إعلانات

"شرقِية... القصيدةُ الموريتانيَّة التِي تُؤنثُّ العالَم"!! محمد المامون محمد

اثنين, 31/03/2025 - 23:40

 

لعلَّ القيمة القصوى لأيِّ منجز أدبي أو مشروع إبداعي، علاوةً على مقترحاته الفنية في التعبير عن خصوصيّته، تكمُن فيما يُضرِم من أسئلةٍ وإشكالاتٍ ثقافيةٍ راسِخةٍ ومتينَة، وما يَصبُّ على ذلك الإضرام من زُيوت الفَلسفةِ الشفَّافة واللاذِعة. وتحتَ ضوءِ هذه المعطياتِ نجدُ أن الشيخ نوح، وهو يفكُّ لِجامَ اللغةِ في كلِّ مرةٍ داخلَ مضمارِ الإنجازِ، يكسبُ رهانَه على جموحِ التجاوزِ والإضافةِ. 
منذُ العتبةِ الأولى، يكشف نوحُ عن وعيٍ مكينٍ حينَ يُقرِّرُ " أنّه يقامر برصيده اللغويِّ والشعريِّ"، إنّه يتخلى طواعيَةً عن حوَّاسِه الشِّعريةِ فيمَا يُشبه التبرعَ بالأعضاءِ النبيلةِ بعد الموتِ. ولَكنّه لا يموتُ بل يَهبُ نفسَه حياةً جديدةً، ويدخلُنا معه في هواجسِها المُتعددةِ، ومناخاتِها النفسيّة والثقافية والاجتماعية الشتّى. كلُّ ذلك سبيلاً إلى " إضافة جسور للعبور إلى عوالم الأدب الموريتانيِّ المكتوب بالفرنسّية." وهو بهذا على عادتِه الحميمة يدعُونا إلى العناقِ، إلى الاقترابِ أكثر، وإلى التعرفِّ على ذواتِنا خارجِ الأسوجة اللغوية المحدودة. 
هكذا إذا يرُاوغنا الشيخ نوح في قناعٍ مُختلفٍ هذه المرّة، فمن أيِّ الجهاتِ سنترصّده؟ وأيَّ مساحاتِ القراءةِ نفتحُ أو نغلق كيْ لا ينفلت؟  

إنّ هذا النّص لهو برهانٌ قائمٌ على لاَمحدوديَّة الشعر، ولنْ تدعيَّ هذه الورقةُ العجولُ أنّها نفذَت إلى أقطارِه بما يسمحُ لها بالكلامِ، ولكن حسبُها أن تُشرعَ عينيها في حيّز ضئيلٍ من أفقِه الممتّد واقفةً على ما اعتبرَته فتوحاتٍ شعريةً تنضَاف إلى تراكماتِ مشروعِ "مرتنةِ الأدب" والعبارةُ بالتأكيدِ للشيخ نوح. 

