تهميش المنظمات الدولية وانتهاك القانون الدولي والتغاضي عن الضغوط غير المسبوقة التي تُمارس على العدالة الدولية؟ كيف نغض الطرف عن محاولات خنق صوت الحق، وتكميم أفواه من وُجدوا ليُسمّوا الفظائع بأسمائها؟ إن هذه الهجمات ليست عشوائية، بل ممنهجة تهدف إلى إبقاء ستار كثيف من الصمت والتعتيم، لأن وظيفة تلك المنظمات لا تقتصر على التوثيق وإنما تتجاوزه إلى كشف المستور وتسمية ما لا يُراد له أن يُسمّى بإضاءة العتمة التي يختبئ فيها الجُناة.
وضوح النية :
إن الصمت ليس حيادًا، بل تواطؤٌ صارخ. وفي زمن تُطمس فيه الحقائق، يصبح مجرد تعيين الجناة إنجازًا أخلاقيًا بحد ذاته. أجل، لقد آن الأوان لأن نُسمّي الأشياء بأسمائها، بلا مواربة ولا لَفٍّ ودوران. ففي غزة تُرتكب، أمام أعيننا، إبادة جماعية تتراكم فيها أشكال الموت كما تتراكم الأنقاض فوق الأجساد المنهكة: الموت بالقصف الذي لا يهدأ، والموت بالتجويع بلا رحمة، والموت برصاصة تُطلق على من يمدّ يده نحو بضع غرامات من الدقيق على متن شاحنة، والموت بالتخلي الكامل عن بشرٍ حُرموا من الماء والكهرباء والدواء، وحتى من مجرد الاعتراف بإنسانيتهم. لا يبقى هذا الموت عند حدود الجسد، إنه يتسلل إلى الروح، إلى كرامة من نجا من كل هذه الأسباب المدمرة، إذ يُسام الذلَّ والهوان يوميًا، ويُجرد من الأمل ومن حقه في الحُلْم والتطلع وفي الحياة والبقاء. كل هذه الأشكال من الموت تتلاقى في نقطة واحدة، تحت ظل نية واضحة لا لبس فيها، تُدير آلة الفناء بوعيٍ كامل، وبقصدٍ لا يُمكن إنكاره.
وهذه النية ليست فكرة عابرة ولا مفهوماً مجردًا يُقرأ بين السطور؛ إنها نية معلنة، تَرفع بها الحناجرَ وتُطالب بها نهارا جهارًا حكومة "بنيامين نتنياهو" وعددٌ من المسؤولين السياسيين الإسرائيليين الذين لم يعودوا يُخفون مشروعهم: القضاء على شعبٍ بأكمله. لم يعد الأمر سياسة ضمنية، بل صار خطابًا رسميًا، يُروّج له بلا خجل، ويُنفّذ بلا رحمة، تحت غطاء التواطؤ الأمريكي وصمت الدول الأوروبية التي تكتفي بمواقف سلبية باهتة، لا ترقى إلى مستوى الجريمة التي تُرتكب. 
وفي منطقٍ مقلوبٍ ومخيف، يُصبح كل فلسطيني وحتى كل طفل أو كل نفس بريئة مُدانا بتهمة التماثل مع مرتكبي أحداث السابع من أكتوبر. لا يُنظر إليهم كبشر، بل كعقبات أمام مشروعٍ يُراد له أن يتحقق بأي ثمن: مشروع "إسرائيل الكبرى"، الذي يُلبّس بلبوس ديني وسياسي، ويُقدَّم كقدرٍ لا مردّ له. إنه منطق، لا مكان فيه للبراءة ولا استثناء للضعف، فالجميع مذنبون، والجميع يُحاكمون بلا محاكمة وبلا ذنب. وتكتمل أركان الجريمة بصدَى الصمت الصارخ الذي يحيط بها. إذْ بات كثير من الضمائر حول العالم يُفضّل ألا يرى وألا يعرف كي لا يواجه الحقيقة المرة. لذلك يضّ الطرف عن العنف والإبادة الجماعية، خشيةَ أن يضطره الواقع الأليم إلى الاعتراف بما لا يطاق: شعب يُباد عن آخره، وعالم يكتفي بالتفرج على الجريمة.
نحن اليوم لا نعيش في كثير من الأحيان داخل التاريخ بل خارجه، أي في فقاعة زمنية  يُكتب فيها سردٌ جماعي مأساوي بالدم والدمع في أماكن لا تبعد عنا سوى بضع أمتار. يكتنفنا فضاء ذهني وأخلاقي وجسدي تغمره اللامبالاة، حيث تُتاح للذين ينعمون بالراحة والطمأنينة رفاهيةُ التغاضي وامتيازُ الصمت. إنه فضاء العمى الطوعي، حيث نختار الجهل عن وعي، ونُمارَس التواطؤ السلبي تحت ستار حياد  يسمح بارتكاب الجرائم وباستمرارها، لأن من يملكون القدرة على الرؤية يختارون أن يُغمِضوا أعينهم.
