
الدهماء ريم
...........ا
قبل عيد سابق بأيام، قررت الذهاب إلى السوق المركزي، وعادة أستخدم موقفه مسبق الدفع خارج أوقات الزحمة، أما في أوقات الذروة فأركن سيارتي بعيدا واتجه إليه راجلة،.. كنتُ قادمة من جهة الغرب، فلاحت لي في الأفق زحمة شديدة، وحين اقتربت اكتشفتُ أنَّ محيط السوق أغلق بسيَّاجٍ حديدي، كان عليَّ أن أنعطف يسارًا، ثم أعدلتُ، فقد قدَّرتُ أنَّ ذاك الطريق ربما يكون مُغلقا هو الآخر، الزحام شديد والدخان والهرج البشري، فقد تحولت نقطة التَّماس مع السِّياج لمحطة لسيارات الأجرة،.. لم يبق أمامي من حل سوى الدوران والرجوع من حيث أتيت، .. ولم أدرك أني بذلك أوقعت نفسي في مصيدة برتبة "عاثر حظ"!
انعرجتُ بسيارتي عن السياج محاولة الدوران، فأوقفني عنصر من الشرطة، ودون تحية طلب أوراق السيارة، سألته عن الجرم قال:«استدارة من دون الملتقى». قلت: «إن الشوارع مغلقة جميعها أو هكذا تبدو، والملتقى دونه سياج من حديد، هل أقفز فوقه لأدور؟!»، فرد: «هناك شارع خلف سيارات الأجرة مفتوح! »،.. -«لكن من أين لي أن أعرف، لست مُبَصِّرة حتى أعلم»..-«المهم سأسجِّل عليكِ مخالفة»، فقلت:«هذا إصرار منك على ظلمي»، في اللحظة ذاتها، دار أمامي ما يقارب خمس سيارات أجرة وعدة عربات "توك توك" بنفس الطريقة التي درتُ بها، فاستغربتُ وضحكت!، والطريف أن شرطيا آخر كان ينظم دورانها "المحرم" بسلاسة،.. أي يُعينها على المخالفة!.. هل أُهَلْوس؟ حاولتُ لفت انتباه "مُعطِّلي" لما يَحدث من "مخالفات دوران"، فوجدته يعدو صوب ضحية أخرى (سيارة خصوصية)، انطلقتُ بالسيارة خلفه، وابلغته عن اكتشافي الخارق، فقال:«ذاك ما يعنيني!»، عدتُ أدراجي لزميله، ونبهته على الصورة التي هو بطلها،.. فعلى أي أساس تصادر أوراقي، وفي الوقت ذاته يسمح لسيارات الأجرة بالدوران والتوقف واستدراج الرّكاب بحرية في نفس المكان!، فقال قولا سَديدًا: «هاذو شمن امخاليق مولانا يشتغلو هون!»،.. أذهلني، كيف يُجيب بسطحية تُدِينه؟، وكيف يُفتي في انفاذ القانون بانحياز ويتصرف بانتقائية؟!.
أحرصُ كل الحرص أن تكون سيارتي مستوفية الأوراق والشروط، وتجاوزتُ سن التهور، ومع ذلك كلّما اقتربتُ من نقطة تفتيش تقف في نصف الطريق كالْهَمِّ المُخْلِص، أجْلِد مِزاجي حتى يَرْعوي، وأُذَاكرُ إيماني أنَّ الدنيا دار امتحان وابتلاء، وقد يأتيك الابتلاء في شكل عُنصر من مسقارو، تحوَّر لتَوِّه في تعديل وراثيٍّ إداريٍّ إلى شُرطيٍّ، يلبس بدلة رملية اللون، أو نصف زرقاء، أو كحلية، أو مُرَقَّطة، لا أدركُ طبعًا القصد من لعبة تغيير الألوان تلك، ولا تهمني كثيرا، فعلاقتي بهم تحكمها الثوابت الجمهورية، لا المتغيرات التجميلية،.. أتوقَّع في كل لحظة أنْ أقعَ تحت رحمة افرازاتٍ نفسية تتمترس خلف ذلك الزي، فرؤية كمين تفتيش لم تَعُد تَقْلبُ المزاج فحسب، بل تجعل التنفس يضيق تَبرُّمًا بمستويين إلى ثلاثة.
واصَلَ الشرطي الذي أوقفني عدْوَه من سيارة إلى أخرى مُمسكا بأوراقي!،.. غريب!.. مكثتُ معطلة طوع مزاجه، فلا هو حرَّرَني من حجزه لأذهب في حال سبيلي، ولا هو قَيَّدني بتحريرِ "مُخالفته" فأُقبِل على إجراءاتها تَسليمًا واحتسابا،.. لزمتُ الصمتَ أنتظر حُكما لا خيار فيه للاستئناف.
في الأثناء اقتربَ مني زميله، كان أَسَنَّ منه، بوجهٍ منهكٍ شاحبٍ، كما لو كان الزَّمن الأشعث مرَّره وَسط آلَةٍ للغسيل النَّاشف،.. فقَّهني تطوُّعًا منه في تكلفة المخالفة وفي "اتْكرْكِيرْ" المُخالصة، كان يَقصد ضِمناً أنَّ الإجراء الإداري المعتاد لدفع الغرامة سيجرُّ خلفه تشكيلة من صغار العلل و"العبثيات"، فماذا لو تَجنَّبتُها؟، خُصوصًا أنَّه مستعد للتوسط بيننا،.. فزاد استغرابي من لعبٍ على المكشوف، حين يختفي أحدهما بالأوراق ليفسح للآخر فرصة التفاوض باسمه،.. إييييه يا وطن! .
