
- الكاتب: فاطمة موسى كرنيب
- المصدر: الميادين نت
في الجزء الشمالي الغربي من قارة أفريقيا، تقع الجمهورية الإسلامية الموريتانية؛ الدولة التي تشكّل المساحاتُ الصحراوية نحوَ 80% من أراضيها.
وفي حين لا تتجاوز نسبة الأراضي الخصبة في موريتانيا 0.2% من المساحة الإجمالية للبلاد، البالغة أكثر من مليون كلم مربع، تسبح في مياهها الإقليمية ثروةٌ هائلة جعلتها إحدى أغنى دول العالم في الموارد السمكية.
وعلى الرغم من الحجم الكبير للثروة السمكية في موريتانيا، فإنّ ذلك لم يسعف أهل البلد لانتشالهم من الفقر المدقع، إذ إنّ موريتانيا "صيد ثمين" لأوروبا، وخصوصاً فرنسا، التي تستغل ثروة الموريتانيين، حارمةً إياهم من عوائد طائلة تحسّن اقتصادهم.
موارد سمكية وافرة ومتنوعة
يحدّ المحيطُ الأطلسي موريتانيا من جهة الغرب على امتداد 700 كلم. وتمتلك موريتانيا منطقةً اقتصاديةً خالصة، مساحتها 234 ألف كلم مربع، تتميّز بوفرة مواردها السمكية وتنوّعها. وتقدّر كمية الأسماك التي يمكن اصطيادها من المياه الإقليمية الموريتانية من دون الإخلال بالتوازنات البيولوجية لمخزون الثروة السمكية بـ1.8 مليون طن سنوياً.
تحتوي المياه الإقليمية الموريتانية ما يزيد على 600 نوع من الأسماك، بينها 200 نوع ذي قيمة تجارية ومطلوب بشدّة في السوق الدولية. وتتوزّع المصايد التي تشمل هذا المخزون من الأسماك على 6 مجموعات.
هذه المصايد الـ6 تنقسم بدورها إلى 4 مصايد للأسماك القاعية، أي التي تعيش في قاع البحار أو البحيرات، ومصيدتَين للأسماك السطحية، وهي التي تعيش في المنطقة السطحية من مياه المحيطات والبحيرات، بعيداً من القاع والشواطئ.
- تنقسم الأسماك في موريتانيا إلى مجموعتين: القاعية والسطحية (موقع "Witness Image")
تشمل مجموعات الأسماك القاعية:
1- رأسيات الأرجل: الأخطبوط والحبار.
2- الأسماك القاعية الموجودة عند الشاطئ وفي أعماق البحار: الدنيس، والهامور، وباطن القدم، والشفنين وأسماك القرش، والبوري الأحمر، والنازلي.
3- القشريات: الروبيان الساحلي وروبيان أعماق البحار، وجراد البحر، وسرطان البحر.
4- ذوات الصَّدَفتين: مع وجود مخزون من المحار غير مستغَل اليوم بسبب القيود الفنية والصحية.
أما مجموعتا الأسماك السطحية فهما:
1- أسماك السطح الصغيرة: السردينيلا، والسردين، والماكريل، والإثمالوز، والأنشوجة، والتونة الصغيرة، والبوري، والكوربين.
2- أنواع التونة الرئيسة: البكورة، والصفراء، والوثابة.
والأنواع الأكثر تداولاً من هذه المجموعات السمكية هي رأسيات الأرجل والقشريات والأسماك السطحية. وفي حين تبلغ طاقة الصيد السنوية أكثر من 1.8 مليون طن، سجّلت أحدث الإحصاءات أقلّ من 1.2 مليون طن، الأمر الذي يعني أنّ ثمة مجالاً لمزيد من الاستثمارات.
إحدى ركائز الاقتصاد الموريتاني
يُعدُّ قطاع الثروة السمكية إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني الموريتاني، ويحظى بمكانةٍ استراتيجيةٍ فيه، إذ يساهم في تأمين حصّةٍ كبيرةٍ من الدخل المحلي وفرص العمل، ويعمل على توازن الاقتصاد الكلي والأمن الغذائي.
وصيد الأسماك مصدرٌ أساسي ومستدام للثروة في البلد الواقع في غربي أفريقيا. وتتراوح تقديرات مساهمة مصايد الأسماك بين 4% و10% من الناتج المحلي، وتشكّل أكثر من ربع ميزانية البلاد، ونحو نصف مصادر العملة الصعبة.
ينقسم الصيد في موريتانيا إلى صيد نهري وآخر بحري؛ الأول موسمي، ويتمّ في عدّة مسطّحات مائية، أهمّها نهر السنغال وروافده، بحيث تقدَّر هذه المصيدة بنحو 15 ألف طن، تستهلكها أُسر الصيادين أو تُباع محلياً. كذلك، يُعَدُّ الصيد البحري من أكثر القطاعات إنتاجيةً في البلاد.