في هذا الفضاء المأساوي أردت اليوم أن أخاطب الضمائر الحية وأن أوقظ ما تبقى من وجدان إنساني في نفوس الشعوب والدول، وفي أرواح الأفراد والمؤسسات، وفي أجْنان كل من لا يزال يؤمن بأن الصمت في وجه المأساة جريمة. لقد آن الأوان لكسر حاجز الصمت والتقاعس، وأن يتخذ كل فرد، مثقفًا كان أو فنانًا، مواطنًا بسيطًا أو صاحب قرار، موقفًا واضحًا حازمًا وفوريًا. لم يعد هناك متسع للتردد، ولا مبرر للحياد. فهذا الصمت الذي يُلبس عباءة الحكمة وثوب الحياد، هو ما يجعل أسوأ المآسي الإنسانية ممكنة، ويمنحها شرعية الاستمرار.
دُولنا قادرة على التصرف ولديها الوسائل :
لن يستطيع أحد أن يقول غدًا إنه لم يكن يعلم، فنحن نعلم ونرى ونفهم. ولدينا واجب أخلاقي مطلق يملي علينا التحرك، والتحدث ومعارضة هذا الجنون القاتل الذي يحدث أمام أعيننا. ويجب، أكثر من أي وقت مضى، أن يدفعنا الاعتراف بالحقيقة إلى رفض كل خلط أو تجريد، وأن نبقى يقظين وحذرين من التغاضي عن كل ما يؤدي إلى عودة معاداة السامية.
ألم يأن لفرنسا ودول العالم، أن تستعيد كلمة الشرف التي فُقدت في زحمة المصالح والحياد البارد، فيرفضون الإبادة الجماعية، ويقاومون اللاإنسانية بكل أشكالها. لقد أزفت لحظة العودة إلى جوهر السياسة.. إلى واجبها الأول والأسمى: حماية الأرواح البشرية، ومنع الانكسارات التي لا تُجبر، وصون ما تبقى من إنسانية فينا جميعًا. إن التاريخ لا ينتظر بل يسير بلا رحمة، يسجل ويحكم ويُدين. ولن يكون حكمه علينا رحيمًا إن نحن فشلنا في إنقاذ غزة، أو تواطأنا بالصمت، أو شاركنا في الجبن واللامبالاة.، لا سيما أننا نعلم، بكل يقين، أننا قادرون على التحرك.. قادرون على أن نقول "لا"، وأن نُعيد للضمير العالمي صوته، قبل أن يُغرقه العار في صمت أبدي.
نحن نعلم أن دولنا ليست عاجزة بل قادرة لو أرادت على اتخاذ خطوات ملموسة تُعيد الاعتبار للعدالة والكرامة الإنسانية. يمكنها أن تبدأ بإعلان التعليق الفوري لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، طالما استمرت الأخيرة في انتهاك حقوق الإنسان بشكل ممنهج. ويمكنها أن تذهب أبعد من ذلك، بدعم فعّال وصريح لمقاضاة المسؤولين الإسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية، وتنفيذ أوامر التوقيف الصادرة عنها دون تردد أو انتقائية.
كما يمكننا ويجب علينا أن نتحرك الآن لنوصل المساعدات الإنسانية العاجلة إلى غزة، عبر تدخل عسكري مشروع مدفوع لا بالمصالح، بل بالواجب الدولي لحماية السكان المدنيين من الإبادة والجوع والخذلان. يمكننا أن نفتح أبواب غزة أمام الصحفيين من جميع أنحاء العالم، لأن الحقيقة لا تُخشى، ولأننا نملك الحق والواجب، أكثر من أي وقت مضى، في كشفها للعالم. لقد آن الأوان لتعزيز التعبئة الدولية، ليس فقط لوقف المأساة، بل للاعتراف أخيرًا بدولة فلسطينية دائمة، قادرة على حماية مواطنيها، والعيش بسلام وأمن إلى جانب إسرائيل. هذا ليس حُلْمًا، بل ضرورة أخلاقية وسياسية، إذا أردنا أن نُعيد للعدالة معناها وللإنسانية ألَقَها.
وإلى جانب كل الوسائل السياسية والقانونية المتاحة لنا، يبقى العنصر الأهم هو نحن جميعا أي كل واحد منا في كل زاوية من هذا العالم. فما نحتاجه اليوم هو تعبئة الضمير الإنساني، لينهض كل فرد منا فيُعبّر بوضوح وحزم عن رفضه لما لا يُمكن قبوله لأنه يُهين الكرامة ويُهدد الحياة. قد نشعر بالعجز فرادى وقد يبدو صوتنا خافتًا وسط الضجيج. لكن إذا ما اجتمعنا وتوحّدنا في موقف أخلاقي لا يتزعزع، فإننا نستطيع أن نُغيّر ونُوقف ونُعيد بناء ما تهدّم. وحدتنا هي القوة الوحيدة القادرة على كسر جدار الصمت وعلى إعادة الرحمة والإنسانية إلى قلب التاريخ.

