محمد المختار سيدي هيبه
في غزة، لا تُرتكب المجازر بل تُدار، لا تُشن الحرب بل تُنظم، لا يُمارس العنف بل يُشرعن. ليست الفوضى، بل الانضباط الدموي للدولة الحديثة وقدرتها على ضبط الحياة والموت كأدوات حكم. هنا، العنف ليس انحرافًا عن القانون، بل هو القانون نفسه وقد صار نصًا محكمًا، خطابًا لا ينطق إلا بالقذائف، ولا يوقّع إلا بدماء الأطفال. الأمن ليس نظامًا للحماية، بل هندسة للهيمنة، تقسيم صارم بين من يحق له البقاء ومن يُحكم عليه بالإبادة، بين من يُعطى الحق في الذاكرة ومن يُجرد حتى من حقه في الحداد. إنها دولة الحداثة وقد تحولت إلى آلة قتل تُدير نفسها، بلا حاجة إلى مبررات أخلاقية، لأن القوة أصبحت ذاتها خطابًا لا يحتاج إلى شرعية خارجية.
إسرائيل ليست دولة استعمارية تقليدية، بل مختبر سياسي يُنتج تقنيات جديدة للقمع والسيطرة، ويعيد تشكيل الاستعمار داخل بنى ما بعد الحداثة. ليست كيانًا غاصبًا فقط، بل نصًا يكتب نفسه داخل سياقات الهيمنة الغربية، يتغذى من الاستشراق، يعيد إنتاج ثنائية “المتحضر” و”المتوحش”، ويعيد تقديم الفلسطيني ككائن فائض عن الحاجة، جسد يجب أن يُمحى ليُعاد تشكيل الجغرافيا بما يناسب السوق، العرق، والسردية المُطلقة للدولة. الاحتلال هنا ليس مجرد هيمنة عسكرية، بل هو مشروع معرفي، نظام دلالي يجعل القتل يبدو كحدث إداري، ويمحو معنى “العدالة” ليصبح “الأمن” هو القيمة المطلقة التي تُبرر كل شيء.
أما الخيانة، فهي ليست حدثًا معزولًا، بل بنية متماسكة، جهاز وظيفي يُعيد إنتاج الهيمنة الاستعمارية بأيدٍ محلية. النظام العربي لا يقف صامتًا، بل يؤدي دوره داخل مسرح ما بعد الكولونيالية، حيث تُدار السيادة كخدعة، يُعاد تعريف الاستقلال داخل حدود مرسومة سلفًا، ويُختزل القرار السياسي في طقوس الطاعة للمركز الإمبريالي. مصر لا تُغلق المعبر فقط، بل تُنظم تدفق الحياة والموت وفق منطق إدارة المستعمرات. السعودية والإمارات لا تكتفيان بالتواطؤ، بل تضعان فلسطين داخل معادلة السوق، حيث تصبح الدماء ملفًا تفاوضيًا، وحيث تُمحى الأخوّة لصالح الصفقات.
وأمريكا؟ ليست مجرد داعم، بل مركز الثقل الذي يجعل النظام يعمل بسلاسة. ليست فقط من تموّل، بل من تضع الإطار الخطابي الذي يحوّل المجازر إلى “ضرورات أمنية”. ليست فقط من تسلّح، بل من تصوغ اللغة، تعيد إنتاج المصطلحات، تجعل الاحتلال يبدو وكأنه إدارة أمنية، والمقاومة إرهابًا. إنها الإمبراطورية وقد بلغت ذروتها، لم تعد بحاجة إلى الاحتلال المباشر، بل تخلق شبكة من الحلفاء، من العملاء، من الأنظمة الوظيفية التي تُدير العنف محليًا، وفق معادلات لا تمس السيطرة الشاملة. الهيمنة لم تعد تحتاج إلى الجيوش، بل إلى اللغة، إلى الأكاديميا، إلى الإعلام، إلى صناعة إجماع يجعل القهر يبدو كحتمية، والموت كرقم مجرد.
لكن غزة تخرج من كل هذا ككسر في النص، كحدث لم يحسب له النظام حسابًا، كفائض لا يمكن دمجه في البنية القائمة. ليست مجرد ضحية، بل نفي لكل النظام العالمي، فضيحة تكشف تناقضاته، جسد يقاوم المحو، ذاكرة ترفض إعادة الكتابة وفق معايير السلطة. القصف، الحصار، التجويع، ليست وسائل لكسرها، بل لحظة صراع، اختبار أخير: إما أن ينجح النظام في فرض منطقه، أو أن يولد من تحت الركام شيء لا يمكن استيعابه داخل خطاب القوة، لحظة تمرد تقلب المعادلة، وتعيد كتابة التاريخ لا كمنتصر يفرض روايته، بل كصرخة من الأعماق، كحقيقة لا يمكن تصفيتها داخل المختبرات الأكاديمية أو الخطابات الدبلوماسية، كشيء لا يزال ممكنًا رغم كل شيء: الحرية.