مُخاطِبي واثق من أنه مادام بيده وزميله سلطة تعطيلي بمخالفة، ومادام ليس بيدي حق الاعتراض على التغريم، فبإمكانهما دفعي إلى تفاوض بشروطهما على طاولة الرُّضوخ للأمر الواقع كأيِّ مُستلب ..، هذا المشهد يتكرر - مع الأسف - كل حفنة دقائق على طرق انواكشوط، وسكانها يشهدون، ومع ذلك لا يَفقد هذا التَّجاوز المُخل سحره السَّلبي أبدًا، وكأنَّه دَوَران ساقية خاوية،.. هذا الأمر غدا روتينا يوميا،.. فهل من مُدَّكر!
قلتُ للوسيط المتطوع: «ثق من شيئين، أولهما أنّي لن أستعطفكما، وثانيهما أنكما لن تَحملاني على دفع فلسٍ لغير الخزينة العامة، فلَربّما، -من يدري؟- عاد إليَّ الفلس في صيغة أخرى، صيغة تعليم أو صحة أو أمن، وما ذلك على الله بعزيز!»
ما لا يعلمه مُساومي أنِّي في احتكاكي معهم وصلتُ لمرحلة الانسداد النفسي، وهي مرحلة تأتي بعد تخمُّر الإحباط من الشيء، وعنوانها اللامبالاة، والبرودة في ردود الفعل، والاستعداد لتقبل الظلم بطيب خاطر..
عاد الشرطي الأول ومعه أوراقي، وبدا متلكِّئا في إصدار المُخالفة، كرَّرتُ على مسامعه ثانية أنه يمارس عليَّ ظلما انتقائيا بمظنة قدرتي على دفع الغرامة مقارنة بأصحاب سيارات الأجرة، وهو إفراط وتغوُّل، وبأنه مطالب بإنفاذ القانون بتجرد وحيادية قياسها الجوهر لا المظهر أو الخلفية، وبأنه محكوم بعَقْدٍ بيننا، أقسَم عليه تحت العَلَم، وبأنه لبس البزة الرسمية باسمي، لتأميني وخدمتي وتقويمي بالقانون، هذا طبعًا مادام يتقاضى راتبه من مقدراتٍ عموميَّة لي فيها نصيب، وبعضها تأتَّى عن ضرائب أدفعها عن كل نشاط أقوم به..
كان ينظر إليَّ بتأمُّل أقرب للخمول،.. وأنا لا أشتهي إيذاء كبريائه حتى وهو يمارس عليَّ ظلما بقوة بدلة رطَّبها العرق، واتْلَفتِ الشمس بريق قماشها،.. ورغم مظهرها وجدتني أحتفظ لها بهيبة رَمزيَّتها السلطوية، لكن تمنيتها سلطة القانون لا سلطة المزاج، فالأولى حُكمٌ عادل، أمَّا الثانية فتحكُّمٌ "امْحالي" في دولة القانون.
ظل الشاب صامتًا لبرهة، لمَّ أوراقي في محفظتها، ثم رماها في حركة غير لبقة على الكرسي الأمامي، كما تُرمَى عقدة الذَّنب على سطح الضَّمير، وقال بتشنج: «گيْمي!»، فانسحبتُ من مسرح المفاوضات على صوتِ تصفيقِ الحظِّ، (هذه المرة على الأقل!).. لكن القانون في روحه ليس سهمًا في برصة الحظ أو ورقة لعبٍ في عدالة الحُظوة.
سحبتُ زجاج النوافذ لِأْسفل، كنتُ أختَنِق،.. آآآآه، كبرتُ، وكبرت معي آمالٌ كانت أحلامًا صغيرة من أحلام وطنية كبيرة، ... ومنها شرطيّ نظيف المظهر، مُهذَّب الألفاظ، صلب التدريب، عليمٌ بالقانون، يقظ، منضبط الولاء للوطن، لا يَظلم، لا يتغوَّل، ولا يرتشي!
بالأمس كنا على علاَّت الولادة مشروع شعب، نُنظِّر، نتبصَّر، نأمل، نتحاوَر، واليوم صرنا إلى "تخبيزه" أقرب لجمهورٍ كبيرٍ هائم، يَهدر ويتنابز، يُزمجر في جهالة، ويخاف تشخيص الدَّاء لأنه هو ذاته الداء … صرنا إلى غياب وتخلُّف شديد!
نحن جلبة من الأصوات الفارغة، مُحاصرة في منطقها الخاص، منطق القطيع، وليس منطق الدولة.. ومع ذلك المنطق نضيع عقلا ونتيه فكرًا.
أحبائي البوليس، سأكتفي الآن بهذا القدر من "قصص بوليسية"، ورانَّ، مِصَّافيين ومسَّامْحين ما في علم الله، وراني اسْميت ألاَّ البوليس العَلني، البوليس السِّري ألاَّ في حفظ الله ورعايته، ما ايعدل الخاسر.
تحياتي.