 

 

نص المقال بالفرنسية

TRIBUNE, parue dans le MONDE  de ce jour, de Dominique de Villepin. 

« Aujourd’hui, en regardant Gaza, en observant jour après jour ce qui s’y déroule, je dois me rendre à l’évidence tragique : un crime a lieu à Gaza, un crime de génocide. Des voix de plus en plus nombreuses, y compris parmi les historiens et les associations israéliennes, se lèvent pour le dire, et je mesure et j’admire le courage qu’il faut pour le faire, à l’image d’Omer Bartov et d’Amos Goldberg, ou de B’Tselem et de Médecins pour les droits humains.

A l’heure où l’on commémore le génocide de Srebrenica de juillet 1995, qui conduisit à la disparition de 8 000 hommes et garçons musulmans de Bosnie et au déplacement forcé de 30 000 personnes, je comprends désormais comment ce qui me semblait impossible hier est possible aujourd’hui. Je comprends que le silence, l’aveuglement volontaire, la paralysie morale, bien plus que des faiblesses humaines, sont les conditions mêmes par lequel le génocide est possible.

Comment accepter de voir ainsi mises hors-jeu les organisations internationales, bafoué le droit international, sans même évoquer les pressions inouïes exercées sur la justice internationale ? Toutes ces attaques ont bien pour but de maintenir la chape de plomb et de silence, puisque ces organisations ont précisément pour mandat de qualifier et de nommer l’innommable.

Une intention claire

Se taire, c’est se rendre complice. Nommer, c’est déjà agir. Oui, il faut aujourd’hui appeler les choses par leur nom. A Gaza, sous nos yeux, c’est bien un génocide qui se déroule. Toutes les formes de mort s’y accumulent : la mort par l’écrasement des bombardements incessants, la mort par la faim organisée, la mort par balle pour avoir voulu arracher quelques grammes de farine à l’arrière d’un camion, la mort par l’abandon absolu d’une population privée d’eau, d’électricité, de médicaments. La mort aussi par l’humiliation quotidienne infligée aux survivants, privés non seulement de dignité, mais aussi de toute espérance. Toutes ces formes de mort convergent dans un seul lieu, sous l’effet d’une intention claire.