كانَ أولَّ ما قرَ في ذهنِي وأنا أضمُّ الصفحةَ الأخيرة من ديوان " شرقية....قصائد غنائية إلى امرأةٍ من الساحل" للراحل الخالد عثمان جاكانا، أنَّه قصيدةٌ تؤنثُّ العالمَ من أعالي الميتافزيقا الشاهقة إلى سفوح الذاتِ الخفيضة، وما يندغم بينهما من اللازمكانٍ. ولا يتوقفُّ هذا التأنيثُ عند الحدودِ الدُنيا  لِلغة في انعِكاساتِها اللفظية (إلهتي، أنا الموجة النبية، أنا الأرض أنا الكوكب الأم...إلخ) بل يتجاسرُ أكثرَ  حدَّ أن يجعلَ هذه العملية التأنيثية للعالمِ مَركبًا شعريا يمخرُ به عُباب الذاتِ البشرية المُتلاطم، ويكتشِفُ من خلالِه أرخبيلَ الثقافاتِ في تنوِّعها الحضاريِّ والتاريخيِّ وعُمقها الإنسانيِّ والوجوديِّ، مستثمرًا ما تزخرُ به شفافيّة الأنوثةِ رمزيًّا. 
ولْأقفْ من هذا النّص ـــ ريثما يُمهل الوقتُ وتسنحُ القدرةُ بالاشتِباك ــ على ثلاثِ إضافاتٍ جوهريّة في سياقِ المرتنةِ المذكور آنفا :
1 ــــ القصيدةُ/ الجسد: ليسَ الجسدُ مُتناولًا مكتوبًا في مُدوّنتنا الشعرية الفصيحةِ ــ على اطلاعي ــ بما يكفي، بل إنَّ لحظاتِ اتِّحادنا به تكادُ تكون خاطفةً في غمراتِ الإيناسِ، وغالبُها رجعٌ لصدًى بعيدٍ ومتخيَّلٌ لحقيقةٍ مَحجوبة. وتأتِي قصيدة "شرقية" لتنصبَ  لنا مرآةً أمينةً  نتأمّلُ من خلالِها الجسدَ الموريتانيِّ الصرفِ، مُشكَّلا في تعدديةِ ما يفيضُ به من السحرِ والرهبنةِ. فهذه القصيدة من أوّلها إلى آخرِها نقلٌ حصريٌّ لمشاهدِ الجسدِ الموريتاني في عنفوانِه وانكساراتِه، في تطلعاتِه ومكبوتاتِه، في تمظهراتِه وإضمارتِه. وهي قصيدةٌ تمتحُ من معجمِ الجسدِ من الذؤابةِ حتَّى الأخمصينِ وما ينبتُ بينَ ذلكَ من فواكِه ، وتصدعُ في كلِّ التقاطةٍ بالجماليِّات المكنوزةِ عندَ " نساءِ بلادي!"...

2 ــ قصيدةٌ موريتانيةٌ : هذا النّص الشعري هو بوليفونيا ثقافية واجتماعية مُتداخلة الإيقاعات مِقدارَ تعدد الأصواتِ الوطنية،  ف"شرقية" إذ تعزف ملحونتها الفنيّة تبدو مُتكئة على خصبٍ وفير من المخزونِ الانثربولجي الذي يُغذي تداعياتِها واستدعاءاتِها، فَتختال مشغولةً برسمِ خريطةٍ مثاليةٍ للعثورِ على كنزِ الحبِّ الضائع في هذه الصحراءِ المُتراميةِ. وقد سكب فيها المرحوم موسى جكانا من روح معرفته بالمثيولجيا الشعبية والآداب عند مختلف مكوناتِ الوطن، وصهر فيها من تجربتِه وخبرتِه بالمجتمعات المتنوعة، حتى أخرج منها قصيدة حبلى بوطنٍ وسيمٍ يحتاجُ قابلة شاطرة لإخراجه من غياهب رحم الخيال إلى سطوعِ الواقع الذي شتتته السياسة وحمله الشاعر على قلبه، إنه كان مَسؤولَا!

3 ـــ القصيدة الديوان: بعدَ ترجمتِها إلى العربية في هذا الشكل الفنيِّ الحديث، تدخل "شرقية" باندفاعٍ عميقٍ إلى مشروعِ تحديث القصيدة الموريتانية، حيثُ تؤسسُ ضمن تجاربَ وطنية معدودةٍ على اقتحامِ هذا الشكل التعبيري المُطوّلة الشعريةِ  " القصيدة الديوان أو الديوان القصيدة" والذي اشتبكت به القصيدة العربية مطالع القرن العشرين رِيادةً مع جماعة العصبة الأندلسية وتحديدا الأخوان فوزي وشفيق المعلوف، لتنهمرَ بعد ذلك فيوض هذا الشكل في مسارات شعراء عرب عدة كمحمود درويش وعدنان الصائغ وأحمد بخيت وغيرهم، أما في موريتانيا فلم يعرف هذا الشكل الفني رواجًا، بل ــ حسب اطلاعي ــ لم ينسجم معه إلا بدي أبنو في " قصيدة الزمن والدم" وباته البراء في "مَدينتي والوتَر" والشيخ نوح في " على سجادة مني" والمختار السالم في " السالمية". واليومَ عبر بوابّة الترجمة، تدخل " شرقية" في معترك التأصيل المحليِّ لهذا الشكل الحداثيِّ، مضيفة بذلك مقترحا لهموم وهواجس تحديث القصيدة الموريتانية.