إعلانات

"مختصر خليل": لماذا هذه الترجمات كلّها؟

سبت, 08/03/2025 - 04:02

 

 

 

 

من باحة "المسجد الكبير" في الجزائر، أول أيام شهر رمضان 2025، (Getty)

 

 

 

كتب الفقيه المصري خليل بن إسحاق الجندي (ت. 1374) رسالة ستعرف لاحقاً بـ"مختصر خليل"، وهي متنٌ مكثف في الفقه المالكي بأقسامه الثلاثة: العبادات والمعاملات والجنايات، صاغه في أوجز عبارة وأقربها إلى الاصطلاح الفني، ملخصاً فيه القواعد الفقهية كافة حسب مذهب مالك الذي كان مرجع الفقهاء والطلاب في المغرب العربي وبعض دول أفريقيا. وكانوا يحفظونه عن ظهر قلب، ويستدلون بجمله المركزة في حل النوازل التي تعترضهم. 

ومنذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وجهت سلطات الاستعمار الفرنسي في الجزائر بترجمته إلى اللغة الفرنسية، فتعاقبت نقل أبوابه كلياً أو جزئياً، حتى وصل عدد ترجماته إلى ست في ثلاث لغات أوروبية، ما يشرع التساؤل عن أسباب هذه الظاهرة التي تعد إرهاصاً للترجمة القانونية في ثقافتنا العربية.

 ففي سنة 1839، أنشأ الاستعمار الفرنسي "لجنة علمية" لاستكشاف الثقافة الجزائرية والتحكم في نتاجها. وكان من بين مهام هذه اللجنة استعراض الأعمال الفكرية ومراقبتها قبل نشرها. وفي هذا الإطار، كُلف الطبيب نيكولا بيرون (1798-1876) بترجمة "مختصر خليل"، فأصدرها في سبعة أجزاء بين سنتي 1848 و1854. وبعد ذلك أعاد المترجم العسكري نابليون سينيات (1835-1884) ترجمة أجزاء من هذا الكتاب (1878) رغبة منه في تقنين الفقه وإظهاره في صيغة مبوبة تتماشى مع التصور الوضعي للقانون. وبعدها ترجم إدمان فانيون (1846-1931) الفصلين المتعلقين بالزواج والطلاق (1909) مركزاً على صيغ العقد وحله.

وفي الفترة نفسها، ترجم كل من دافيد سانتيانا (1855-1931) وأجنتيسيو جويدي (1844-1935) المختصر إلى اللسان الإيطالي ضمن عمل استشراقي ضخم حُلّي بتعليقات وشروح عديدة صدر سنة 1919. وقد أنجزت هذه الترجمة بطلب وتمويل من بياترو بارتولوني، وزير المستعمرات الإيطالي حينئذ. وقد اعتُبر هذا الإنجاز تطويراً للاستشراق بوصفه خطاباً "علمياً" عن الآخر، أي العربي المسلم، يفكك أنظمته الرمزية ويصوغ عنه "إثنوغرافيا" تعرض قواعد الأهالي وأنماط عيشهم وتحللها داخل سياقها الأصلي مع مقارنات لاواعية بالحقل القانوني الغربي.

ترجم المستشرقون الفقه حتى يُظهروا أنه لا ينتمي إلى القانون

وفي سنة 1919 نشر ف. هـ. ريكستون ترجمة إنكليزية للعمل، إلا أنه أكد في المقدمة أنه اعتمد الترجمة الفرنسية وليس الأصل العربي. وأخيراً ترجم هنري بوسكيي (1900-1978) قسم العبادات سنة 1955، مبرراً عمله بأنه مفيد للمثقفين الفرنسيين حتى يتعرفوا إلى ما أطلق عليه: "الغذاء الروحي لعلماء الإسلام" طوال القرون المنصرمة، إذ لا تتسنى الإحاطة بفكرهم إلا بتقريبه للقارئ الغربي، وبالفعل كانت ترجمته أقرب إلى الأسلوب الحديث تستعيد الموضوعات التي كانت تشغل بال الفقهاء والعامة على حد سواء.

 

هذا، وقد نشرت هذه السلطات الاستعمارية نفسها الكتاب في صيغته العربية نشراً "علمياً" ووزعته على القضاة الجزائريين، بل سهلت سيرانه بين العموم، في محاولة منها لتوحيد القضاء وجمعه على مرجعية واحدة، مع ما في هذا التمشي من إرادة السيطرة وحمل البلدان المستعمَرة على مستند واحد، يسهل إخضاعها.