تُباع المنتجات السمكية الموريتانية، وغالباً ما تكون طازجة، للسوق المحلية أو مجمّدةً من أجل تصديرها إلى دول أخرى. ويذهب إنتاج الصيد في موريتانيا إلى التصدير بنسبة تفوق 90%، وهو يمثّل نحو 58% من الصادرات، فيما الواردات معدومة.
وعام 2022، سجّلت "الشركة الموريتانية لتسويق الأسماك"، وهي شركةٌ تملكها الدولة، نحو 274 مليار أوقية (العملة الوطنية الموريتانية)، ما يعادل 759 مليون دولار، وهو المستوى القياسي الذي بلغته صادرات الأسماك الموريتانية منذ 38 عاماً.
على صعيد المعيشة، يوفّر الصيد في موريتانيا ما يزيد على 220 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة. وإلى الجانب العمل المباشر في مجال الصيد، الذي يعمل فيه نحو 36 ألف شخص، تنشأ مهنٌ موازية تُنعش السوق الموريتانية، كبيع البلاستيك وتقشير الأسماك.
ويُساهم الصيد في توفير فرص العمل في مجال النقل، الأمر الذي يؤمّن دخلاً لأعداد كبيرة من الشبّان الذين يملكون سيارات أجرة، إضافة إلى توفيره فرصاً لتشغيل الحمّالين الذين يحتاج إليهم تجار الجملة من أجل تسيير أمورهم. وفي حين لا تُعَدُّ الأسماك الطعام المفضَّل لدى الموريتانيين، فإنّ الثروة السمكية، بسبب ما توفّره من فرص عمل، تساهم بصورة غير مباشرة في تحقيق الاكتفاء الذاتي وجزء من الأمن الغذائي في البلاد.
وخلال الأعوام الأخيرة، بُذِلت جهودٌ كبيرة في مجال تطوير البنى التحتية الخاصة بالصيد، بحيث تمّ توسيع ميناء نواذيبو وتنظيفه، كما تم تشييد ميناء تانيت في المنطقة الوسطى، إضافة إلى إجراء عمليات تأهيل في سوق السمك في العاصمة نواكشوط وبناء طرق لفكّ العزلة عن قرى الصيادين.
وبعدما كان في موريتانيا 50 مصنعاً عاملاً في معالجة المنتجات البحرية عام 2006، قفز العدد إلى 94 مصنعاً عام 2014، يُعتمد 97% منها لدى الأسواق الأوروبية.
ثروة يستغلها الأجانب
تعود زيادة المصانع العاملة في مجال الصناعات السمكية في موريتانيا، بصورة أساسية، إلى زيادة مصانع دقيق السمك. ودقيق السمك هو سلعةٌ مصنوعةٌ من الأسماك السطحية التي تُطحن لتصير علفاً للماشية، كالخنازير والدواجن، والأسماك المستزرعة. وحالياً، يوجد في موريتانيا 29 مصنعاً للطحن، طاقتها الإنتاجية تقارب مليون طن.
وعلى الرغم من الفائدة الاقتصادية لهذه المصانع، فإنّ مضارَّ كثيرةً تنشأ عنها أيضاً، إذ يثير قطاع دقيق السمك، الذي يسيطر عليه "المستثمرون" الأجانب، والموجَّه بصورة شبه تامة إلى الأسواق الخارجية، مخاوفَ جديةً بشأن تبعاته البيئية والاجتماعية.
تعرّف المفوضيةُ الأوروبية المسؤوليةَ الاجتماعية للشركات على أنّها المسؤولية التي تتحمّلها الأخيرة فيما يتعلّق بتأثيرات نشاطاتها في المجتمعات التي تعمل فيها. وتستوجب هذه المسؤولية احترام القوانين، والنظر في المسائل الاجتماعية والبيئية والأخلاقيات، واحترام حقوق الإنسان والمستهلك، سواء في أنشطتها التشغيلية أو في وضعها استراتيجيتها، إلا أنّ ممارسات الشركات الأوروبية العاملة في مجال "استثمار الأسماك" تخرق هذا التعريف، بسبب ما تتسبّب به من مشكلات بيئية واجتماعية في موريتانيا، كما في كل منطقة غربي أفريقيا.
هذه الشركات هي المسبّب الأول لتناقص كميات الأسماك السطحية، وهي تحرم بذلك آلاف الصيادين المحليين وتجار الأسماك من هذا المصدر الذي لا يمكن الاستغناء عنه للأطعمة الرخيصة والمغذية.