Cette intention n’est pas abstraite : elle est annoncée, clamée, revendiquée par le gouvernement de Benyamin Nétanyahou et de nombreux responsables politiques israéliens qui, avec la complicité de l’administration américaine et la passivité des Etats européens, assument désormais ouvertement le projet d’effacer tout un peuple.

Chaque Palestinien, chaque enfant, chaque vie innocente devient coupable par assimilation à l’acte terroriste du 7-Octobre. Chaque Palestinien, chaque enfant est perçu comme un obstacle à la réalisation du projet messianique d’un Grand Israël. Dans cette logique effrayante, tous deviennent coupables, tous sont condamnés. Aujourd’hui, trop de consciences, partout dans le monde, préfèrent ne pas voir, préfèrent ne pas savoir, et détournent volontairement le regard de cette réalité douloureuse.

Nous vivons trop souvent aujourd’hui hors de l’histoire collective tragique qui est en train de s’écrire, dans une bulle protégée, dans un espace mental, moral et physique où l’indifférence règne en maître, où ceux qui vivent confortablement peuvent détourner le regard des atrocités qui se déroulent à quelques mètres d’eux. C’est l’espace de l’aveuglement volontaire, celui de la complicité passive.

Je veux m’adresser aujourd’hui aux consciences, aux peuples, aux Etats, pour que soient enfin rompus le silence et l’inaction. Pour que chacun, intellectuel, artiste, citoyen, là où il est, prenne position clairement, fermement, immédiatement. Pour que cesse cette complicité passive qui rend possibles les pires tragédies humaines.

Nos Etats ont les moyens d’agir

Car, demain, personne ne pourra dire qu’il ne savait pas. Nous savons, nous voyons, nous comprenons. Nous avons le devoir moral absolu d’agir, de parler, de nous opposer à cette folie meurtrière qui se déroule devant nous. Reconnaître cette vérité doit plus que jamais nous conduire à refuser tout amalgame, toute essentialisation, à rester attentifs et vigilants pour prévenir tout regain d’antisémitisme.

Il est temps que la France et les nations du monde retrouvent la parole perdue de l’honneur, celle qui refuse le génocide, celle qui refuse l’inhumain. Il est temps de revenir à ce devoir premier de toute politique : protéger les vies humaines, empêcher l’irréparable, préserver l’humanité en chacun de nous. Aujourd’hui, l’histoire se déroule implacablement. Elle nous juge déjà. Ne lui laissons pas dire que nous avons échoué à sauver Gaza. Ne lui laissons pas dire que nous avons été complices par lâcheté ou par indifférence. D’autant plus que nous savons que nous pouvons agir.

Nous savons que nos Etats sont en mesure d’apporter des réponses concrètes. En décrétant la suspension immédiate de l’accord d’association entre l’Union européenne et Israël, tant que les violations des droits humains persistent. En soutenant activement la poursuite effective des responsables israéliens devant la Cour pénale internationale et en appliquant ses mandats d’arrêt.

En organisant, aussi, l’acheminement urgent de l’aide humanitaire par le biais d’une intervention armée légitime, motivée par le devoir international de protéger les populations civiles ; en ouvrant les portes de Gaza aux journalistes du monde entier car, plus que jamais, nous avons le droit et le devoir de savoir ; en amplifiant, enfin, la mobilisation internationale pour la reconnaissance d’un Etat palestinien viable, capable de protéger ses citoyens et de vivre en paix et en sécurité aux côtés d’Israël.

Mais, au-delà de tous ces moyens à notre disposition, c’est aujourd’hui la mobilisation de chacun d’entre nous, partout dans le monde, exprimant clairement et fermement son refus de l’inacceptable. Seuls, nous ne pouvons rien.  Ensemble, nous pouvons tout. »
Dominique de Villepin