ولذلك، أكد كلود بونتون في كتابه عن "القانون الإسلامي الجزائري خلال الحقبة الاستعمارية" (2014) أن الغاية المضمرة وراء هذه الترجمات والطبعة العربية إنما هي إنشاء "القانون الإسلامي"، أي بناء مدونة تعادل القانون الفرنسي في مختلف مجالاته وتصلح لأن تكون نقطة مقارنة، ومن ثم وسيلة للتدليل على تفوق القوانين الفرنسية على ما سواها من المنظومات القيمية لدى الشعوب الأخرى. وعليه، تُرجم هذا المختصر كما لو كان "مجلة" Code، أي مجموعة قواعد تنتظم وفق منطق الفصول والبنود التي تصاغ في لغة صارمة، هي التي وجدوها في أسلوب خليل وطريقته في التأليف. 

وأما تعدد الترجمات، فيُعلل بصعوبة النص الأصلي ودرجة تجريده التي تفضي ضرورة إلى تأويلات عديدة، فكان لكل تأويل ترجمة، ومع كل ترجمة جديدة تنضاف تحسينات وتصحيحات، ولا سيما على أعمال بيرون الأولى التي انتُقدت لغموضها وأخطائها. وكمثل على أسلوب خليل، لنقرأ هذه الجملة: "الإيداع توكيل بحفظ مال، تُضمن بسقوط شيء عليها لا إن انكسرت في نقل مثلها"... 

كذلك، يفسر هذا التعدد برغبة سلطات الاستعمار في فهم منظومة القيم التي يتبناها الأهالي، إذ كانت فرنسا تحتاج إلى أن تتعامل بذكاء معهم ومع "قيمهم" من أجل تلافيها وتجاوزها ومن ثم انتهاكها والتلاعب بها. فقد ترجم المستشرقون الفقه حتى يُظهروا أنه لا ينتمي إلى القانون في معناه الحديث ويبرهنوا أنه "لا شيء" مقارنةً بما استقر في القوانين الأوروبية من مبادئ التقسيم والتبويب والتقنين وما تمحض فيها من قواعد وضعية تُخالف منطق الأخلاق والدين والروح القبلية وأحوال الآخرة، وهي سمات بالغ الاستشراق الناشئ في التشديد عليها لنزع المصداقية عن الفقه ورميه في دائرة التخلف.

وفي هذا الإطار، كانت ترجمة خليل والتعليق عليه طريقة لتمجيد الذات الأوروبية وإظهار العجب وحتى "الصدمة" من بعض الأحكام التي وُلدت في البيئة العربية القديمة وتأثرت بشروطها الثقافية، مختلفة بالضرورة مع سقف الحداثة الذي يتحرك فيه هؤلاء المستشرقون متناسين أن القانون الأوروبي نفسه قد تطور عن تصورات وممارسات بعضها صادم وأنه اقترن في الماضي بهيمنة الكنيسة الكاثوليكية وخضع لإملاءاتها الأكثر عبثية وغرابة. ولئن اهتم هؤلاء الدارسون بالفقه أساساً فلأنه، كما ذكر عابد الجابري، الحقل الأهم في الثقافة العربية التقليدية وبين أحشائه تتفاعل معارف أخرى كالأصول واللغة والتفسير والحديث وحتى الطب والحساب والمواقيت...

ربط ما بلغه الفقه من عمق بالحضارة اليونانية والبيزنطية

وفي مقابل ذلك، برزت نزعة مناقضة ظاهرياً لإرادة إبراز روح التفوق الأوروبي هذه وهي ربط ما بلغه الفقه من عمق بالتأثير الذي مارسته الحضارة اليونانية والبيزنطية عليه، ما يعني وجود الرغبة نفسها في إرجاع أي سبق أو تقدم إلى حضارات الغرب في أطوارها الأولى. 

وينضاف إلى ذلك حاجة عملية تتمثل بمعرفة طرق تعامل الجزائريين في حياتهم اليومية، مثل ما يدفعونه من زكاة، اعتبرها المستعمر "ضرائب"، ومثل محددات السلم والحرب لديهم علاوة على أحكام الصوم والحج وقواعد المعاملات كالزواج والحضانة ونظم البيع والشراء والإجارة... وكلها مما يفيد المستعمر مباشرة ويعينه في السيطرة على الأراضي بطرق تُصور على أنها "شرعية" حين تُقدم في ثوب فقهي.

وهكذا فليست ترجمات "مختصر خليل" عملاً بريئاً، ولا هي بالفعل المُغرض، بل كانت ضرورة سياسية تحركها الرغبة في معرفة الآخر واستيعاب مكونات ثقافته الدينية التي تعتمد المذهب المالكي. هدفت هذه المعرفة، وهي نظرية في ظاهرها فقط، إلى تلبية حاجة واقعية: إحكام السيطرة على الشعوب الأصلية وبسط النفوذ على أنظمتها الاقتصادية والقضائية ثم على عقولها. ولذلك كانت مقولة "القانون الإسلامي" من آثار هذه الحقبة الاستعمارية، بل أكذوبة من أكاذيبها تبرر طمس الفقه ذاته، وكان حرياً به أن يظل كما كان عليه: فهماً معمقاً لمقصد الشريعة من وجود الإنسان على الأرض.

 

* كاتب وأكاديمي تونسي مقيم في باريس