وفي حين تحاول الشركات المنضوية في صناعة دقيق السمك وزيته صرفَ الانتقادات عن نشاطاتها، من خلال الادّعاء أنّها "تدفع النمو الاقتصادي وتضيف قيمةً من خلال التوظيف"، فإنّ هذه الصناعة توفّر عدداً محدوداً من الوظائف "الجيدة" التي يشغل معظمَها موظفون أجانب، والتي تقوّض فرص العمل وسبل عيش الآلاف من السكان.
ونظراً إلى انعدام الأمن الغذائي في موريتانيا، والفقر الذي يعانيه أبناؤها، يصبح العمل على استغلال الأسماك السطحية الصغيرة في الاستهلاك البشري المباشر هو الأولوية، بدلاً من السماح للشركات الأجنبية بطحنها لتستهلكها الحيوانات في المزارع الأوروبية أو الآسيوية، بصفتها "مكمّلات غذائية" أو مدخلات في مستحضرات التجميل.
أما بيئياً، فتتسبّب هذه الشركات بتلوث الهواء والماء، وتراجع التنوع البيولوجي الذي تدعمه الأسماك المستهدَفة. كما أنّ عملية صيد الأسماك ومعالجتها، إضافة إلى تصدير دقيق السمك والزيت، تولّد مستويات عاليةً من انبعاثات الكربون، الأمر الذي يترك أثراً سلبياً في الأوضاع المناخية والظروف الصحية للسكان.
ويُعَدُّ الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً فرنسا، السوقَ الرئيسة لزيت السمك الموريتاني. وعام 2019، اتّجه أكثر من 70% من 35 ألف طن من زيت السمك من موريتانيا إلى الاتحاد الأوروبي. وبلغ إجمالي واردات فرنسا وحدها أكثر من 60% من واردات الاتحاد الأوروبي.
فرنسا تغذّي الاستغلال المفرط للسمك
تؤدي فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة لموريتانيا، انطلاقاً من أنها أكبر "مشترٍ" لزيت السمك منها، دوراً رئيساً في حرمان ملايين السكان من الحصول على هذا المصدر الأساسي من الأحماض الدهنية والفيتامينات، وذلك عبر شركة "Olvea".
وبحسب "Coalition for Fair Fisheries Agreements"، المعروف اختصاراً بـ"CFFA"، والمتخصص بالتوعية بشأن تداعيات الاتفاقات السمكية بين أوروبا وأفريقيا، تدرك الشركات الأوروبية، وبينها "Olvea"، الانتقادات التي تواجهها.
وتدرك تلك الشركات أيضاً الآثار الاجتماعية والبيئية السلبية لعمليات إنتاج دقيق السمك والزيت، إلا أنّها، مع ذلك، بدلاً من قبول المسؤولية وسحب الاستثمارات، تحاول تعليل مصالحها واستثماراتها التجارية.
وفي ردها على الانتقادات، تساءلت الشركة الفرنسية عما إذا كانت التحديات الاجتماعية والبيئية القائمة "ستختفي، في حال خروجها من موريتانيا"، لتجيب بنفسها: "بالتأكيد لا. وليس من المؤكد أنّ الجهات الفاعلة الأجنبية الأخرى سوف تكون مهتمةً بقدر اهتمامنا بالاستدامة".
- شركة "أولفيا" الفرنسية
في المقابل، وصف "CFFA" هذه الذريعة بـ"الواهية. وكثيراً ما تستخدمها الصناعات المدمِّرة والملوِّثة" التي تتّخذ أوروبا مقراً لها، عندما تتحدّث عن عملياتها في دول الجنوب، ومفادها: "إذا لم نكن هناك، فستكون الأمور أسوأ".
وفي حين توحي حجج كهذه بأنّ واقع الثروة السمكية مرهون بـ"حسن نيّات" هذه الشركات، لا السلطات المحلية في موريتانيا، فإنّ الواقع يُظهر العكس، إذ عملت نواكشوط على مدى الأعوام السابقة على وضع سقف لاستخدام الأسماك السطحية الصغيرة.
والأوضاع سيئة أصلاً في موريتانيا، كما في عموم غربي أفريقيا، بسبب الشركات الأوروبية، من بينها "Olvea" الفرنسية التي تغذّي الاستغلال المفرط للأسماك السطحية، من أجل إشباع شهية الأوروبيين المفتوحة فيما يتعلق بالسلمون المستزرع أو المكمّلات الغذائية أو مستحضرات التجميل، على حساب الأمن الغذائي لشعوب المنطقة الفقيرة، بحسب "CFFA".
وانطلاقاً من هذا، تجيب "CFFA" عن تساؤل "Olvea" عبر قولها: "نعم، الشركات الأوروبية يحب أن تفكّ ارتباطها بصناعة دقيق السمك وزيت السمك في موريتانيا".